Skip to content

مدى كفاية التمسك بإعلان القوة القاهرة للتحلل من الالتزام في العقود طويلة الامد

مدى كفاية التمسك بإعلان القوة القاهرة للتحلل من الالتزام في العقود طويلة الامد

يُعد العقد من أبرز مصادر الالتزام الارادية التي تنشئ الالتزامات وتُنظّم العلاقات بين الأفراد، والذي يجسّد توافق الإرادتين على إنشاء التزامات متبادلة ملزمة. وقد عرّف المشرع الأردني العقد بأنه ارتباط الإيجاب بالقبول على وجه يثبت أثره في المعقود عليه، ويترتب عليه التزام كل من المتعاقدين بما وجب عليه للآخر. وإن كانت القواعد العامة للعقود تقوم على مبدأ فورية تنفيذ الالتزامات العقدية، فإن التطبيق العملي يكشف عن تباين جوهري بين أنواع العقود، لا سيما من حيث طبيعة وموعد تنفيذ الالتزام محلها. ويبرز هذا التباين بوضوح في العقود المستمرة أو الزمنية التي لا يقتصر الالتزام فيها على مجرد الأداء، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعنصر الزمن، بحيث يصبح التنفيذ خارج الإطار الزمني المحدد عديم القيمة أو غير محقق للغرض العقدي. حيث تتميّز العقود المستمرة أو الدورية بأنها عقود يتجدد فيها تنفيذ الالتزام على فترات زمنية متتابعة، بحيث يشكّل الزمن عنصرًا جوهريًا في تكوين الالتزام ذاته. ولا يُتصوّر في هذا النوع من العقود فصل الأداء عن توقيته، إذ إن فوات الزمن قد يؤدي إلى انتفاء الجدوى الاقتصادية أو العملية من التنفيذ، حتى لو تم لاحقًا بصورة مطابقة من الناحية الفنية. ومن أبرز صور هذه العقود عقود التوريد طويلة الأجل، لاسيما في مجالات الطاقة (النفط والغاز)، حيث تُحدّد الكميات ومواعيد التسليم بدقة، ويترتب على الإخلال بالجدول الزمني آثار قانونية قد تصل إلى زعزعة العقد برمته.

وفي ظل الأزمات العالمية والتحولات الجيوسياسية لاسيما الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة، حيث سارعت العديد من شركات النفط والطاقة إلى إعلان حالة القوة القاهرة نتيجة الأضرار التي لحقت بمنشآت الإنتاج لهه الشركات، يثور التساؤل حول مدى إمكانية التمسك بنظرية القوة القاهرة للتحلل من الالتزامات في هذه العقود، وما إذا كان مجرد إعلان المتعاقد لوقوع القوة القاهرة يكفي لإعفائه من التنفيذ، أم أن للطرف الآخر الحق في منازعته وإثبات أن التنفيذ لم يصبح مستحيلاً وإنما مرهقًا فقط، بما يوجب تطبيق نظرية الظروف الطارئة بدلًا من القوة القاهرة.

وفي هذا السياق يمكن القول أنّ المشرع الأردني قد ميّز بوضوح بين نظريتي القوة القاهرة والظروف الطارئة، رغم ما قد يثور بينهما من تداخل في التطبيق العملي. فالقوة القاهرة، كما نظمتها المادة (247) من القانون المدني الأردني، تقوم على أساس استحالة تنفيذ الالتزام استحالة مطلقة نتيجة حادث استثنائي غير متوقع ولا يمكن دفعه، بحيث يترتب على ذلك انقضاء الالتزام المقابل له وانفساخ العقد من تلقاء نفسه. ويُفهم من هذا النص أن الأثر الجوهري للقوة القاهرة يتمثل في زوال الالتزام بسبب استحالة التنفيذ، وهو ما يؤدي تبعًا لذلك إلى انحلال الرابطة العقدية دون حاجة إلى تدخل قضائي منشئ، وإن كان للقضاء دور في التحقق من توافر شروط هذه الاستحالة. ولا يقتصر أثر القوة القاهرة على الانفساخ الكلي للعقد، بل قد يكون الانقضاء جزئيًا إذا كانت الاستحالة جزئية، وهو ما أكده النص ذاته، كما اعتبر المشرع أن الاستحالة الوقتية في العقود المستمرة تأخذ حكم الاستحالة الجزئية، بما يترتب عليه وقف تنفيذ الالتزام خلال فترة المانع. غير أن خصوصية العقود الزمنية تفرض قراءة هذا النص من زاوية أخرى، إذ إن التأخير في تنفيذ الالتزام، ولو كان مؤقتًا، قد يؤدي إلى فقدان الأداء لقيمته الاقتصادية أو الوظيفية، الأمر الذي يجعل التعليق غير كافٍ في بعض الحالات، ويبرر القول بانفساخ العقد بالنسبة للمدة الزمنية التي تعذر تنفيذ الالتزام خلالها، أو حتى بالنسبة للعقد بأكمله إذا ارتبط التنفيذ بموعد جوهري لا يقبل التأخير. في المقابل، تقوم نظرية الظروف الطارئة، التي نظمتها المادة (205) من القانون المدني الأردني، على أساس مغاير، إذ تفترض بقاء التنفيذ ممكنًا من الناحية الواقعية، ولكن مع تحوله إلى عبء مرهق يهدد المدين بخسارة فادحة نتيجة حادث استثنائي عام لم يكن في الوسع توقعه. وفي هذه الحالة، لا يجيز القانون للمدين التحلل من التزامه، بل يفتح المجال أمام تدخل القضاء لإعادة التوازن العقدي من خلال رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، تحقيقًا لمقتضيات العدالة. ويُلاحظ أن المشرع أضفى على هذه القاعدة طابعًا آمِرًا، إذ نص صراحة على بطلان كل اتفاق على خلافها، مما يعكس حرصه على حماية التوازن العقدي في مواجهة التحولات الاستثنائية.

ويكتسب التمييز بين هاتين النظريتين أهمية خاصة في العقود المستمرة، حيث يصعب في كثير من الأحيان تحديد ما إذا كان الحدث الطارئ قد بلغ حد الاستحالة أم اقتصر على مجرد الإرهاق. ففي عقود الطاقة، على سبيل المثال، قد تؤدي الأزمات العالمية أو القيود السيادية على التصدير إلى تعطيل الإمدادات أو ارتفاع تكلفتها بشكل كبير، وهو ما يدفع بعض المتعاقدين إلى التمسك بالقوة القاهرة. غير أن التكييف القانوني الصحيح لهذه الحالات يقتضي التحقق من مدى استحالة التنفيذ، فإذا كان بالإمكان تنفيذ الالتزام ولو بتكلفة أعلى أو بصعوبة أكبر، فإن وصف القوة القاهرة ينتفي، ويحل محله تطبيق نظرية الظروف الطارئة.

ومن هذا المنطلق، يتضح أن مجرد إعلان أحد المتعاقدين وقوع القوة القاهرة لا يُرتب بذاته أثرًا قانونيًا يُعفيه من تنفيذ التزامه، ولا يملك بموجبه التحلل من العقد بإرادته المنفردة. ذلك أن القوة القاهرة ليست واقعة مادية، وإنما وصف قانوني يتطلب تحقق شروط موضوعية محددة، ويخضع في النهاية لرقابة القضاء. ومن ثم، فإن إعلان القوة القاهرة لا يعدو أن يكون دفعًا قانونيًا يثيره المدين، يتعين عليه إثباته، ولا يُقبل إلا إذا ثبت أن التنفيذ أصبح مستحيلاً استحالة مطلقة لا يمكن تلافيها. وفي المقابل، يملك المتعاقد الآخر، الحق في اللجوء إلى القضاء، وإثبات أن شروط القوة القاهرة غير متوافرة، وأن ما طرأ من ظروف لا يجاوز حد الإرهاق أو المشقة، مهما بلغت درجتها. فإذا ثبت ذلك، انتفى وصف القوة القاهرة، وتعذر على المدين التمسك بها للتحلل من التزامه، وأصبح النزاع خاضعًا لأحكام نظرية الظروف الطارئة، بما يقتضي استمرار العقد مع إمكان تعديله قضائيًا. وهذا ما أكدته اجتهادات محكمة التمييز الأردنية، التي أكدت في أكثر من قرار أن تطبيق نظرية الظروف الطارئة لا يجيز للمدين الامتناع عن التنفيذ أو فسخ العقد بإرادته المنفردة، وإنما يقتصر على طلب تدخل القضاء لتعديل الالتزام أثناء سريان العقد، كما في قرارها رقم (590/2010)[1]. كما بيّنت في قرارها رقم (4979/2022)[2] أن النصوص المتعلقة بالظروف الطارئة لا تُنشئ حقًا للمتعاقد في إنهاء العقد من جانب واحد،[3]  وفي سياق العقود المستمرة، تتعقد المسألة أكثر، إذ قد تتخذ الاستحالة طابعًا وقتيًا، كما في حالات التعطل المؤقت للإمدادات أو القيود المؤقتة على التصدير. وهنا، اعتبر المشرع أن الاستحالة الوقتية في هذه العقود تُعد بمثابة استحالة جزئية، يترتب عليها وقف تنفيذ الالتزام خلال فترة المانع. غير أن هذا الحكم لا يُطبق بصورة تلقائية، إذ يجب مراعاة طبيعة الالتزام، فإذا كان مرتبطًا بموعد جوهري بحيث يفقد قيمته بفواته، فإن الاستحالة الوقتية قد تُنتج أثرًا يعادل الاستحالة النهائية بالنسبة للجزء الزمني الذي تعذر التنفيذ خلاله، مما قد يبرر فسخ العقد جزئيًا أو كليًا بحسب الأحوال.

وعليه، فإن القول بكفاية إعلان القوة القاهرة للتحلل من الالتزام يُعد قولًا غير سليم قانونًا، إذ إن هذا الإعلان لا يُنشئ بذاته حالة الاستحالة، ولا يعفي المدين من عبء الإثبات، كما لا يحول دون حق الطرف الآخر في إثبات أن التنفيذ لا يزال ممكنًا، وإن كان مرهقًا. وفي هذه الحالة، يمتنع على المدين التمسك بالقوة القاهرة، ويتعين إخضاع العلاقة لأحكام الظروف الطارئة، التي تقوم على تعديل الالتزام لا إنهائه.

وخلاصة ذلك، أن الفاصل الجوهري بين النظريتين يكمن في معيار الاستحالة مقابل الإرهاق، وأن تطبيق أي منهما في العقود المستمرة، وخاصة في عقود الطاقة، يظل رهينًا بتكييف دقيق للوقائع، يخضع لرقابة القضاء، بما يحقق التوازن بين استقرار المعاملات ومنع التعسف في استعمال الحق، ويحول دون اتخاذ القوة القاهرة وسيلة للتحلل غير المشروع من الالتزامات التعاقدية.

ويترتب على ما تقدم أن أثر القوة القاهرة في العقود المستمرة يتراوح بين التعليق والانفساخ، بحسب ما إذا كانت الاستحالة وقتية أم دائمة، مع الأخذ بعين الاعتبار الطبيعة الزمنية للالتزام. أما في حالة الظروف الطارئة، فإن الأصل هو بقاء العقد واستمراره مع تدخل القضاء لتعديل الالتزامات بما يحقق التوازن بين الطرفين. وفي كلتا الحالتين، لا يُعفى المدين من المسؤولية إلا إذا ثبتت القوة القاهرة كسبب أجنبي، أما إذا اقتصر الأمر على الإرهاق، فإن الالتزام يبقى قائمًا مع إمكان تعديله.

من إعداد المحامي عمار ابو عاصي

[1] قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم (590/2010) تاريخ، 27/4/2010، تمييز حقوق: “وعن السبب الثاني من حيث الدفع بأن الدعوى سابقة لأوانها فإن هذه الدعوى أقيمت في 2/6/1990 بموضوع (رد الالتزام المرهق إلى الحد العادل وفقاً للمادتين 204 و205 من القانون المدني ومطالبة بتعويضات).

 

[2] قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم (4979/2022) تاريخ، 5/12/2022:” وعن السببين الثالث والخامس وحاصلهما النعي على محكمة البداية بصفتها الاستئنافية خطؤها بعدم تطبيق أحكام المادة (205) من القانون المدني رغم توافر شروطها كما أن تطبيق هذه المادة لا يستدعي إقامة دعوى مستقلة من المميز وتخطئة المحكمة بتأيدها لقرار محكمة

الدرجة الأولى المتضمن بأنه ينبغي إقامة دعوى مستقلة وفقاً لأحكام المادتين (685، 699) من القانون ذاته رغم أن هاتين المادتين لا تنطبقان على هذه الدعوى وأن الدفع المقدم من المميز يستند إلى الظروف الطارئة والحوادث الاستثنائية.

