مدى كفاية التمسك بإعلان القوة القاهرة للتحلل من الالتزام في العقود طويلة الامد
يُعد العقد من أبرز مصادر الالتزام الارادية التي تنشئ الالتزامات وتُنظّم العلاقات بين الأفراد، والذي يجسّد توافق الإرادتين على إنشاء التزامات متبادلة ملزمة. وقد عرّف المشرع الأردني العقد بأنه ارتباط الإيجاب بالقبول على وجه يثبت أثره في المعقود عليه، ويترتب عليه التزام كل من المتعاقدين بما وجب عليه للآخر. وإن كانت القواعد العامة للعقود تقوم على مبدأ فورية تنفيذ الالتزامات العقدية، فإن التطبيق العملي يكشف عن تباين جوهري بين أنواع العقود، لا سيما من حيث طبيعة وموعد تنفيذ الالتزام محلها. ويبرز هذا التباين بوضوح في العقود المستمرة أو الزمنية التي لا يقتصر الالتزام فيها على مجرد الأداء، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعنصر الزمن، بحيث يصبح التنفيذ خارج الإطار الزمني المحدد عديم القيمة أو غير محقق للغرض العقدي. حيث تتميّز العقود المستمرة أو الدورية بأنها عقود يتجدد فيها تنفيذ الالتزام على فترات زمنية متتابعة، بحيث يشكّل الزمن عنصرًا جوهريًا في تكوين الالتزام ذاته. ولا يُتصوّر في هذا النوع من العقود فصل الأداء عن توقيته، إذ إن فوات الزمن قد يؤدي إلى انتفاء الجدوى الاقتصادية أو العملية من التنفيذ، حتى لو تم لاحقًا بصورة مطابقة من الناحية الفنية. ومن أبرز صور هذه العقود عقود التوريد طويلة الأجل، لاسيما في مجالات الطاقة (النفط والغاز)، حيث تُحدّد الكميات ومواعيد التسليم بدقة، ويترتب على الإخلال بالجدول الزمني آثار قانونية قد تصل إلى زعزعة العقد برمته.
وفي ظل الأزمات العالمية والتحولات الجيوسياسية لاسيما الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة، حيث سارعت العديد من شركات النفط والطاقة إلى إعلان حالة القوة القاهرة نتيجة الأضرار التي لحقت بمنشآت الإنتاج لهه الشركات، يثور التساؤل حول مدى إمكانية التمسك بنظرية القوة القاهرة للتحلل من الالتزامات في هذه العقود، وما إذا كان مجرد إعلان المتعاقد لوقوع القوة القاهرة يكفي لإعفائه من التنفيذ، أم أن للطرف الآخر الحق في منازعته وإثبات أن التنفيذ لم يصبح مستحيلاً وإنما مرهقًا فقط، بما يوجب تطبيق نظرية الظروف الطارئة بدلًا من القوة القاهرة.