وفي ذلك نجد أن المميز وبالبند الخامس من لائحته الجوابية دفع دعوى المميز ضده بأنه تعرض لخسائر كبيرة وتراكمت عليه الديون وتوقفت أعماله بسبب الحظر الذي فرض جراء جائحة كورونا وأن الاستمرار بعقد الإجارة إلى نهاية مدته أصبح مرهقاً له ويتسبب له بخسائر فادحة وأنه قام وبالاستناد لأحكام المادتين (205، 710) من القانون المدني بفسخ عقد الإيجار وأشعر المميز ضده للحضور إلى موقع المأجور بتاريخ 1/3/2021 لاستلامه بموجب الإنذار العدلي رقم (4690/2021) وأن المميز لم يعد له علاقة بالمأجور منذ ذلك التاريخ. وأنه وبالرجوع لأحكام المادة (205) من القانون المدني نجد أنها تنص على أنه: (إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي وأن لم يصبح مستحيلاً صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة جاز للمحكمة تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن ترد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إن اقتضت العدالة ذلك ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك.) وأن المادة (710/1) من القانون ذاته تنص على أنه: (يجوز لأحد المتعاقدين لعذر طارئ يتعلق به أن يطلب فسخ عقد الإيجار وحينئذ يضمن ما ينشأ عن هذا الفسخ من ضرر للمتعاقد الآخر في الحدود التي يقرها العرف.) وبما أن المادتين (205 و 710) من القانون المدني المشار إليهما لا تجيزان للمميز فسخ عقد الإيجار المبرم مع المميز ضده بإرادته المنفردة ذلك أن العقد المذكور هو من العقود الملزمة للجانبين والتي لا يجوز فيها لأحد العاقدين الرجوع عن العقد أو تعديله أو فسخه إلا بالتراضي أو التقاضي أو بمقتضى نص في القانون عملاً بأحكام المادة (241) من القانون ذاته. وحيث إن المميز لم يتقدم بدعوى مستقلة أو بادعاء متقابل في الدعوى الماثلة للمطالبة بفسخ عقد الإيجار أو برد الالتزام المترتب بذمته بموجب العقد المذكور إلى الحد المعقول بالاستناد لأحكام المادتين (205، 710) من القانون المدني فيكون ما توصلت إليه محكمة البداية بصفتها الاستئنافية بوجوب إلزام المميز بدفع الأجور المستحقة المطالب بها بالدعوى الماثلة متفقاً وأحكام القانون مما يقتضي رد سببي التمييز محل البحث.

التعسف في استعمال الحق

التعسف في استعمال الحق

يُشكّل مبدأ استعمال الحق أحد المرتكزات الجوهرية في النظرية العامة للحق في إطار القانون المدني، حيث يُقرّ للأشخاص بسلطة مباشرة حقوقهم ضمن الحدود التي رسمها المشرّع، وبما يحقق الغاية التي من أجلها تقرّر هذا الحق. غير أنّ هذه السلطة، وعلى الرغم من اتساعها، إلا أنها ليست سلطة مطلقة بل تقيّدها ضوابط موضوعية تستند إلى اعتبارات العدالة وحسن النية والوظيفة الاجتماعية للحق، بحيث لا يُصار إلى حماية الاستعمال الذي ينحرف عن هذه الضوابط ويُفضي إلى الإضرار بالغير، وهو ما يُعرف بالتعسف في استعمال الحق.

وقد كرّس المشرّع الأردني هذا المفهوم صراحةً ضمن أحكام القانون المدني الأردني، حين قرر أن استعمال الحق يكون غير مشروع إذا لم يُقصد به سوى الإضرار بالغير، أو إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب مع ما يصيب الغير من ضرر، أو إذا كانت الغاية منه غير مشروعة. ويُستفاد من هذا النص أن المشرّع لم يكتفِ بإقرار مبدأ عام، بل وضع معايير محددة يُهتدى بها لتمييز الاستعمال المشروع عن الاستعمال التعسفي، الأمر الذي يعكس توجهاً تشريعياً يرمي إلى الحدّ من التوسع في استعمال الحق وربطه بوظيفته الاجتماعية.

وينبني التعسف في استعمال الحق على مجموعة من الأركان التي لا تقوم مسؤوليته إلا بتوافرها مجتمعة. فأول هذه الأركان هو وجود حق ثابت ومشروع لصاحبه، إذ لا يُتصوّر التعسف إلا في نطاق حق قائم أصلًا، أما إذا انتفى الحق فإننا نكون بصدد عمل غير مشروع ابتداءً، لا مجرد تعسف في استعمال حق. ويتمثل الركن الثاني في انحراف صاحب الحق في استعماله، بحيث يَخرج عن الغاية التي شُرع من أجلها، وهو ما يتجلى في صور متعددة، من أبرزها قصد الإضرار، أو عدم التناسب بين المصلحة والضرر الواقع فعلاً، أو مخالفة العرف وما استقر عليه التعامل. أما الركن الثالث فيتمثل في تحقق الضرر، سواء كان مادياً أو معنوياً، على أنه يجب أن الضرر الواقع فعلاً هو نتيجة مباشرة لاستعمال الحق على نحو تعسفي. وأخيراً، يُشترط وجود علاقة سببية تربط بين استعمال الحق بشكل تعسفي وبين الضرر الواقع فعلاً.

ويُعدّ معيار قصد الإضرار بالغير من أبرز صور التعسف وأكثرها وضوحاً، حيث يتجلى التعسف في أن يكون الباعث الوحيد أو الغالب لاستعمال الحق هو الإضرار بالغير، دون أن يحقق صاحب الحق أية مصلحة يُعتد بها. غير أنّ إثبات هذا القصد يُعدّ من المسائل الدقيقة، لكونه يتعلق بعنصر نفسي باطني، ما يدفع القضاء إلى استخلاصه من الظروف والملابسات المحيطة بالتصرف. إلى جانب ذلك يَبرز معيار عدم التناسب، والذي يقوم على موازنة بين المصلحة المرجوّة من استعمال الحق وبين الضرر الناتج عنه، بحيث إذا كان الضرر الواقع فعلاً هو ضرر جسيماً والمصلحة تافهة أو ضئيلة، عُدّ الاستعمال تعسفياً حتى في غياب قصد الإضرار.

كما يتجلّى التعسف في الحالات التي يُستخدم فيها الحق لتحقيق غاية غير مشروعة، كأن يُستغلّ حق التقاضي على سبيل الكيد أو المماطلة، أو يُستعمل الحق التعاقدي بصورة تنطوي على تحايل أو التفاف على أحكام القانون. وفي هذا السياق، يتقاطع مبدأ التعسف في استعمال الحق مع مبدأ حسن النية في تنفيذ العقود، إذ يُفترض في المتعاقدين أن يمارسوا حقوقهم والتزاماتهم بروح من الأمانة والإنصاف، لا على نحو يؤدي إلى الإضرار بالطرف الآخر أو الإخلال بالتوازن التعاقدي.

وعلى صعيد التطبيقات العملية، يَظهر التعسف في استعمال الحق في نطاق الملكية، عندما يُسيء المالك استعمال سلطاته بما يتجاوز الحدود المتعارف عليها، وبشكل يُلحق ضرراً بالغير دون مبرر مشروع، كما في إقامة المنشآت أو استعمالها بشكل لا يحقق لمالكها أية منفعة تُذكر مقابل أضرار جسيمة تلحق بالجوار. كذلك يبرز التعسف في استعمال الحق في نطاق علاقات العمل، عندما يُمارس صاحب العمل صلاحياته الإدارية بصورة تنطوي على تعسف، كالفصل دون مبرر مشروع، أو استخدام سلطته التأديبية بشكل يتجاوز مقتضيات المصلحة المشروعة. ويمتد أيضاً إلى المجال الإجرائي، في حالات إساءة استعمال حق التقاضي، سواء برفع دعاوى كيدية أو استعمال وسائل الدفاع على نحو يهدف إلى إطالة أمد النزاع دون مقتضٍ.

ويترتب على ثبوت التعسف في استعمال الحق قيام المسؤولية المدنية في مواجهة المتعسف، إذ يلتزم بتعويض الغير الذي ألحق به الضرر، وذلك وفقاً للقواعد العامة في المسؤولية التقصيرية. وقد يمتد أثر التعسف، إلى الحكم بعدم الاعتداد بالتصرف أو نفاذه أو تقييد الآثار المترتبة على التصرف، وبما يحقق التوازن بين مصالح الأطراف ويمنع استغلال الحق على نحو غير مشروع. ويُلاحظ في هذا السياق أن عبء إثبات التعسف يقع على عاتق من يدّعيه، غير أن للقاضي سلطة واسعة في تقدير الوقائع واستخلاص فيما إذا كان الاستعمال قد انحرف عن حدوده المشروعة.

وفي ضوء ما تقدّم، يتبيّن أن نظرية التعسف في استعمال الحق تمثل قيداً جوهرياً على إطلاق الحقوق، وتُجسّد تحولاً جلياً في الفكر القانوني من النظرة الفردية المطلقة للحق إلى نظرة وظيفية تربطه بالمصلحة الاجتماعية. فهي ليست استثناءً هامشياً، بل إنها أداة فاعلة لضبط السلوك القانوني للأفراد ومنع الانحراف عن مقاصده المشروعة، وذلك بما يكفل تحقيق العدالة وصون التوازن بين حقوق الأفراد.

المحامية

هيا هاني العطار

مسؤولية الناقل البحري عن سلامة البضائع وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة للنقل البحري للبضائع (هامبورغ) وأحكام القانون الأردني

تُعدّ عقود النقل البحري من أهم عقود التجارة الدولية لما تنطوي عليه من أهمية قانونية واقتصادية كبيرة. وبالنظر إلى هذه الأهمية، تبرز ضرورة البحث في مسؤولية الناقل البحري عن سلامة البضائع، خاصة في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة. كما تتميز هذه العقود بخصوصية تتمثل في أن التزام الناقل لا يقتصر على نقل الشحنة بين ميناءين، بل يمتد ليشمل التزامًا قانونيًا بالمحافظة على سلامة البضائع طوال فترة وجودها في عهدته. وفي هذا السياق، يثور تساؤل جوهري حول مدى مسؤولية الناقل البحري عن سلامة البضائع في ظل الأوضاع الجيوسياسية الراهنة وما يشهده مضيق هرمز من إغلاق. وللإجابة عن هذا التساؤل، لا بد من الرجوع إلى أحكام اتفاقية الأمم المتحدة للنقل البحري للبضائع لعام 1978، التي جاءت في إطار جهود دولية تهدف إلى تنظيم العلاقة بين الناقل والشاحن والمرسل إليه بموجب عقد النقل البحري وأحكام القانون الأردني.

أولاً: الإطار العام لمسؤولية الناقل البحري في ظل اتفاقية هامبورغ

خُصصت اتفاقية هامبورغ للبحث في نطاق مسؤولية الناقل عن سلامة البضائع وحدودها ونطاقها الزمني؛ وقد اتجهت هذه الاتفاقية بوضوح نحو توسيع نطاق مسؤولية الناقل؛ حيث قررت المادة (5/1) من الاتفاقية مبدأً عامًا مؤداه، أن الناقل يُسأل عن الخسارة الناتجة عن هلاك البضائع أو تلفها، وكذلك عن الضرر الناجم عن التأخير في تسليمها، متى وقع الحادث المنشئ للضرر خلال الفترة التي تكون فيها البضائع في عهدته. حيث  نصت هذه المادة على أنه: “يُسأل الناقل عن الخسارة الناتجة عن هلاك البضائع أو تلفها، وكذلك الناتجة عن التأخير في التسليم، إذا وقع الحادث الذي تسبب في الهلاك أو التلف أو التأخير أثناء وجود البضائع في عهدته على الوجه المبين في المادة (4)، ما لم يثبت الناقل أنه قد اتخذ هو أو مستخدموه أو وكلاؤه جميع ما كان من المعقول تطلب اتخاذه من تدابير لتجنب الحادث وتبعاته. وبذلك، تقوم مسؤولية الناقل في ظل هذه المادة على قرينة مفترضة قوامها خطأ الناقل، إذ يكفي أن يثبت المدعي وقوع الضرر (هلاك، تلف، أو تأخير) وأنه حدث أثناء وجود البضاعة في عهدة الناقل، لينتقل عبء الإثبات على الناقل الذي يتعين عليه أن يثبت أنه قد بذل عناية معقولة واتخذ كافة التدابير اللازمة التي كان من الممكن توقعها وتفاديها لمنع وقوع الحادث أو الحد من آثاره. إلا أن هذا التوسع يقابله إقرار معيار موضوعي للإعفاء، يتمثل في التزام الناقل بإثبات أنه قد اتخذ هو أو مستخدموه أو وكلاؤه جميع التدابير المعقولة التي كان من الممكن اتخاذها لتفادي الحادث وتبعاته إذ جاءت هذه المادة في الجزء اللاحق منها لتنص على أنه: “….ما لم يثبت الناقل أنه قد اتخذ هو أو مستخدموه أو وكلاؤه جميع ما كان من المعقول اتخاذه من تدابير لتجنب الحادث وتبعاته.” ويُعد هذا المعيار حجر الزاوية في نظام الإعفاء من المسؤولية في اتفاقية هامبورغ، الذي يقوم على مبدأ بذل العناية الواجبة، إذ لا يكفي لقيام الإعفاء أن يحتج الناقل بأن الهلاك أو التلف أو التأخير كان لسبب أجنبي أو خارج عن إرادة الناقل، بل يجب أن يثبت أنه قد قام ببذل العناية الواجبة واللازمة على أكمل وجه وأن هذا الضرر لم يكن قابلاً للتفادي رغم بذل العناية، وهو ما يجعل الإعفاء من المسؤولية أمرًا استثنائيًا يخضع لتقدير دقيق لظروف كل حالة على حدة.

وأما في حالة تعدد الأسباب، فلم تأخذ الاتفاقية بمبدأ تعدد الأسباب لإعفاء الناقل من المسؤولية وإنما بموجب المادة (5/6) من الاتفاقية فإنه إذا اجتمع خطأ أو إهمال من جانب الناقل أو مستخدميه أو وكلائه مع سبب آخر في إحداث الهلاك أو التلف أو التأخير في التسليم، فيسأل الناقل بقدر ما يعزي الهلاك أو التلف أو التأخير في التسليم إلى الخطأ أو الإهمال المذكور، بشرط أن يثبت الناقل مقدار الهلاك أو التلف أو التأخير في التسليم الذي لا يعزي إلى ذلك الخطأ أو الإهمال.

ثانياً: نطاق وحدود إعفاء الناقل من المسؤولية في حالة القوة القاهرة وفقاً لاتفاقية هامبورغ

على الرغم من الاتفاقية لم تعالج نظرية القوة القاهرة أو الظروف الاستثنائية بشكل واضح وصريح إلا أنه نص المادة (5/6) الوارد في الاتفاقية والذي يقضي بأنه: “فيما عدا العوارية العامة، لا يُسأل الناقل إذا كان الهلاك أو التلف أو التأخير ناتجًا عن تدابير لإنقاذ الأرواح أو عن تدابير معقولة لإنقاذ الممتلكات في البحر“، يثير إشكالية قانونية دقيقة تتعلق بتحديد الطبيعة القانونية لهذا الإعفاء، ومدى اتساع نطاقه، وحدوده في مواجهة القاعدة العامة لمسؤولية الناقل البحري القائمة على افتراض الخطأ.

ابتداءً، يتعين التأكيد أن هذا النص يُمثل استثناءً صريحًا على القاعدة العامة التي أرستها الاتفاقية في المادة (5/1)، على النحو المبين أعلاه. غير أن المشرّع الدولي، وإدراكًا منه لخصوصية البيئة البحرية، قد قرر إيراد هذا الاستثناء الذي يُعفي الناقل من المسؤولية في حالات محددة، حتى ولو ترتب على أفعاله ضرر بالبضائع، متى كانت هذه الأفعال موجهة لتحقيق غاية أسمى تتمثل في إنقاذ الأرواح أو حماية الممتلكات.

ويستفاد من الصياغة الدقيقة للنص أن الإعفاء يقوم على تمييز جوهري بين حالتين: الحالة الأولى تتعلق بتدابير إنقاذ الأرواح، حيث جاء الإعفاء مطلقًا وغير مقيد بأي شرط يتعلق بمدى معقولية التدبير أو ضرورته، وهو ما يعني أن مجرد ثبوت أن الضرر قد نشأ عن تدخل يهدف إلى إنقاذ الأرواح يكفي لرفع المسؤولية عن الناقل، دون حاجة لبحث مدى كفاءة هذا التدخل أو نتائجه.

أما الحالة الثانية، فتتعلق بتدابير إنقاذ الممتلكات، وهنا قيدت الاتفاقية الإعفاء بشرط أن تكون هذه التدابير “معقولة”، وهو قيد يُخضع سلوك الناقل لرقابة معيار الناقل المهني الحريص. ومؤدى ذلك أن الناقل لا يستفيد من الإعفاء إذا ثبت أن التدابير التي اتخذها لم تكن ضرورية أو تجاوزت حدود ما يقتضيه الموقف، أو أنها انطوت على قدر من الإهمال أو سوء التقدير. وفي هذا الخصوص، فتجدر الإشارة إلى أن هذا الإعفاء لا يقوم على نفي الخطأ بالمعنى التقليدي، بل يُعد من قبيل “الإباحة القانونية” لفعل قد يُشكل في الأصل إخلالًا بالالتزام التعاقدي، إلا أن المشرّع أضفى عليه صفة المشروعية نظرًا لارتباطه بغاية أسمى. ومن ثم، فإن مسؤولية الناقل تنتفي في هذه الحالة حتى لو ترتب على فعله ضرر، طالما كان هذا الفعل مشروعًا وموجهًا لتحقيق هدف الإنقاذ. إلا أن تطبيق هذا الإعفاء يظل خاضعًا لرقابة القضاء، الذي يتعين عليه التحقق من توافر عدة شروط أهمها: أن يكون التدبير قد اتُخذ فعلًا بقصد الإنقاذ، وأن يكون الضرر نتيجة مباشرة لهذا التدبير، وألا يندرج ضمن حالات العوارية العامة، وأن يتسم التدبير بالمعقولية في حالة إنقاذ الممتلكات. كما أن عبء إثبات توافر هذه الشروط يقع على عاتق الناقل، باعتباره هو من يتمسك بالإعفاء. غير أن هذا الإعفاء قد استثني صراحة في المادة (8) من الاتفاقية في الحالة التي يثبت فيها أن الهلاك أو التلف أو التأخير في التسليم قد نتج عن فعل أو تقصير من الناقل ارتكبه بقصد التسبب في هذا الهلاك أو التلف أو التأخير أو ارتكب عن استهتار وعلم باحتمال أن ينتج عنه هذا الهلاك أو التلف أو التأخير.

ومن زاوية أخرى، فإن النص قد استثنى صراحةً حالات “العوارية العامة”، وهو استثناء بالغ الأهمية من الناحية القانونية، إذ يُشير إلى أن الأضرار الناجمة عن التدابير التي تندرج ضمن هذا النظام لا تخضع لقواعد الإعفاء من المسؤولية، وإنما تُعالج وفق نظام قانوني خاص يقوم على توزيع الخسارة بين جميع الأطراف المشتركة في الرحلة البحرية. وبذلك، فإن المشرّع الدولي قد حرص على عدم الخلط بين نظامي الإعفاء من المسؤولية والعوارية العامة، رغم التقاطع الظاهري بينهما من حيث ارتباطهما بتدابير الإنقاذ.

بناءً على ما تقدم، يتضح أن اتفاقية الأمم المتحدة للنقل البحري للبضائع (هامبورغ 1978) لم تعتمد صياغة صريحة لنظام الإعفاءات مثل القوة القاهرة أو الظروف الاستثنائية، ولم تذكرها على نحو مباشر، وإنما تبنت نهجًا يقوم على تقييم سلوك الناقل ومدى التزامه بواجب العناية اللازمة المقرر في الاتفاقية.

ثالثاً: نطاق وحدود إعفاء الناقل من المسؤولية في حالة الظروف الاستثنائية أو القوة القاهرة وفقاً لأحكام القانون الاردني

أما في القانون الأردني، فإن مسؤولية الناقل البحري تستند إلى مزيج من القوانين الخاصة المتعلقة بالنقل البحري مثل قانون التجارة البحرية الأردني، والقواعد العامة في القانون المدني. فلما كانت اتفاقية هامبروغ لم تعالج بصريح العبارة مفهوم القوة القاهرة أو الظروف الاستثنائية واستندت فقط إلى المعيار العام القائم على تقييم سلوك الناقل، إلا أن إعفاء الناقل البحري في القانون الأردني يستند إلى مبدأ عام في المسؤولية العقدية، مفاده أن المدين لا يكون مسؤولًا عن الضرر إذا أثبت أن عدم التنفيذ يرجع إلى سبب أجنبي لا يد له فيه، ويشمل ذلك القوة القاهرة والحادث الفجائي وفعل الغير. وقد انعكس هذا المبدأ على القوانين الخاصة بعقود النقل البحري، فقد نصت المادة (213/3) من قانون التجارة البحرية على ما يلي:

“يضمن الناقل كل ما يلحق البضاعة من هلاك وتعيب وأضرار ما لم يثبت أن هذا الهلاك وهذا التعيب وهذه الأضرار ناتجة عما يلي:

  1. عن الأفعال التي تشكل حادثاً عرضياً أو قوة قاهرة...”

وقد بلور الفقه والقضاء الأردنيان مفهوم القوة القاهرة باعتبارها الحدث الخارجي غير المتوقع وغير القابل للدفع. وفي هذا السياق، يثير إغلاق مضيق هرمز إشكالية قانونية معقدة فيما يتعلق بتحديد طبيعته القانونية في ضوء أحكام القانون الأردني، وتحديدًا ما إذا كان يُشكّل قوة قاهرة بالمعنى القانوني، أم مجرد ظرف استثنائي لا يرقى إلى مرتبة السبب الأجنبي المعفي من المسؤولية؟ إن الإجابة على هذا السؤال لا تتم بصورة مطلقة، بل تظل رهينة بظروف كل واقعة على حدة؛ فمن ناحية أولى، إذا بلغ الإغلاق حدًّا من الجسامة بحيث يكون مفاجئًا، عامًا، وغير متوقع، ويؤدي إلى استحالة مطلقة في المرور الملاحي دون وجود أي بدائل عملية أو فنية، فإن هذا الحدث يندرج ضمن مفهوم القوة القاهرة، لكونه يستوفي عناصرها الثلاثة: الخارجية، وعدم التوقع، واستحالة الدفع. وفي هذه الحالة، يُعفى الناقل من المسؤولية، لانقطاع العلاقة السببية بين سلوكه والضرر، وقيام سبب أجنبي مستقل يحول دون تنفيذ الالتزام. غير أن هذا التكييف لا يستقيم في جميع الحالات، إذ قد يتخذ الإغلاق صورًا أقل حدة، كأن يكون جزئيًا، أو متدرجًا، أو مسبوقًا بمؤشرات وتحذيرات دولية تسمح للناقل بتوقعه والتخطيط لتفادي آثاره. وفي مثل هذه الفرضيات، ينتفي شرط عدم التوقع، كما تضعف حجة استحالة الدفع، خاصة إذا كان بإمكان الناقل اتخاذ تدابير معقولة، كإعادة توجيه السفينة عبر مسارات بديلة، أو تأجيل الرحلة، أو اتخاذ ترتيبات لوجستية تقلل من المخاطر. وعندئذٍ، لا يُعد الإغلاق قوة قاهرة، بل مجرد ظرف استثنائي يُلقي على عاتق الناقل التزامًا مشددًا ببذل عناية إضافية، ويُبقي مسؤوليته قائمة في حال تقاعسه عن اتخاذ تلك التدابير.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن كلًا من اتفاقية هامبورغ 1978 والقانون الأردني قد أخذا بالمبدأ ذاته، وهو أن إعفاء الناقل من المسؤولية لا يتحقق تلقائيًا، وإنما يقوم على أساس مدى توافر العناية الواجبة في سلوكه، وإن اختلفت صياغة هذا المبدأ بينهما. ويكاد ينحصر الاختلاف بينهما في أن اتفاقية هامبورغ تتسم بقدر أكبر من التشدد، إذ لا تمنح الناقل قائمة جاهزة من أسباب الإعفاء، بل تُحمّله عبء إثبات أنه اتخذ جميع التدابير المعقولة لتفادي الضرر. في المقابل، يعتمد القانون الأردني على نظرية السبب الأجنبي في القانون المدني، وهي صياغة تبدو أوسع من الناحية النظرية، إلا أنها في التطبيق العملي لا تختلف كثيرًا عن نهج هامبورغ،  ففي كلا النظامين، لا يُعفى الناقل من المسؤولية إذا كان بإمكانه تفادي الخطر من خلال اتخاذ إجراءات مهنية معقولة، كما أن معيار العناية الواجبة يظل المعيار الحاسم في تحديد قيام المسؤولية أو انتفائها في كلا النظامين. وبناءً عليه، لا يتحقق الإعفاء إلا إذا أثبت الناقل أنه بذل أقصى درجات العناية، وأن الضرر كان غير ممكن الدفع رغم ذلك.

وعليه، فإن تحديد التكييف القانوني لإغلاق مضيق هرمز يستند إلى معيارين متكاملين:

أولهما معيار زمني يرتبط بتاريخ نشوء التزام الناقل، أي وقت تسلمه البضاعة؛ فإذا كان التسلم سابقًا على واقعة الإغلاق، أمكن للناقل التمسك بالدفع بالقوة القاهرة متى توافرت عناصرها، وعلى وجه الخصوص صفة المفاجأة وعدم التوقع. أما إذا تم تسلم البضاعة بعد وقوع الإغلاق أو في ظل ظروفه المستقرة، فإن هذا الدفع ينتفي لغياب عنصر عدم التوقع، باعتبار أن الناقل يكون قد تعاقد وهو عالم بالظرف الاستثنائي.

أما المعيار الثاني فهو معيار موضوعي قوامه مدى التزام الناقل بواجب العناية الواجبة، إذ لا يكفي مجرد وقوع الإغلاق –حتى لو كان سابقًا على تنفيذ العقد– لنفي المسؤولية، بل يتعين على الناقل أن يثبت أنه بذل عناية الناقل المهني الحريص، واتخذ جميع التدابير المعقولة لتفادي الضرر أو الحد من آثاره، وأن تنفيذ الالتزام قد أصبح مستحيلاً استحالة حقيقية لا يمكن دفعها. وبغير ذلك، تبقى مسؤوليته قائمة، لعدم تحقق شروط السبب الأجنبي بالمعنى القانوني الدقيق.

المراجع:
  • قرار محكمة التمييز الموقرة بصفتها الحقوقية رقم (3774/2022)، تاريخ 13/10/2022.
  • قرار محكمة التمييز الموقرة بصفتها الحقوقية رقم (3245/2023)، تاريخ 31/10/2023.
  • القرار الصادر عن محكمة استئناف عمان رقم (4169/2022) الصادر بتاريخ 14/6/2022
  • اتفاقية الأمم المتحدة للنقل البحري للبضائع 1978.
  • قانون التجارة البحري الأردني.
  • القانون المدني الأردني.

Comprehensive Approaches to Personal Data Protection: Legal and Technical Perspectives

Introduction

In the digital era, personal information and data have become essential for economic growth, innovation, public administration, and social development. While the use of personal data brings important commercial, economic, and social benefits, it remains crucial to protect individuals’ privacy and fundamental rights. If personal data is not handled properly, it can expose both individuals and organizations to serious risks. Therefore, the pursuit of economic value from personal data should never weaken the safeguards that protect privacy and fundamental rights.

Effective protection of personal data requires two key elements: strong regulatory frameworks and practical implementation measures. Regulatory frameworks establish clear legal rules that govern how personal data is collected, processed, stored, transferred, and shared. On the other hand, practical implementation measures focus on technical and operational solutions that protect data from breaches and unauthorized access. Together, these elements create a balanced system that promotes compliance, security, and accountability, ensuring that organizations both follow legal requirements and apply effective safeguards while managing personal data responsibly.

This report will examine the key aspects of personal data protection through two main dimensions: First, the legal dimension especially under the Jordanian Personal Data Protection Law No. 24 of 2023, which covers the principal legal mechanisms for personal data protection. Second, the technical dimension which covers the practical technical measures that organizations can implement to secure personal data against risks such as breaches and unauthorized access.  Additionally, it will address the primary risks threatening data protection and the technical measures organizations can implement to mitigate these risks, providing a comprehensive view of how personal data can be effectively safeguarded.

First: The Importance of Personal Data

Personal data has become one of the most valuable assets in the modern world. It plays a central role in economic development, business operations, public governance, and even in shaping social and political dynamics. With the rapid advancement of digital technologies, the volume of personal data collected, stored, and processed has increased significantly, making its protection more critical than ever.