وفي هذا السياق يمكن القول أنّ المشرع الأردني قد ميّز بوضوح بين نظريتي القوة القاهرة والظروف الطارئة، رغم ما قد يثور بينهما من تداخل في التطبيق العملي. فالقوة القاهرة، كما نظمتها المادة (247) من القانون المدني الأردني، تقوم على أساس استحالة تنفيذ الالتزام استحالة مطلقة نتيجة حادث استثنائي غير متوقع ولا يمكن دفعه، بحيث يترتب على ذلك انقضاء الالتزام المقابل له وانفساخ العقد من تلقاء نفسه. ويُفهم من هذا النص أن الأثر الجوهري للقوة القاهرة يتمثل في زوال الالتزام بسبب استحالة التنفيذ، وهو ما يؤدي تبعًا لذلك إلى انحلال الرابطة العقدية دون حاجة إلى تدخل قضائي منشئ، وإن كان للقضاء دور في التحقق من توافر شروط هذه الاستحالة. ولا يقتصر أثر القوة القاهرة على الانفساخ الكلي للعقد، بل قد يكون الانقضاء جزئيًا إذا كانت الاستحالة جزئية، وهو ما أكده النص ذاته، كما اعتبر المشرع أن الاستحالة الوقتية في العقود المستمرة تأخذ حكم الاستحالة الجزئية، بما يترتب عليه وقف تنفيذ الالتزام خلال فترة المانع. غير أن خصوصية العقود الزمنية تفرض قراءة هذا النص من زاوية أخرى، إذ إن التأخير في تنفيذ الالتزام، ولو كان مؤقتًا، قد يؤدي إلى فقدان الأداء لقيمته الاقتصادية أو الوظيفية، الأمر الذي يجعل التعليق غير كافٍ في بعض الحالات، ويبرر القول بانفساخ العقد بالنسبة للمدة الزمنية التي تعذر تنفيذ الالتزام خلالها، أو حتى بالنسبة للعقد بأكمله إذا ارتبط التنفيذ بموعد جوهري لا يقبل التأخير. في المقابل، تقوم نظرية الظروف الطارئة، التي نظمتها المادة (205) من القانون المدني الأردني، على أساس مغاير، إذ تفترض بقاء التنفيذ ممكنًا من الناحية الواقعية، ولكن مع تحوله إلى عبء مرهق يهدد المدين بخسارة فادحة نتيجة حادث استثنائي عام لم يكن في الوسع توقعه. وفي هذه الحالة، لا يجيز القانون للمدين التحلل من التزامه، بل يفتح المجال أمام تدخل القضاء لإعادة التوازن العقدي من خلال رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، تحقيقًا لمقتضيات العدالة. ويُلاحظ أن المشرع أضفى على هذه القاعدة طابعًا آمِرًا، إذ نص صراحة على بطلان كل اتفاق على خلافها، مما يعكس حرصه على حماية التوازن العقدي في مواجهة التحولات الاستثنائية.
ويكتسب التمييز بين هاتين النظريتين أهمية خاصة في العقود المستمرة، حيث يصعب في كثير من الأحيان تحديد ما إذا كان الحدث الطارئ قد بلغ حد الاستحالة أم اقتصر على مجرد الإرهاق. ففي عقود الطاقة، على سبيل المثال، قد تؤدي الأزمات العالمية أو القيود السيادية على التصدير إلى تعطيل الإمدادات أو ارتفاع تكلفتها بشكل كبير، وهو ما يدفع بعض المتعاقدين إلى التمسك بالقوة القاهرة. غير أن التكييف القانوني الصحيح لهذه الحالات يقتضي التحقق من مدى استحالة التنفيذ، فإذا كان بالإمكان تنفيذ الالتزام ولو بتكلفة أعلى أو بصعوبة أكبر، فإن وصف القوة القاهرة ينتفي، ويحل محله تطبيق نظرية الظروف الطارئة.
ومن هذا المنطلق، يتضح أن مجرد إعلان أحد المتعاقدين وقوع القوة القاهرة لا يُرتب بذاته أثرًا قانونيًا يُعفيه من تنفيذ التزامه، ولا يملك بموجبه التحلل من العقد بإرادته المنفردة. ذلك أن القوة القاهرة ليست واقعة مادية، وإنما وصف قانوني يتطلب تحقق شروط موضوعية محددة، ويخضع في النهاية لرقابة القضاء. ومن ثم، فإن إعلان القوة القاهرة لا يعدو أن يكون دفعًا قانونيًا يثيره المدين، يتعين عليه إثباته، ولا يُقبل إلا إذا ثبت أن التنفيذ أصبح مستحيلاً استحالة مطلقة لا يمكن تلافيها. وفي المقابل، يملك المتعاقد الآخر، الحق في اللجوء إلى القضاء، وإثبات أن شروط القوة القاهرة غير متوافرة، وأن ما طرأ من ظروف لا يجاوز حد الإرهاق أو المشقة، مهما بلغت درجتها. فإذا ثبت ذلك، انتفى وصف القوة القاهرة، وتعذر على المدين التمسك بها للتحلل من التزامه، وأصبح النزاع خاضعًا لأحكام نظرية الظروف الطارئة، بما يقتضي استمرار العقد مع إمكان تعديله قضائيًا. وهذا ما أكدته اجتهادات محكمة التمييز الأردنية، التي أكدت في أكثر من قرار أن تطبيق نظرية الظروف الطارئة لا يجيز للمدين الامتناع عن التنفيذ أو فسخ العقد بإرادته المنفردة، وإنما يقتصر على طلب تدخل القضاء لتعديل الالتزام أثناء سريان العقد، كما في قرارها رقم (590/2010)[1]. كما بيّنت في قرارها رقم (4979/2022)[2] أن النصوص المتعلقة بالظروف الطارئة لا تُنشئ حقًا للمتعاقد في إنهاء العقد من جانب واحد،[3] وفي سياق العقود المستمرة، تتعقد المسألة أكثر، إذ قد تتخذ الاستحالة طابعًا وقتيًا، كما في حالات التعطل المؤقت للإمدادات أو القيود المؤقتة على التصدير. وهنا، اعتبر المشرع أن الاستحالة الوقتية في هذه العقود تُعد بمثابة استحالة جزئية، يترتب عليها وقف تنفيذ الالتزام خلال فترة المانع. غير أن هذا الحكم لا يُطبق بصورة تلقائية، إذ يجب مراعاة طبيعة الالتزام، فإذا كان مرتبطًا بموعد جوهري بحيث يفقد قيمته بفواته، فإن الاستحالة الوقتية قد تُنتج أثرًا يعادل الاستحالة النهائية بالنسبة للجزء الزمني الذي تعذر التنفيذ خلاله، مما قد يبرر فسخ العقد جزئيًا أو كليًا بحسب الأحوال.
وعليه، فإن القول بكفاية إعلان القوة القاهرة للتحلل من الالتزام يُعد قولًا غير سليم قانونًا، إذ إن هذا الإعلان لا يُنشئ بذاته حالة الاستحالة، ولا يعفي المدين من عبء الإثبات، كما لا يحول دون حق الطرف الآخر في إثبات أن التنفيذ لا يزال ممكنًا، وإن كان مرهقًا. وفي هذه الحالة، يمتنع على المدين التمسك بالقوة القاهرة، ويتعين إخضاع العلاقة لأحكام الظروف الطارئة، التي تقوم على تعديل الالتزام لا إنهائه.
وخلاصة ذلك، أن الفاصل الجوهري بين النظريتين يكمن في معيار الاستحالة مقابل الإرهاق، وأن تطبيق أي منهما في العقود المستمرة، وخاصة في عقود الطاقة، يظل رهينًا بتكييف دقيق للوقائع، يخضع لرقابة القضاء، بما يحقق التوازن بين استقرار المعاملات ومنع التعسف في استعمال الحق، ويحول دون اتخاذ القوة القاهرة وسيلة للتحلل غير المشروع من الالتزامات التعاقدية.
ويترتب على ما تقدم أن أثر القوة القاهرة في العقود المستمرة يتراوح بين التعليق والانفساخ، بحسب ما إذا كانت الاستحالة وقتية أم دائمة، مع الأخذ بعين الاعتبار الطبيعة الزمنية للالتزام. أما في حالة الظروف الطارئة، فإن الأصل هو بقاء العقد واستمراره مع تدخل القضاء لتعديل الالتزامات بما يحقق التوازن بين الطرفين. وفي كلتا الحالتين، لا يُعفى المدين من المسؤولية إلا إذا ثبتت القوة القاهرة كسبب أجنبي، أما إذا اقتصر الأمر على الإرهاق، فإن الالتزام يبقى قائمًا مع إمكان تعديله.