This part of the report explains the importance of personal data from different perspectives as follows:

1. Economic Importance of Personal Data:

Personal data is now a key driver of the digital economy, especially in supporting modern economies. Today, the shift from a traditional economy, based on physical goods and conventional production, to a digital economy driven by technology and information is evident. Unlike the past, where natural resources, capital, and labor were the primary drivers of economic activity, the modern economy centers on digital services, platforms, and information-based products that are delivered and consumed online.

In this context, personal data has become a vital economic resource that supports service improvement, operational efficiency, consumer insight, demand forecasting, and strategic decision-making across sectors. The following points highlight its economic significance:

  • Data as an economic asset: Nowadays personal data is often compared to “the new oil”  referring to its  strong economic value in the digital economy. In today’s economy, personal data is recognized as an important economic resource that contributes to overall growth, innovation, and efficiency across all sectors of society including public services, markets, and digital infrastructure.
  • Innovation and technology growth: Sectors such as artificial intelligence (AI), cloud computing, and financial technology (FinTech) rely heavily on access to large amounts of accurate data. For example, In the financial technology sector, companies use big data analytics to help detect fraud by identifying unusual patterns in transactions, and to offer personalized financial products and services based on individual customer data.
  • Employment and investment: The growth of the data economy support and increase the creation of jobs such as cybersecurity, data management, software development, and compliance, and also attracts both local and international investments by making the business environment more competitive and innovation.

The economic value of personal data continues to increase as more services move online and as the global economy becomes more data driven.

2. Business Importance of Personal Data:

Like any other strategic business resource, personal data is not less important than other inputs that support businesses successes as it plays a significant and effective role in identify consumer needs and behaviors, forecast demand, and optimize their services. Businesses collect and use personal data to improve their operations and provide better services. Data collection become essential for their strengthening competitiveness and continuity. Key aspects include:

  • Customer relationship management: Personal data helps companies understand customer behavior, purchasing habits, and preferences. By analyzing these data businesses will be able to offer targeted services and improve customer satisfaction.
  • Decision making: Businesses rely on data to make strategic decisions, reduce risks, and increase efficiency.

Reputation and trust: Protecting customers personal data enhances the company’s reputation and builds long-term trust. On the other hand, data breaches can lead to financial losses and damage to the company’s public image and brand value.

3. Political and Governance Importance of Personal Data:

The importance of personal data is not limited to the technological, economic, or commercial domains; it has extended to include essential roles in government services and political affairs, where data increasingly inform public administration and policy decisions. Governments use personal data to provide public services, maintain security, and support national development. Proper use of data can improve the effectiveness and fairness of public administration. Some key points include:

  • Public service delivery: Personal data allows governments to deliver targeted and efficient services in health, education, social protection, and public administration. By understanding citizens’ needs through data, public programs can be tailored and resources better allocated.
  • National security and law enforcement: Governmental authorities use personal data to detect and prevent illegal activities, fight cybercrime, and protect the community.
  • Policy-making: Data helps decision makers understand social and economic trends and develop evidence-based policies.

However, the political use of data must always respect privacy rights and legal safeguards, ensuring that data is not misused or exploited for illegitimate purposes.

4. Social Importance of Personal Data:

Personal data has a direct impact on individuals and their daily lives. Its proper protection strengthens confidence in digital services and supports a safe digital environment. The main social aspects include:

  • Personal autonomy: Personal data represents parts of a person’s private life. Protecting it helps individuals maintain control over their identity and personal choices.
  • Digital participation: Many essential services such as communication platforms, e-government applications, and online banking require sharing personal data. Ensuring its protection encourages people to use these services without fear.
5. Legal Risks of Personal Data Mismanagement:

Mismanagement or insufficient protection of personal data  expose organizations and individuals to serious legal risks. These include:

  • Non-compliance with laws: Most countries have data protection laws that require organizations and individuals to handle  personal data responsibly and securely. Failure to comply with these legal obligations can result in fines, penalties, or legal action.
  • Civil liability: Individuals (data subject) whose personal data has been misused, breached, or exposed may pursue civil claims for damages against the responsible organization or individual. In many legal systems, data subject has the right to seek compensation for harm resulting from unlawful processing or unauthorized access to their personal data.
  • Contractual risks: Companies handling personal data for clients may breach contractual obligations if data is mishandled, leading to claims for damages.
  • Reputational damage: Misuse or loss of personal data often come with public exposure -especially for organizations that have a wide reputation and provide world-class services- which will not only result to a legal risk but also long- term reputational damages, loss of stakeholder trust.

These legal risks highlight the importance of establishing strong internal policies, compliance mechanisms, and awareness programs to ensure that personal data is protected according to applicable laws.

Accordingly, personal data is important in economic, business, political, and social fields. Its value is increasing as digital transformation continues. For this reason, protecting personal data has become a priority for governments, companies, and individuals. Proper protection builds trust, supports development, and protects people’s rights.

This importance is the basis for the legal and technical frameworks for data protection, which will be explained in this report.

Second: The Legal Framework for Personal Data Protection

Given the significant value of personal data in the modern world, as explained in the first part of this report, the need for a clear, organized, and strict legal frame work for the protection of personal data has become urgent. For this purpose, the Hashemite Kingdom of Jordan recognized the importance of this subject and enacted legislation to regulate and protect personal data as a fundamental right of individuals. This legislation is the Personal Data Protection Law No. 24 of 2023 (referred to hereinafter as the “Law” or the “Jordanian Personal Data Protection Law” or “JPDPL”).

The Law regulates all matters related to personal data and sets out several legal rules to ensure the protection of personal data and prevent its unlawful use. This part of the report explains the main legal mechanisms for personal data protection under the Jordanian Personal Data Protection Law.

Before addressing these mechanisms, it is important to clarify some key terms for the reader as defined in the law:

  • “Data Subject”: A natural person whose personal data is being processed.
  • Controller”: Any natural or legal person, whether inside or outside Jordan, who holds or controls personal data.
  • Processor”: The natural or legal person who is responsible for processing the data.
  • “DPO”: The natural person designated to oversee databases and processing in accordance with the provisions of the Law.

Below are the most important legal safeguards established by the Jordanian Law to protect personal data:

1. Prohibition of Processing Personal Data Without Prior Consent:

The Law requires that no personal data may be processed without first obtaining the prior consent of the Data Subject. This  prior consent has legal requirements, including:

  • It must be clear and documented, either in writing or electronically. Verbal consent is not acceptable.
  • It must specify the purpose and duration of the consent. The request must clearly state why the data is being collected and for how long the consent remains valid.
  • It must be written in clear, simple, and non-misleading language, ensuring that individuals are not tricked due to unfamiliarity with legal or technical terms.
2. Restrictions on Data Processing:

The Law imposes several restrictions and conditions on processing personal data, to ensure that collected data is not used unlawfully. The key restrictions include:

  • Legitimate Purpose: The most important restriction imposed by law on data processing is that data may only be processed for purposes and this purpose must be specified, explicit, and lawful.
  • Processing limitation: Processing must remain within the specific purpose for which the data was originally collected and consented to.
  • Lawful and fair processing methods must be used.
  • Confidentiality: Processing must ensure the confidentiality and security of personal data and prevent alteration, or unauthorized disclosure.

Data deletion: Personal data must be deleted once the processing period has expired.

3. Security and Organizational Measures Required from the Controller:

The Law obliges controllers (natural or legal person holding personal data) to protect the data under its custody. Key responsibilities of the controller include:

  • Take all the security, technical, and organizational measures to ensure the data confidentiality, safety, and protection against any unauthorized access, use, disclosure, destruction, modification.
  • Establishing a suitable infrastructure and having a qualified team for data processing and for receiving and responding to complaints.
  • Set clear procedures to allow data subjects to exercise their rights, including correcting their data, objecting the processing, withdrawing consent, accessing and updating their data in a secure and effective way.

These compliance functions may be handled internally or outsourced to a specialized external provider, depending on the size, capacity, and needs of the organization.

4. Appointment of a Personal Data Protection Officer (DPO):

Like data protection laws in other countries, the Jordanian Law requires Controllers to appoint a Personal Data Protection Officer (DPO) to ensure compliance and protect the rights of Data Subjects. Key responsibilities of the DPO include:

  • Monitoring and documenting the Controller’s compliance with the Law.
  • Conducting regular assessments of data systems and issuing recommendations.
  • Acting as the liaison with the Data Protection Directorate and with security and judicial authorities.
  • Enabling Data Subjects to exercise their legal rights.
  • Providing training programs for the Controller’s staff on data protection.

The Law classifies organizations with respect to the DPO requirement into three categories:

A. Entities Required to Appoint a DPO Without Prior Accreditation:

These entities must appoint a DPO without needing accreditation from the Personal Data Protection Council. They include:

  • Entities whose main activity is processing personal data.
  • Entities that process sensitive personal data.
  • Entities processing data of persons lacking legal capacity.
  • Entities processing financial data.
  • Entities transferring databases outside Jordan.

B. Entities Required to Appoint a DPO With Prior Accreditation:

These entities must obtain accreditation from the Personal Data Protection Council before appointing the DPO, due to the sensitivity of the data they handle. They include:

  • Telecommunications and information technology sector.
  • Energy sector.
  • Water sector.
  • Health sector.
  • Transport sector.

C. Entities Not Required to Appoint a DPO:

Entities that do not fall under categories (A) or (B) are not obligated to appoint a DPO. However, they may do so voluntarily.

5. Restrictions on the Transfer of Personal Data:

The Law sets several restrictions on the transfer of personal data to protect the rights of data subjects and prevent personal data from becoming publicly available or commercially exploited. Key restrictions include:

  • Obtaining the Data Subjects’ consent before transferring their personal data.
  • Ensuring that the transfer serves legitimate interests of both the Controller and the receiving party.
  • Informing the Data Subject of the identity of the recipient.
  • Informing the Data Subject of the purpose of the transfer.
  • Prohibiting the use of transferred data for marketing purposes unless the Data Subject consents.
  • For transfers outside Jordan, the receiving country must provide a level of data protection not less than that required under Jordanian law.
6. Required Actions in Case of a Personal Data Breach

In the event of any breach or incident that may compromise the security of personal data, the Controller must:

  • Notify affected Data Subjects within 24 hours of discovering the breach.
  • Notify the Personal Data Protection Directorate within 72 hours of discovering the breach.

 

The Jordanian Personal Data Protection Law not only safeguards individuals’ personal data and prevents its misuse, but also shields organizations that handle such data from potential legal violations.

To implement these protections effectively, organizations need a team combining legal knowledge and technical expertise: legal proficiency ensures compliance with the law and protection of rights, while technical capability guarantees secure and proper data management. This combination turns legal obligations into practical actions, strengthens trust, and minimizes risks for both individuals and organizations.

Third: The Primary Risks Threatening Data Protection
1. The Modern Attack Surface: Securing Your Digital Ecosystem

The diagram below, shows a high-level view of a modern company’s digital ecosystem. It illustrates the interconnected landscape where sensitive data lives and moves, highlighting the critical domains that require robust protection:

  • Core Infrastructure: Data resides on Cloud Servers and internal Servers, and is accessed through corporate Applications.
  • Access Points: Employees connect via Company networks, and data flows over the public Internet to Clients and Mobile devices.
  • Human Element: Ultimately, Employees interact with data across all these touch points.

Each component in this chain represents a potential vulnerability. A weakness in any single domain, whether a misconfigured cloud server, an unsecured application, or a compromised employee device, can lead to a devastating data breach.

This is where a Data Protection Impact Assessment (DPIA) becomes not just a compliance exercise, but a strategic necessity.

The following sections details the most critical cybersecurity vulnerabilities confronting modern organizations today, and how you can avoid such threats.

2. Password Attacks:

In the intricate digital ecosystem outlined, every access point—from cloud servers and internal applications to employee mobile devices—is guarded by a fundamental layer of security: authentication. At the heart of this layer lies the most ubiquitous yet vulnerable secret: the password.

Despite advancements in biometrics and security keys, the password remains the primary key granting access to corporate data, email accounts, and critical systems. Consequently, it is also the most targeted element by cyber adversaries. Password attacks are not a new threat, but they have evolved in scale, sophistication, and automation, making them a persistent and devastatingly effective attack vector.

This section will dissect the most common and dangerous password attack methods threatening organizations today.

2.1 Phishing & Credential Harvesting
  • What it is: Attackers send deceptive emails, texts, or instant messages that appear to be from a legitimate source (like IT, HR, or a well-known service like Microsoft).
  • How it works: The message creates a sense of urgency (“Your password will expire!”) or curiosity (“You have a shared document”). It contains a link to a fake login page that looks identical to the real one. When an employee enters their credentials, they are sent directly to the attacker.
  • Why it’s effective: It exploits human psychology and trust, bypassing technical controls entirely.
2.2 Login Brute Forcing

In the digital world, passwords act as locks. A brute force attack is the simplest way to break in: an attacker uses automated tools to try every possible password combination until they guess the correct one.

  • What it is: Using automated software to guess a password by trying every possible combination of characters.
  • How it works: The attacker systematically tries “password1”, “password2”, etc., or uses powerful computers to cycle through complex combinations. This is most effective against short, simple passwords.

Why it’s effective: It is guaranteed to eventually guess the password; the only variable is time. Weak passwords can be cracked in seconds, as shown in the following example:

2.3 Credential Hunting in Network Traffic

While many attacks focus on guessing or phishing passwords, a more passive and insidious method involves simply “listening” for them as they travel across the network.

What it is: Network Sniffing & Cleartext Transmission

This attack involves using software, to capture and inspect all data packets flowing across a network. If the data is not encrypted, the attacker can read it directly, much like eavesdropping on a conversation.

The critical vulnerability here is the use of cleartext (or plaintext) protocols. These are legacy methods of communication that do not encrypt the information they send.

  • How it Works:
    1. An attacker gains access to a network (e.g., via a compromised device or by connecting to an unsecured Wi-Fi network).
    2. They then filter the traffic for protocols known to transmit credentials in cleartext.

If a user or system uses one of these insecure protocols to log in, their username and password are captured in a readable format by the attacker.

3. Denial-of-Service Attacks

A Denial-of-Service (DoS) attack is not an attempt to steal data, but to make it unavailable. The objective is to overwhelm a company’s server, website, or network with a flood of illegitimate traffic—so much traffic that it cannot respond to legitimate requests from real users or customers.

Think of it like phoning a restaurant thousands of times a minute. The phone lines become jammed, and legitimate customers cannot get through to place an order.

A Distributed Denial-of-Service (DDoS) attack is a larger-scale version, where the attack originates from thousands of compromised devices simultaneously, making it much harder to block.

Impact: This results in website downtime, disrupted services, massive financial losses from halted e-commerce, and severe damage to brand reputation and customer trust.

4. Active Directory Attacks: Compromising the Corporate Nervous System

Active Directory (AD) is the central authentication and authorization system for most Windows-based corporate networks. It is the “digital phonebook” that manages every user, computer, and permission. Because of its central role, AD is the ultimate prize for cyber attackers.

An Active Directory attack is not a single technique but a multi-stage campaign where attackers, after gaining an initial foothold, methodically move to compromise the core AD infrastructure itself. Their objective is to escalate privileges and ultimately gain control over the highest-level administrative accounts.

Once this control is achieved, they possess total, often undetectable, authority over the entire AD Domain. This allows them to access or exfiltrate any data, move laterally at will, and deploy persistent threats across all connected systems, making remediation incredibly complex and costly.

5. Cloud Misconfiguration: The Wide-Open Digital Door

Cloud misconfiguration occurs when cloud services are set up with incorrect security settings, inadvertently exposing them to the public internet.

Unlike a sophisticated breach, this is often the result of human error, complex interfaces, or a misunderstanding of the “shared responsibility model” in the cloud. The result is a wide-open digital door, leaving sensitive data—including customer records, intellectual property, and internal communications—accessible to anyone who knows where to look, without the need to hack in.

  • Human Error: The Unintentional Insider

The biggest risk is often a simple accident by an employee. This could be sending an email to the wrong person, clicking a bad link, or accidentally changing a setting that makes data visible to the public.

  • Insufficient Identity and Access Management (IAM)

This means not managing who can see what inside your company’s cloud. Problems include using weak passwords, not having extra login steps, and giving employees access to data they don’t actually need for their job. This makes it easy for hackers to get in.

  • The Insider Threat: A Breach from Within

Sometimes, the problem comes from a current or former employee. They might intentionally steal information, or they might accidentally cause a leak by being careless.

  • Shared Responsibility Model Confusion

In the cloud, security is a team effort between your company and the cloud provider. Often, companies get confused and think the provider is handling everything, when in reality, they are responsible for protecting their own data and user accounts. This misunderstanding leaves major gaps.

  • Misconfigured Cloud Storage

A very common cause of cloud data leaks is simple misconfiguration. It’s like accidentally storing your company’s private documents in a public, unlocked parking lot instead of a secure filing cabinet. Anyone can find and take them.

  • Unmanaged and Expanding Attack Surface

The cloud makes it easy to create new services and storage with a click. Without careful tracking, a company can quickly lose sight of everything it owns in the cloud, what data is there, and who can access it. You can’t protect what you don’t know you have.

6. Web Attacks: The Digital Break-In

What it is: Web attacks are when hackers find and exploit weaknesses in your company’s website or web applications.

How it exposes sensitive data: These vulnerabilities act like unlocked doors or weak spots in your digital storefront. Hackers can use techniques like:

  • Injecting malicious code to trick your website into revealing customer information
  • Intercepting unsecured data transmissions
  • Bypassing login systems to access protected areas

When successful, these attacks can expose:

  • Customer credit card information (Visa/Mastercard numbers)
  • Personal identification data
  • Login credentials
  • Private business documents

The consequence: A single web vulnerability can lead to massive data breaches, financial losses, and permanent damage to your company’s reputation.

7. SQL Injection (SQLi): Attacking Your Database
  • What it is: An attack where a hacker “tricks” your website into revealing the contents of its database.
  • How it works: Imagine your website’s database is a secure vault that holds all customer information. When a user types a name into a search box, your website asks the vault: “Show me the profile for [Name]”.
    A hacker will type a malicious command instead of a name. If your website isn’t properly secured, it will pass this command directly to the database vault, which will obediently execute it. The command could be: “Show me EVERY user’s credit card number and password.”
  • Why it’s dangerous: It can directly expose your entire database of customer records, including credit card information, personal details, and login credentials, as shown:
8. Third-Party Attacks: The Weakest Link in Your Security Chain

What Is a Third-Party Attack?

A third-party attack happens when hackers target your company by breaking into one of your vendors, suppliers, or partners. Imagine you have a highly secure office building, but the cleaning company you hire leaves a back door unlocked.

A thief uses that unlocked door to get into your office and steal your secrets. That’s exactly how third-party attacks work.

How Do Attackers Exploit This?

Attackers look for the weakest link in your business relationships. Instead of attacking your well-protected systems directly, they target your less-secure partners who have special access to your data or systems. For example:

  • They might hack a software provider that manages your customer database.
  • They could breach a cloud storage vendor where you keep sensitive files.
  • They might breach a payment processing company, stealing credit card information from all the businesses that used its services.
Fourth: Technical Measures for Protecting Personal Data

The modern threat landscape demonstrates that vulnerabilities could exist at every layer of an organization. No single tool can provide complete protection.

A strategic and integrated solution can be adopted to address the increasing complexity of cyber threats by moving beyond fragmented defensive measures toward a comprehensive framework that embeds security and privacy within organizational operations. Under this approach, regulatory compliance becomes a natural outcome of a well-structured and secure operational environment.

This solution is based on the following pillars:

  • A strategic, holistic framework: The adoption of a unified strategy designed to protect the organization’s entire digital ecosystem through coordinated technical, organizational, and legal measures, supported by continuous risk assessment and management.
  • Proactive compliance and defense: The implementation of preventive technical safeguards supported by comprehensive Data Protection Impact Assessments (DPIAs) to systematically identify, evaluate, and mitigate potential risks to personal data.
  • Development of a security culture: The establishment of tailored internal security and data protection policies, combined with ongoing employee awareness and training programs to promote consistent compliance and responsible data handling practices.
  • Integrated PDPL compliance: Ensuring full compliance with applicable Personal Data Protection Law (PDPL) requirements while positioning data protection as a strategic organizational asset rather than merely a regulatory obligation.
Appendix: Definitions
Term Definition
Authentication is proving you are who you claim to be before being granted access.
Authorization is what you're allowed to do and see after you've proven your identity.
Encryption means your information is scrambled into a secret code that only someone with the right key can unlock and read.
Network is a digital highway that connects computers and devices, allowing them to share information and resources.
Network Traffic is all the information—messages, videos, files—that travels between devices on a network.
Network Protocol is a set of rules that devices follow to communicate, just like the rules of the road (stop signs, traffic lights) that ensure cars can drive safely and orderly.
Corporate Network is a private, internal highway system that connects all of a company's computers, phones, and servers, allowing employees to securely share information and resources within the organization.
Initial Foothold is the first point of access a hacker manages to get inside a company's network.
Escalating privileges is when a hacker who has a low-level access pass finds a way to get a master key, giving them full control over the entire system.
Active Directory Domain is the central security hub for a Windows-based company network. It acts as a master directory that manages every user, computer, and their access permissions, ensuring the right people can access the right resources.
Exfiltrate Data means to secretly steal and copy information from a company's network and send it to an outside location controlled by the attacker.
Moving Laterally is when a hacker who has broken into one computer explores the network to find and break into other, more important computers.
Database is a highly organized digital filing cabinet where a company stores all its structured information, like customer details, product lists, and financial records, so it can be easily found, managed, and updated.
Potential Vulnerability is a weakness or a flaw in a system—like an unlocked door or a broken window—that a hacker could potentially find and exploit to break in.
Data Breach is a security incident where sensitive or confidential information is stolen, copied, viewed, or used by someone who is not authorized to do so.
Data Protection Impact Assessment (DPIA) is a formal process to identify and reduce the privacy risks of a new project before it starts, ensuring personal data is protected from the very beginning.
Exploitation is the act of a hacker actively taking advantage of a specific weakness or vulnerability in a system to gain unauthorized access, steal data, or cause damage.
Shared Responsibility Model The cloud provider secures the platform (like the building), while you secure your data and access (like your office inside). Both are responsible for different parts of security.
Authors:
Ma'in Nsair (Data protection specialist)
Tariq Aldiri (Data protection specialist)
Dina Al- Qawaqzeh (Cyber Security Specialist)

For more information, Please contact us at: info@nsairs.com

جرائم الذم والتحقير وجرائم اثارة الفتنة

أحدث التطور المتسارع في وسائل الاتصال الرقمية واقعًا قانونيًا جديدًا، تحوّلت فيه المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي من أدوات للتعبير المشروع عن الرأي وتبادل المعرفة إلى ساحات مفتوحة لانتهاك السمعة والاعتداء على الكرامة الإنسانية، وقد شهد المجتمع الأردني على غرار سائر المجتمعات الحديثة  تزايدًا ملحوظًا في جرائم الذم والتحقير المرتكبة عبر مواقع التواصل الإجتماعي، حيث باتت كلمات مكتوبة أو تعليقات عابرة قادرة على إحداث أضرار جسيمة لا تقل خطورة عن الاعتداءات المادية، ولعل خطورة هذه الجرائم لا تكمن في وقوعها فحسب بل في سرعة انتشارها واتساع نطاق تأثيرها إذ تنتقل عبارات الذم والتحقير خلال ثوانٍ إلى عدد غير محدود من المتلقين، وتبقى آثارها الرقمية عالقة في الذاكرة الإلكترونية، بما يلحق بالمجني عليه أضرارًا نفسية واجتماعية ومهنية قد يصعب تداركها، وقد امتدت هذه الجرائم لتطال الأفراد في حياتهم الخاصة، والشركات والمؤسسات في سمعتها ومكانتها الإقتصادية، والموظفين العموميين في هيبتهم الوظيفية، مما أفضى إلى زعزعة الثقة المجتمعية وإضعاف قيم الاحترام المتبادل.

وإزاء هذه التحديات، تدخل المشرّع الأردني من خلال إصدار قانون الجرائم الإلكترونية  الجديد رقم (17) لسنة 2023، واضعًا إطارًا قانونيًا خاصًا يجرّم الذم والقدح والتحقير المرتكب عبر الوسائل الإلكترونية، ويُخضع مرتكبيه لعقوبات رادعة، تحقيقًا للتوازن الدقيق بين صون حرية الرأي والتعبير من جهة، وحماية السمعة والاعتبار الشخصي من جهة أخرى، ويأتي هذا التدخل التشريعي تأكيدًا لالتزام الدولة بحماية الحقوق الشخصية في العصر الرقمي، وترسيخًا لمبدأ المسؤولية القانونية عن الكلمة المنشورة مهما كان وسيطها.

وعليه يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على جرائم الذم والقدح والتحقير المرتكبة بالوسائل وجرائم إثارة الفتنة أو النعرات التي تستهدف السلم المجتمعي أو الحض على الكراهية، من خلال تحليل أركانها القانونية، وبيان العقوبات المقررة لها، وبيان آثارها القانونية والاجتماعية، بما يحقق فهمًا معمقًا لهذا النوع من الجرائم في ضوء أحكام قانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم (17) لسنة 2023:

أولاً: الإطار المفاهيمي لجرائم الذم والقدح والتحقير المرتكبة بالوسائل الالكترونية في نصوص القانون الأردني:

 الذم: يُعرّف الذم وفقاً للمادة (188) من قانون العقوبات الأردني بأنه: “إسناد مادة معينة إلى شخص ولو في معرض الشك والاستفهام، من شأنها أن تنال من شرفه وكرامته أو تعرضه إلى بغض الناس واحتقارهم، سواء أكانت تلك المادة جريمة تستلزم العقاب أم لا.

  • القدح: يُعرّف القدح وفقاً لذات المادة (188) بأنه: “الاعتداء على كرامة الغير أو شرفه أو اعتباره، ولو في معرض الشك والاستفهام، من دون بيان مادة معينة”.
  • التحقير: هو كل تحقير أو سباب غير الذم والقدح يوجه إلى المعتدى عليه وجهاً لوجه بالكلام أو الحركات أو بكتابة أو رسم أو هاتفية أو بمعاملة غليظة.
  • التشهير: التشهير ليس جريمة مستقلة في القانون الأردني بل هو مصطلح يُستخدم لوصف فعل الذم أو القدح أو التحقير عندما يتمّ ارتكابه علناً بهدف نشر معلومات أو صور أو رسومات تتعلق بشخص ما والإساءة إلى سمعته، وبتطور التشريعات اكتسب التشهير وصفاً قانونياً أكثر تحديداً في قانون الجرائم الإلكترونية الجديد، حيث أصبحت بعض الأفعال مثل تركيب أو تعديل الصور بقصد التشهير جريمة منفصلة بحد ذاتها.
ثانياً: أركان جريمة الذم والقدح والتحقير عبر المواقع الإلكترونية:

تقوم جرائم الذم والقدح والتحقير على ثلاث أركان أساسية وهي الركن القانوني والركن المادي والركن المعنوي:

  • الركن القانوني: يتحقق بوجود نص يجرّم الفعل وقد نصت مواد قانون الجرائم الإلكترونية الأردني المعدل على معاقبة ما يلي:
  1. نصت المادة (15/أ) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 وتعديلاته على ما يلي:

“يعاقب كل من قام قصدا بإرسال أو اعادة إرسال أو نشر بيانات أو معلومات عن طريق الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو الموقع الإلكتروني أو منصات التواصل الاجتماعي تنطوي على أخبار كاذبة تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي أو ذم او قدح او تحقير أي شخص بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (20000) عشرين ألف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.”