من إعداد المحامي عمار ابو عاصي
[1] قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم (590/2010) تاريخ، 27/4/2010، تمييز حقوق: “وعن السبب الثاني من حيث الدفع بأن الدعوى سابقة لأوانها فإن هذه الدعوى أقيمت في 2/6/1990 بموضوع (رد الالتزام المرهق إلى الحد العادل وفقاً للمادتين 204 و205 من القانون المدني ومطالبة بتعويضات).
[2] قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم (4979/2022) تاريخ، 5/12/2022:” وعن السببين الثالث والخامس وحاصلهما النعي على محكمة البداية بصفتها الاستئنافية خطؤها بعدم تطبيق أحكام المادة (205) من القانون المدني رغم توافر شروطها كما أن تطبيق هذه المادة لا يستدعي إقامة دعوى مستقلة من المميز وتخطئة المحكمة بتأيدها لقرار محكمة
الدرجة الأولى المتضمن بأنه ينبغي إقامة دعوى مستقلة وفقاً لأحكام المادتين (685، 699) من القانون ذاته رغم أن هاتين المادتين لا تنطبقان على هذه الدعوى وأن الدفع المقدم من المميز يستند إلى الظروف الطارئة والحوادث الاستثنائية.
وفي ذلك نجد أن المميز وبالبند الخامس من لائحته الجوابية دفع دعوى المميز ضده بأنه تعرض لخسائر كبيرة وتراكمت عليه الديون وتوقفت أعماله بسبب الحظر الذي فرض جراء جائحة كورونا وأن الاستمرار بعقد الإجارة إلى نهاية مدته أصبح مرهقاً له ويتسبب له بخسائر فادحة وأنه قام وبالاستناد لأحكام المادتين (205، 710) من القانون المدني بفسخ عقد الإيجار وأشعر المميز ضده للحضور إلى موقع المأجور بتاريخ 1/3/2021 لاستلامه بموجب الإنذار العدلي رقم (4690/2021) وأن المميز لم يعد له علاقة بالمأجور منذ ذلك التاريخ. وأنه وبالرجوع لأحكام المادة (205) من القانون المدني نجد أنها تنص على أنه: (إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي وأن لم يصبح مستحيلاً صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة جاز للمحكمة تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن ترد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إن اقتضت العدالة ذلك ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك.) وأن المادة (710/1) من القانون ذاته تنص على أنه: (يجوز لأحد المتعاقدين لعذر طارئ يتعلق به أن يطلب فسخ عقد الإيجار وحينئذ يضمن ما ينشأ عن هذا الفسخ من ضرر للمتعاقد الآخر في الحدود التي يقرها العرف.) وبما أن المادتين (205 و 710) من القانون المدني المشار إليهما لا تجيزان للمميز فسخ عقد الإيجار المبرم مع المميز ضده بإرادته المنفردة ذلك أن العقد المذكور هو من العقود الملزمة للجانبين والتي لا يجوز فيها لأحد العاقدين الرجوع عن العقد أو تعديله أو فسخه إلا بالتراضي أو التقاضي أو بمقتضى نص في القانون عملاً بأحكام المادة (241) من القانون ذاته. وحيث إن المميز لم يتقدم بدعوى مستقلة أو بادعاء متقابل في الدعوى الماثلة للمطالبة بفسخ عقد الإيجار أو برد الالتزام المترتب بذمته بموجب العقد المذكور إلى الحد المعقول بالاستناد لأحكام المادتين (205، 710) من القانون المدني فيكون ما توصلت إليه محكمة البداية بصفتها الاستئنافية بوجوب إلزام المميز بدفع الأجور المستحقة المطالب بها بالدعوى الماثلة متفقاً وأحكام القانون مما يقتضي رد سببي التمييز محل البحث.