  1. نصت المادة (17) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 وتعديلاته على ما يلي:

” يعاقب كل من قام قصدا باستخدام الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو موقع الكتروني أو منصة تواصل اجتماعي لنشر ما من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات أو تستهدف السلم المجتمعي أو الحض على الكراهية او الدعوة إلى العنف أو تبريره أو ازدراء الأديان بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات أو بغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (20000) عشرين ألف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.”

 

  • الركن المادي: يقوم على فعل النشر أو الإرسال أو إعادة النشر باستخدام وسيلة إلكترونية، متضمنًا عبارات تمس الشرف أو الكرامة، وتتحقق العلانية بمجرد إتاحته للجمهور.
  • الركن المعنوي: ويتحقق القصد الجرمي العام بتوافر عنصري العلم والإرادة، إذ يجب أن يكون الجاني عالمًا بطبيعة المحتوى الذي يقوم بنشره أو إعادة نشره، ومدركًا لما ينطوي عليه من عبارات أو إشارات من شأنها المساس بشرف المجني عليه أو كرامته أو اعتباره، وأن تتجه إرادته الحرة إلى ارتكاب هذا الفعل باستخدام وسيلة إلكترونية، مع علمه بتحقق العلانية واتساع نطاق النشر، ولا يُشترط لتحقق القصد الجرمي أن يكون الجاني قد قصد إلحاق ضرر فعلي بالمجني عليه، بل يكفي علمه بأن فعله بطبيعته قادر على إحداث هذا الضرر، وهو ما ينسجم مع الطبيعة الخطرة للنشر الإلكتروني الذي تتضاعف آثاره بفعل سرعة الانتشار وإمكانية إعادة التداول، وقد يتخذ الركن المعنوي في بعض الحالات صورة القصد الجرمي الخاص وذلك عندما يكون الدافع من ارتكاب الذم أو التحقير الإلكتروني إثارة الفتنة و/أو التحريض على الكراهية و/أو تأجيج النعرات الاجتماعية أو الدينية و/أو زعزعة السلم المجتمعي، ففي هذه الحالة لا يقتصر سلوك الجاني على مجرد الإساءة الفردية، بل يتجاوزها إلى تهديد النظام العام والمصلحة العامة، وهو ما يُضفي على الجريمة خطورة مضاعفة تبرر تشديد العقوبة.
ثالثاً: العقوبات المقررة لمرتكبي جرائم الذم والقدح والتحقير ونشر قصداً منشورات بهدف إثارة الفتنة في المجتمع:

فرض المشرّع نصوصًا خاصة تُجرّم الذم والقدح والتحقير، وكذلك نشر المنشورات بقصد إثارة الفتنة أو التحريض، مقررًا عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية رادعة تتناسب مع جسامة الأثر المترتب على هذه الأفعال، ويعكس هذا التوجه حرص المشرّع على تحميل مستخدمي الوسائل الإلكترونية مسؤولية قانونية كاملة عن محتوى ما ينشرونه، تأكيدًا على أن حرية التعبير لا تمتد إلى الإساءة أو التحريض أو المساس بأمن المجتمع، وفي هذا الإطار، نص قانون الجرائم الإلكترونية صراحة على العقوبات المقررة لمرتكبي هذه الجرائم، وذلك وفق ما ورد في المواد ذات الصلة، وعلى وجه الخصوص المادتين (15/أ) و(17) اللتين تشكلان الأساس القانوني لتجريم هذه الأفعال وفرض الجزاءات المقررة عليه كما يلي:

  • نصت المادة (15/أ) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 وتعديلاته على ما يلي:

“يعاقب كل من قام قصداً بإرسال أو اعادة إرسال أو نشر بيانات أو معلومات عن طريق الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو الموقع الإلكتروني أو منصات التواصل الاجتماعي تنطوي على أخبار كاذبة تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي أو ذم او قدح او تحقير أي شخص بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (20000) عشرين ألف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.”

  • نصت المادة (17) من قانون الجرائم الالكترونية رقم (17) لسنة 2023 على ما يلي:

“يعاقب كل من قام قصدا باستخدام الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو موقع الكتروني أو منصة تواصل اجتماعي لنشر ما من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات أو تستهدف السلم المجتمعي أو الحض على الكراهية او الدعوة إلى العنف أو تبريره أو ازدراء الأديان بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات أو بغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (20000) عشرين ألف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.”

الخلاصة:

يُظهر التحليل القانوني لجرائم الذم والقدح والتحقير والتشهير في القانون الأردني وجود إطار تشريعي متكامل، يجمع بين القواعد التقليدية في قانون العقوبات والنصوص الحديثة في قانون الجرائم الإلكترونية، وقد برز بوضوح التوجه التشريعي نحو تشديد العقوبات في الفضاء الرقمي، مما يعكس جدّية المشرّع في التعامل مع هذه الجرائم التي باتت أكثر انتشاراً وتأثيراً، وتأتي العقوبات المنصوص عليها في القانون – سواء الحبس أو الغرامات – لتؤكد ردع القانون، وتجسد المبدأ القائل بأن حرية التعبير لا تمتد إلى الإساءة أو التحريض، وأن كل من يسيء استخدام الوسائل الإلكترونية يتحمل مسؤولية كاملة عن أفعاله، كما أن القانون يربط بين حماية الفرد وحماية المجتمع، بما يحقق توازنًا قانونيًا دقيقًا بين الحق الشخصي في الكرامة والسمعة وبين المصلحة العامة في الحفاظ على النظام العام.

المحامي سعد المحارمة

قانونُ حمايةِ اللغةِ العربيةِ في الأردن- بينَ النَصِ والتَطبيق

قانونُ حمايةِ اللغةِ العربيةِ في الأردن- بينَ النَصِ والتَطبيق
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) {يوسف 2}

تُعَدُّ اللغةُ العربيةُ جَوهرُ الهويةِ الوطنيةِ، ورمزاً للثقافةِ والتاريخِ والحضارةِ في الأردن والعالمِ العربي، فهيَ ليست مُجرَدَ وَسيلةٍ للتواصلِ فَحسب، بل لغةً عظيمةً تجاوزت حدودَ الزمانِ والمكانِ، حَمَلت على أجنحتها معارفَ الإنسانيةِ وعلومِها، وكانت مفتاحاً للنهضَةِ الفِكرِيَةِ والعِلمِيَةِ عبرَ العُصورِ.

حَيثُ تفرّدت اللغةُ العَرَبِيةُ بِجَمالِ بَيانِها وإعجازها البلاغي، لِتُصبحَ لُغَةَ القرآنِ الكريمِ التي لا تُضاهيها لُغَةٌ في قُدرَتِها على التَعبيرِ عَن أعمَقِ الأفكارِ وأدقِ الأحاسيسِ، فَهي الجسرُ الذي يَربِطُ حاضِرنا بِماضينا العَريق. فعَلى مَرِ العُصورِ، كانَت هَذهِ اللُغَةُ العَظيمةُ منارةً للعلمِ والحَضارةِ، وعُنواناً للجمالِ والإبداعِ، وحاضنةً لأعظمِ النُصوصِ وأخلد المَعاني، كيف لا وهي لُغَة القرآنِ الكَريمِ، لُغَةُ السماءِ التي حَمَلَت أعظَم رسالةٍ للبشريةِ.

حيث وصفَ الأستاذ العقاد ذاتَ يومٍ هذه اللغة بأنها “الهويةُ الواقيةُ التي تَحمي أصحابِها وهيَ الحِصنُ الذي يذودُ عَن هَذِهِ الأُمَةِ ويَضمَنُ دَوَامَها واستِقرارِاها، لأنَ اللُغةَ العربيةَ تَرتَبِط بالهَويَةِ وأيضاً باستنفارِ السيادةِ والتَمَيُزِ عَن الآخرين، وكَما لا يُمكنُ فَصلُ الروحِ عَن الجَسَدِ، كذلك لا يُمكِنُ الفَصلُ بَينَ اللُغَةِ العَرَبِيَةِ والأمَةِ العَرَبِيَةِ، لأنها لُغَةٌ تَستَمِدُ منها الأمَةُ سِيادِتها وعُمقِها الحَضارِي، إذ أنَ سِيادةَ اللُغَةِ في سِيادَةِ أُمَتِها.”

إلا أنَ واقِعَ اللُغَةِ العَرَبيَةِ اليوم في حالةِ ضُعفٍ وهوان، حَيثُ أن التعامُلَ اللُغَوي باللُغَةِ العَرَبِيةِ على المُستوى الداخِلي والخارجِي للدولِ العربيةِ قَد حادَ عَن الطَريقِ الصَحيحِ في اتباعِهِ وتَماشيهِ مع مُتطلباتِ الحياةِ وتَطَوُرِها السَريعِ، ويَتضِحُ ذلَكَ بِشَكلٍ كبيرٍ في التعامُلِ السياسي والدُبلوماسي وفي المحافلِ الدُوليةِ الذي يُوضِحُ لنا مَدى استضعافِ وانتقاصِ استخدامِ واعتمادِ اللُغَةِ العَرَبِيةِ في المحافِلِ الدُولِيَةِ والمؤسساتِ الرسميةِ والمؤسساتِ التَحكيميةِ والمحاكمِ الدُوليةِ على الرُغمِ مِن أن عَدَدُ الدُولِ الناطِقَةِ باللغَةِ العَرَبيَةِ يَبلُغُ (122) مئةٌ واثنانِ وعُشرونَ دَولَةٍ مِن أصلِ (195) مِئَةٍ وخَمسَةٌ وتُسعونَ دَولَةٍ حولَ العالمِ، وكذلك انتقاصُ الساسةِ والموظفونَ الرَسميونَ والممثلونَ عن الدولِ العربيةِ من استخدامِ لُغتهم العرَبيةِ الأم وتَوجُههم نَحوَ استخدامِ اللغاتِ الأجنبيةِ كلغة للتعاملِ والتواصلِ، بينما على الصعيد الآخر يَلتَزِمُ الآخرونَ ويَحرِصونَ على العَمَلِ بِلُغَتِهم في أيِ مكانٍ وتَحتَ أيِ ظرفٍ كان. فَرُغمَ إقرارِ اللُغَةِ العَربية كَلُغةٍ رَسميةٍ ضِمنَ لُغاتِ الأُمَمِ المتحدة مُنذُ عامِ 1973، مما يُؤَكِدُ مَكانَتِها في النظامِ الدولي، إلا أنَ استخدامَها في المحافلِ الدُوليَةِ لا يزالُ يتطلبُ المزيدَ مِنَ الجهودِ لتعزيزِ حضورِها وتأثيرها، لِكونِها لا تُستخدم على النحو الأمثلِ في العديدِ من المحافلِ الدوليةِ، وغالباً ما يتم الإعتماد على لغاتٍ أخرى مثل الإنجليزية أو الفرنسية حتى من قِبَلِ مُمَثلي الدولِ العربيةِ أنفُسِهِم، مما من شأنهِ أن يُضعفَ مكانةَ اللغةِ العربيةِ ويُقللُ مِن فُرَصِ تعزيزها كَلُغةٍ دبلوماسيةٍ قادرة على إيصالِ رسائلِ الدولِ العربيةِ بوضوحٍ وقوة.

وإدراكاً لأهميةِ صونِ هذا الإرثِ العَظيم، وفي ظلّ التحدياتِ التي نُواجهها اليوم، مِن عولمةٍ زاحفةٍ وغزوٍ ثَقافي يُهَدّد مَلامِحَ هُويتنا، جاءَ قانونُ حِمايةِ اللغةِ العربيةِ الأردني لسنة 2015 كَنبضٍ جَديدٍ يعيد لِلغة العربيةِ مَكانتها، حَيث يَفرضُ هذا القانون التزاماً مؤسساتياً وشعبياً باستخدامِ اللغةِ العربيةِ في التعليمِ والإعلامِ والمعاملاتِ الرسميةِ. إن هذا القانون ليسَ مُجَرَدَ نصٍ مكتوبِ، بَل رِسالةَ حُبٍ لِلُغتنا الأم، وخطوةً واثِقةً للحفاظِ على جُذورنا الممتدةِِ في أعماقِ التاريخ، حَيثُ يُعتًبَرُ هذا القانون أداةً أساسيةً لحمايةِ اللغةِ العربيةِ مِنَ الإندثارِ أو التَهميشِ.

يُحسَب لقانونِ حمايةِ اللغة العربية في الأردن، أنهُ أولُ تشريٍع من نوعه في العالم العربي، إلّا أن رحلة هذا القانون لا تزالُ طويلةً لإرساءِ دعائمِهِ في الحياةِ العامة، رُغمَ أنَهُ قطَع شوطًا لا بأسَ بهِ في تنفيذِ مقاصِدِهِ وغاياتهِ وتحقيق الإجماع والتأييدِ حولهِ، فالقانون الذي رأى النور بعدَ أن أقرّهُ مجلسُ النوابِ الأردني قبل أزيَد من سبع سنوات، أفرز نظامًا “إلزاميًا” يُلزَمُ بموجَبِهِ مؤسساتُ الدولةِ بالعمَلِ على سيادةِ اللُغَةِ العَرَبيةِ وتَعزيزِ دَورِها في المجالاتِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ ومؤسساتِ المجتمعِ المدني وكذلكَ في الأنشِطَةِ العلميةِ والثقافيةِ، ويشمَلُ ذلكَ تسميات هذهِ الجهات ووثائقها ومُعاملاتِها وسِجلاتها والوثائقِ والعقودِ والاتفاقياتِ التي تَكونُ طرفًا فيها، وكذلكَ الكتب الصادرة عنها، وأيّةِ إعلاناتٍ مرئيةٍ أو مسموعةٍ أو مقروءةٍ موجهةٌ للجمهورِ، وأيّ منشوراتٍ دعائيةٍ وغير دعائية، وأيّ حملاتٍ إعلامية، كما يُوجِبُ القانون أن يكونَ باللُغةِ العربيةِ، أيُّ إعلان يُبَثّ أو يُنشَر أو يُثبَّت في أي مكانٍ عام، مع جوازِ أن تُضاف ترجمةٍ لهُ بِلغة أجنبيةٍ عِندَ الضرورةِ، على أن تكون اللغة العربية أكبر حجمًا وأبرز مكانًا، وحتى الأفلام والمصنفات الناطقةِ بغيرِ العربيةِ المرخَص عَرضُها صوتًا أو كتابةً كان لها نصيبٌ في هذا القانون الذي يَشترطُ أن تُترجَم إلى اللغة العربية، وهو ما يَشمل أيضًا لافتات أسماءِ المؤسساتِ، وأوراقِ النقدِ والمسكوكات والطوابع والميداليات، والشهادات والمصدَّقات العلمية، مع جوازِ أن تضاف إلى الكتابة العربيةِ ما يُقابلها بلغةٍ أجنبية، على أن تكون اللغة العربية أكبرُ حجمًا وأبرز مكانًا، كما وينُص القانون على أن اللغة العربية لغةُ البحث العلمي، وتُنشر البحوثُ بها، مع جوازِ النشرِ بلغاتٍ أجنبية، شرطَ أن يقدم الباحث ترجمةً للبحثِ باللغةِ العربيةِ.

إلا أن هذا القانون لا زال يواجهُ تحدياتٍ وسلبياتٍ تَحُد من فاعليتهِ وتطبيقهِ على نطاقٍ واسع، فعلى الرُغم من مرورِ سنواتٍ على إقرارِ هذا القانون، إلا أنه لا يَزال يُعاني من نقصِ القوةِ الإلزاميةِ في تطبيقهِ ومِن محدوديةِ تأثيرهِ على المستوى الدولي، كما يَقتصِرُ نِطاق تطبيق هذا القانون على المؤسساتِ المحليةِ ولا يتوسع ليشمل المحافل الدولية، حيث تظل اللغة العربية غائبة عن كثير من المنصات العالمية كمؤسساتِ التحكيمِ والمحاكم الدوليةِ، مما يَحُد من مكانتها كلغةٍ عالميةٍ حتى يومنا هذا، حَيثُ يُعتَبر من المُهم أن تتجاوزَ حدودَ هذا القانون النطاق المحلي ليصبح نموذجًا لحمايةِ اللغةِ العربيةِ عالميًا، خاصةً في ظل التحدياتِ التي تُواجهها اللغة العربية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنَ السعيَ نَحو إدراجِ اللغةِ العربيةِ كلغةٍ إلزاميةٍ في المنظماتِ الدوليةِ ومؤسساتِ التحكيمِ الدُولية يُعدُ ضرورةً استراتيجيةً للحفاظ ِعلى اللغةِ العربيةِ وتعزيزِ مكانَتها دُولياً وعالمياً، خاصةَ وأن اللغة العربية كلغةٍ أم لأكثر من (400) أربعمائةِ مليونِ نسمة، يجعلها لغةٌ تَمتلكُ قدرةً تنافسيةً تؤهلها لتكونَ لاعبًا أساسيًا في الساحةِ الدوليةِ إذا ما وُظفت بالشكلِ الصحيح.

وفي ظلِّ الدورِ المتزايدِ للتحكيمِ وغيرِهِ من الوسائلِ البديلةِ لحلِّ النزاعاتِ كمحرِّكٍ رئيسيٍّ في تسويةِ النزاعاتِ بينَ الدولِ والأفراد، فإنَّ ضرورةَ إبرازِ الهويةِ الثقافيةِ العربيةِ وتعزيزِ مكانةِ اللغةِ العربيةِ على الساحةِ الدوليةِ أمرٌ حتمي، وعليه ولما أصبحَ تعزيزُ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في المؤتمراتِ الدوليةِ والمؤسساتِ التحكيميةِ مطلباً مُلحاً، نظراً لأنَّ اللغةَ القانونيةَ المستخدمةَ لا تقتصرُ على كونها وسيلةً للتفاهمِ، بل هي وعاءُ الهويةِ ومفتاحٌ للتعبيرِ عن القضاياِ العربيةِ بوضوحٍ ودقةٍ، مما يضمنُ حضوراً فاعلاً وقوياً للعربِ في مختلفِ المحافلِ وتمكينهم من عرضِ قضاياهم والتعبيرِ عن مصالحهم بوضوحٍ ودقةٍ، فإنَّه ومن هذا المنطلقِ يتطلبُ تعزيزُ الحضورِ العربيِّ دولياً إعدادَ كوادرَ مؤهلةٍ قادرةً على تمثيلِ اللغةِ العربيةِ باحترافيةٍ عالية، من خلالِ تأهيلِ مترجمين متخصصين في الترجمةِ القانونيةِ والفنية، فضلاً عن ضرورةِ وجودِ محكِّمين دوليين يمتلكونَ الدرايةَ الكاملةَ بالقواعدِ الإجرائيةِ والقانونيةِ، بما يمكنهم من تعزيزِ دورِ اللغةِ العربيةِ في المؤسساتِ الدوليةِ والعالمية.

وللتغلبِ على التحدياتِ التي تحولُ دونَ أن يكونَ للوجودِ العربيِّ واللغةِ العربيةِ فاعليةٌ في الأوساطِ المحليةِ والدوليةِ، يجبُ اتخاذُ خطواتٍ عمليةٍ لتعزيزِ مكانةِ اللغةِ العربيةِ في التحكيم، ومن أبرزِ هذه الخطواتِ فرضُ شرطِ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في العقودِ التي تشملُ أطرافاً عربيةً، بحيثُ تُصبحُ اللغةَ الرسميةَ للإجراءاتِ القانونيةِ، إذ لا تزالُ غالبيةُ القضايا التي تشملُ أطرافاً عربيةً تُدارُ بلغاتٍ أجنبيةٍ دونَ مبررٍ مقبولٍ، مما يُفضي إلى حرمانِ أحدِ أطرافِ النزاعِ من حقهِ في أن تكونَ لغتُهُ حاضرةً أثناءَ إدارةِ هذا النزاع، هذا الواقعُ يُضعفُ الحضورَ العربيَّ ويقللُ من تأثيرهِ وفاعليتهِ، لذلك، فإن إنشاءَ مراكزِ تحكيمٍ عربيةٍ تُقدّمُ خدماتِها باللغةِ العربيةِ بشكلٍ كاملٍ يُعدُّ خطوةً محوريةً تضمنُ استقلاليةَ هذه المراكزِ وكفاءتَها.

علاوةً على ذلك، يتعينُ العملُ على تعريبِ القواعدِ التحكيميةِ الدوليةِ، مثلَ قواعدِ اليونسيترال وقواعدِ مراكزِ التحكيمِ العالميةِ، لضمانِ وجودِ نسخٍ عربيةٍ معتمدةٍ تُسهمُ في تسهيلِ استخدامها في القضايا التي تخصُّ الأطرافَ العربية، مما يعززُ من استخدامِ اللغةِ العربيةِ كأداةٍ سياديةٍ وثقافيةٍ في المحافلِ الدولية.

وبينما نعمل على تعزيز اللغة العربية محلياً، يجب أن تمتدَّ الجهودُ إلى المحافلِ الدوليةِ لتأكيدِ حضورِ اللغةِ العربيةِ كمكوّنٍ أصيلٍ من مكونات الهويةِ الثقافيةِ العربية، وهذا يتطلبُ استراتيجيةً شاملةً تتضمنُ تحديثَ القوانينِ الوطنيةِ لتكونَ أكثرَ إلزاميةً في دعمِ اللغةِ العربية، وتوجيهَ السياساتِ الثقافيةِ والتعليميةِ نحو تعزيزِ مكانةِ اللغةِ العربيةِ في الداخلِ والخارج.

فمن خلال هذه الجهود، يمكنُ للغةِ العربيةِ أن تستعيدَ دورها ومكانتها كوسيلةٍ فعّالةٍ للحوارِ والتعبير، سواء في الأوساطِ المحليةِ أو على المستوى الدولي، بما يليقُ بإرثها الحضاري وقيمتها الثقافية، ويعززُ من دورِها في الحفاظِ على الهويةِ العربيةِ وتفاعلِها الفاعلِ في الساحةِ العالمية.

وكذلك فإن اشتراطَ استخدامِ اللغةِ العربيةِ عند توقيعِ الاتفاقياتِ والمعاهداتِ يُعدّ خطوةً محوريةً لتعزيزِ مكانتِها كَلُغةٍ رسميةٍ وحاميةٍ للهويةِ الثقافيةِ والقانونيةِ للعالمِ العربي، وكضمانةٍ لتمثيلِ مصالحِ الدولِ العربيةِ بدقةٍ ووضوح، خاصةً في ظلِّ الأهميةِ المتزايدةِ للاتفاقياتِ الثنائيةِ والدوليةِ التي تحددُ حقوقَ الدولِ والتزاماتِها، حيثُ تُعدُّ اللغةُ المستخدمةُ في صياغةِ الاتفاقياتِ والمعاهداتِ ذاتَ تأثيرٍ كبيرٍ على فَهمِ النصوصِ القانونيةِ وتفسيرِها، وعندما تُكتبُ هذه النصوصُ بلغاتٍ أجنبيةٍ، تُتركُ مساحةٌ للتفسيراتِ التي قد لا تعكسُ بدقةٍ نوايا الأطرافِ العربيةِ أو مصالحَها، لذلك، فإنَّ اعتمادَ اللغةِ العربيةِ كَلُغةٍ رسميةٍ في صياغةِ الاتفاقياتِ يُقلّلُ من احتمالاتِ اللبسِ أو سوءِ الفهم، ويُعزّزُ السيادةَ اللغويةَ للدولِ العربية، والعملُ على تعميمِ ذلك على نطاقٍ أوسع، كما يَجبُ على الحكوماتِ العربيةِ تضمينُ شرطِ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في الاتفاقياتِ كجزءٍ من سياساتها السياديةِ، مع اعتمادِ نصوصٍ قانونيةٍ دقيقةٍ ومصطلحاتٍ متخصصةٍ لضمانِ توافقِ النصوصِ مع المعاييرِ الدولية.

وفي ظلِّ ما تشهدهُ المنطقةُ العربيةُ اليومَ من تحدياتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ وقانونيةٍ، فإنَّ اشتراطَ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في الاتفاقياتِ والمعاهداتِ يُمثلُ رسالةً واضحةً للعالمِ عن أهميةِ حمايةِ اللغةِ كجزءٍ من الهويةِ الوطنيةِ والقومية، فاللغةُ العربيةُ ليستْ مجردَ رمزٍ ثقافيٍّ، بل هي أداةٌ سياديةٌ تُعبّرُ عن وحدةِ الموقفِ العربي، وتُعزّزُ من القدرةِ على الدفاعِ عن المصالحِ المشتركةِ على الساحةِ الدولية.

وأما من الناحية الأخرى، فإنَّ ضرورةَ استخدامِ اللغةِ العربيةِ يجبُ أن يمتدَّ ليشملَ مجموعةً واسعةً من المحافلِ والمؤسساتِ العالميةِ التي تؤثرُ بشكلٍ كبيرٍ في السياسةِ والاقتصادِ والثقافةِ والعلم، حيث تلعبُ اللغةُ العربيةُ دوراً مهماً في العلاقاتِ الدبلوماسيةِ على المستوى الدولي، وفي المؤتمراتِ العالميةِ واللقاءاتِ السياسيةِ بينَ الدول، وفي اجتماعاتِ الأمم المتحدة، ويُعدُّ من الضروريِّ ضمانُ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في هذه المحافلِ وعلى نطاقٍ واسعٍ لغاياتِ ضمانِ أن تُسمعَ وجهاتُ النظرِ العربيةِ بوضوحٍ ودقةٍ، ولضمانِ عدمِ تقييدِ فعاليةِ ظهورِ القضايا العربيةِ بشكلٍ واضحٍ في المحافلِ الدوليةِ.

وأما في عالمِ الإعلامِ المحليِّ والدوليِّ، ونظراً لما يتمتعُ به الإعلامُ من أهميةٍ وسلطةٍ واسعةٍ في نقلِ الأحداثِ والقضايا، ولكونهِ وسيلةً مهمةً لنقلِ الأخبارِ والمواقفِ والأحداثِ السياسيةِ والثقافيةِ إلى جمهورٍ عالمي، فلا شكَّ أنَّ هناكَ حاجةً ملحَّةً لتعزيزِ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في الإعلامِ الدوليِّ بشكلٍ أكبر، سواء في تقاريرِ المنظماتِ العالميةِ أو في التغطياتِ الصحفيةِ التي تُعنى بالقضايا العالميةِ، لضمانِ نقلِها بصورةٍ واضحةٍ وكاملةٍ وحياديةٍ دونَ تزييفٍ للحقائق.

وفي الختامِ، نؤكدُ على أنَّ اللغةَ هي شأنٌ قوميٌ وسياديٌ لا يجوزُ المساسُ به بأيِّ شكلٍ من الأشكال، فهي جزءٌ من الأمنِ الوطنيِّ والقوميِّ للشعوبِ التي ترتبطُ ببعضها من خلال اللغةِ والتاريخِ والحضارةِ. فالحفاظُ على اللغةِ والاعتناءُ بها يُعدُّ واجبًا قوميًّا، لأنه يُعبِّرُ عن سيادةِ الشعوب وحفاظِها على تمايزها وتفرد هويتِها. ومن هذا المنطلق، يجبُ على أبناءِ اللغةِ العربيةِ النهوضُ بها ورفعُها من بوتقةِ الكسادِ والاستسلام، وإعادةُ الروحِ فيها لتعودَ حيةً نابضةً، مع توحيدِ الجهودِ الإقليميةِ العربيةِ للحفاظِ عليها وحمايتها من التحدياتِ المتزايدةِ في عالمِ العولمة، فاللغةُ والدينُ هما الحصنانِ المنيعانِ اللذان تتمترسُ خلفهما كلُّ أمةٍ للدفاعِ عن نفسها، لصدِّ أيِّ هجومٍ يستهدفُ محوَ هويتِها الذاتيةِ والقوميةِ والثقافيةِ، والنيلِ من سيادتِها. ولذا، فإنَّ التعاونَ المستمرَّ بينَ الدول العربيةِ يمكنُ أن يُسهمَ في استعادةِ مكانةِ اللغةِ العربيةِ على الساحةِ الدوليةِ، بما يليقُ بإرثِها الحضاريِّ ومكانتِها الثقافية.

المحامية رُلى زيادين

تنظيم نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية

شهدت المملكة الأردنية الهاشمية في السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في استخدام التطبيقات الذكية لتقديم خدمات نقل الركاب، الأمر الذي أوجد واقعاً تشغيلياً جديداً يتطلب إطاراً قانونياً يوازن بين تشجيع الاستثمار وضمان السلامة العامة وتنظيم المنافسة.

وفي هذا السياق، جاء إصدار نظام تنظيم نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية رقم (74) لسنة 2025 استناداً إلى أحكام قانون تنظيم نقل الركاب رقم (19) لسنة 2017، بهدف تحديث النظام الصادر عام 2018 وسدّ الثغرات والاشكالات التي برزت أثناء التطبيق العملي له.

حيث يمثل النظام الجديد خطوة متقدمة في تطوير التشريعات ذات الطابع الرقمي في الأردن، إذ يعكس التوجه الرسمي نحو تنظيم الاقتصاد التشاركي بما يضمن حقوق جميع الأطراف: الراكب، السائق، والشركة المشغلة.
حيث سيتناول هذا المقال بيان أهم التعديلات الواردة في النظام الجديد وذلك وفقاً للآتي:

أولاً: توحيد مقدار الكفالة البنكية المطلوبة من المرخص له:

من أبرز التعديلات التي جاء بها نظام تنظيم نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية رقم (74) لسنة 2025 وفقاً لما ورد في نص المادة (4/أ/2) منه، هي توحيد مقدار الكفالة البنكية المطلوبة من الشركة المرخصة لتصبح (100,000) مائة ألف دينار لكل شركة من الشركات المرخصة، وذلك بغض النظر عن عدد المركبات المرخصة لها بالعمل على التطبيق المملوك للشركة المرخصة، مع مراعاة الاستثناء الوارد في الفقرة (ج) من المادة (4) من النظام، والذي أعفى مكاتب التكسي التي ترغب في الحصول على ترخيص نقل الركاب باستخدام التطبيقات الذكية من شرط رأس المال والكفالة البنكية المنصوص عليها في النظام.

 وتعد الكفالة البنكية أداة قانونية لضمان الجدية والالتزام المالي، وتشكّل ضمانة للمستهلك وللهيئة الناظمة ضد أي إخلال تعاقدي أو تشغيلي.

ثانياً: إلزام الشركات بالربط الإلكتروني ومشاركة البيانات:

ألزم النظام الجديد الشركات المرخصة بربط أنظمتها التقنية إلكترونياً مع هيئة تنظيم النقل البري لتزويدها ببيانات التشغيل والحركة بشكل مباشر، وفقاً لقواعد حماية البيانات المنصوص عليها في قانون حماية البيانات الشخصية لسنة 2023، حيث ألزمت المادة السادسة من النظام الجديد المرخص له بتوقيع عقد مشاركة البيانات والربط الإلكتروني مع الهيئة لتنظيم آليات الربط الإلكتروني ومشاركة البيانات المتعلقة بتقديم الخدمة، بما يضمن الامتثال للمتطلبات التنظيمية، وحماية البيانات وتحقيق المصلحة العامة، وذلك وفقاً للنموذج المعتمد من الهيئة، ويعد هذا العقد جزءاً لا يتجزأ من متطلبات الترخيص وتجديده.

ويُعد هذا التعديل من أهم الجوانب المستحدثة، لأنه ينقل الرقابة من المستوى الورقي إلى الرقابة الإلكترونية المستمرة، ومن الناحية القانونية يشكّل الربط الإلكتروني وسيلة فعالة لتفعيل مبدأ الشفافية وتعزيز المسائلة القانونية، مع التأكيد على حق الأفراد في حماية خصوصيتهم وبياناتهم الشخصية، حيث حظرت المادة (5/ب) من النظام على المرخص له استخدام البيانات المتوافرة على قاعدة بياناته لغير غاية نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية، وذلك تحت طائلة إيقاع أي من الجزاءات المنصوص عليها في المادة (15) من النظام.

ثالثاً: استحداث بند لخدمات الأشخاص ذوي الإعاقة:

ألزم النظام بموجب البندين (ل) و(ك) من المادة الخامسة منه، الشركات المرخص لها بتخصيص نسبة من المركبات لخدمة الأشخاص ذوي الإعاقة، بالإضافة إلى تقديم تخفيضات تسويقية وعروض تفضيلية لهذه الفئة من المجتمع، وذلك بالنسبة التي يراها المرخص له مناسبة.

ويعكس هذا التعديل انسجام التشريع الأردني مع قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم (20) لسنة 2017 ومع اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي صادقت عليها المملكة الأردنية الهاشمية
ومن زاوية قانونية، يعدّ هذا الالتزام شرطاً من شروط الترخيص، وبالتالي فإن مخالفته تُعتبر إخلالاً قانونياً بمتطلبات الترخيص المنصوص عليها في المادة الخامسة من النظام، ويترتب عليه إيقاع إحدى الجزاءات المنصوص عليها في المادة (15) من النظام.

رابعاً: تعديل شروط السائق (مقدم الخدمة):

عدّل النظام الجديد بموجب المادة العاشرة منه شرط العمر للسائق بحيث لا يتجاوز (65) سنة بعد أن كان النص في النظام السابق يشترط أن لا يتجاوز عمر السائق (60) سنة، كما وأضاف النظام الجديد شرط جديد يتعلق بالسائق (مقدم الخدمة) يتمثل باجتيازه دورة تدريبية تأهيلية للعمل على نظام التطبيقات من المراكز التدريبية المعتمدة لدى المرخص له.

خامساً: منح مهلة لتصويب الأوضاع القانونية

منح النظام الجديد بموجب المادة (19) منه الشركات العاملة ومقدمي الخدمة المصرح لهم بنقل الركاب من خلال التطبيقات الذكية بموجب النظام السابق مهلة قانونية مقدارها ستة أشهر من تاريخ سريان أحكامه أو من تاريخ انتهاء الرخصة أيهما أطول، لتصويب أوضاعها القانونية بما يتفق مع أحكام النظام الجديد، وبخلاف ذلك يعتبر الترخيص والتصريح الممنوح لأي منهما ملغى حكماً.

حيث يتفق هذا النص مع مبدأ الأثر المباشر للقرارات الإدارية التنظيمية مع الحفاظ على الاستقرار القانوني، ويهدف المشرّع من خلال هذا التدرج إلى تحقيق التوازن بين المصلحة العامة في التطبيق الفوري للقانون والمصلحة الخاصة للشركات ومقدمي الخدمة في التكيّف مع المتطلبات الجديدة دون ضرر جسيم أو تعطيل اقتصادي.

سادساً: تشديد الرقابة على المخالفين

منح النظام الجديد بموجب المادة (18) منه هيئة تنظيم النقل البري من خلال مجلس إدارتها، صلاحية الطلب من هيئة تنظيم قطاع الاتصالات باتخاذ الاجراءات اللازمة لحجب أي تطبيق أو موقع إلكتروني يقدّم خدمات نقل الركاب باستخدام التطبيقات الذكية دون الحصول على الترخيص وفق أحكام هذا النظام، أو يروّج لتحميل أو استخدام تطبيقات غير مرخصة.

وتُعدّ هذه الصلاحيات من أهم التعديلات التي أفرزها الواقع العملي وانعكست بدروها على نصوص النظام الجديد، حيث لم تكن مثل هذه الأداة القانونية منصوصاً عليها في النظام السابق، وتأتي الغاية القانونية من هذا التعديل لضمان الامتثال لأحكام النظام وردع التطبيقات غير القانونية التي تعمل خارج الإطار التنظيمي، ما يعزز الثقة في الاقتصاد الرقمي الوطني ويضمن المنافسة المشروعة، وذلك على ضوء انتشار استخدام التطبيقات غير المرخصة في المملكة. وذلك على الرغم من صعوبة تطبيقها على الواقع العملي، حيث أن معظم التطبيقات غير المرخصة تعمل من خارج المملكة، وتستخدم أدوات تقنية (VPN) غير مشروعة تعيد تفعيل نفسها بعد حجبها، مما يتطلب تظافراً بالجهود فيما بين الجهات الرقابية للحد من انتشار هذه التطبيقات، ومنها إدارة السير والمركبات وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات وهيئة النقل وبالتعاون مع القطاع الخاص، وبالنتيجة التوصل إلى حلول عملية يتم من خلالها حجب هذه التطبيقات بشكل دائم ومستمر وفعال، وكذلك من خلال إحالة كل من يثبت تورطه في العمل على هذه التطبيقات من سائقين ومشغلين إلى المحكمة المختصة والحكام الإداريين لضمان عدم معاودة تشغيل هذه التطبيقات أو العمل معها.

إن نظام تنظيم نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية رقم (74) لسنة 2025 يشكّل تطوراً تشريعياً جوهرياً في البنية القانونية لقطاع النقل الرقمي في الأردن، فقد ركّز النظام على إعادة هيكلة الإطار التنظيمي لقطاع نقل الركاب بواسطة التطبيقات الذكية بما يضمن التوازن بين الحرية الاقتصادية والرقابة الإدارية، وراعى الجوانب التقنية والقانونية، ويمكن من خلال تحليل واستعراض أبرز التعديلات التي تضمنها هذا النظام، القول بأن المشرّع الأردني قد سعى من خلال إصدار هذا النظام الجديد إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:

  1. تنظيم المنافسة وحماية المستثمر والمستهلك.
  2. تعزيز الرقابة الإلكترونية وتطبيق مبادئ الشفافية.
  3. دمج البعد الاجتماعي وحقوق ذوي الإعاقة ضمن السياسات العامة للنقل.

وعليه، يمكن القول إن النظام الجديد يمثل نموذجاً متقدماً للتشريعات الرقمية في المنطقة، ويؤسس لمرحلة جديدة من التحول التشريعي الرقمي في الأردن.

 

المحامي عمار عاصي

شرط عدم المنافسة في عقود العمل: بين حماية مصالح صاحب العمل وضمان حرية العامل في العمل

يُعد شرط عدم منافسة العامل لصاحب العمل أحد البنود التي تثير جدلاً قانونياً واسعاً في عقود العمل، فهو من جهة وسيلة لحماية مصالح صاحب العمل المشروعة، ومن جهة أخرى قد يتحول إلى قيد يمس جوهر حق العامل في العمل والكسب وحرية اختيار عمله، وهو حق أساسي كرسته القواعد الدستورية والمبادئ المستقرة في المنظومة القانونية والإنسانية، إذ نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن لكل فرد الحق في العمل واختيار مهنته بحرية، ما يوجب أن أي قيد يرد على هذا الحق يجب أن يبقى ضمن أضيق الحدود، وأن يتم قياسه بميزان دقيق لا يُخل بمصلحة صاحب العمل ولا يَجعل العامل أسيراً لعقد عمل سابق يقيده حتى بعد انتهائه.

الأصل في القانون أن حرية العمل مُصانة ومكفولة، وأن أي قيد يرد عليها يعد استثناءً عن الأصل، والاستثناء لا توسع في تفسيره؛ لذلك لم يرد في قانون العمل الأردني نص مباشر ينظم شرط عدم المنافسة، إلا أن الفقه والقضاء استقرا على استمداد أساسه القانوني من أحكام القانون المدني الأردني، ولا سيما المادة (818) من نفس القانون التي أتاحت لصاحب العمل أن يشترط على العامل ألا ينافسه بعد انتهاء عقد العمل إذا كان عمل العامل يتيح له الاطلاع على أسرار العمل أو معرفة عملائه، على أن يكون هذا الشرط مقيداً من حيث الزمان والمكان ونوعية العمل، وبالقدر الضروري لحماية المصلحة المشروعة لصاحب العمل. وهذا يعني أن المشرع لم يُطلق يد صاحب العمل في تقييد حق العامل في العمل، بل اشترط لتفعيل هذا القيد شروطاً صارمة لضمان عدم تحول هذا الشرط إلى وسيلة لتعطيل قدرة العامل على الاستمرار في حياته المهنية.

وتطبيقاً لذلك، فإن مجرد تضمين عقد العمل شرطاً عاماً يمنع العامل من العمل في أي جهة أخرى مشابهة بعد انتهاء عقد العمل لا يكفي لإلزام العامل به؛ كون أن هذا الشرط يعتبر باطلاً إذا لم يُحدّد بفترة زمنية معقولة، أو إذا جاوز نطاقه الجغرافي ما هو لازم لحماية نشاط صاحب العمل، أو إذا شمل كل نشاط مماثل ولو لم يتصل بالأسرار أو العملاء. فشرط عدم المنافسة لا بد أن يكون متناسباً مع حجم مصلحة صاحب العمل المراد حمايتها، وأن يتم صياغته بدقة وبما يضمن قابليته للتطبيق، وذلك من خلال تحديد نطاق زمني لا يتجاوز المدة المعقولة التي تستنفذ فيها المعلومات أو الأسرار قيمتها التجارية. كما يجب تحديد النطاق المكاني بما يتناسب مع النشاط الذي يمارسه صاحب العمل، فإذا كان نشاط المنشأة في نطاق جغرافي محدد فلا يجوز اشتراط عدم المنافسة على منطقة جغرافية واسعة، كون أن الشرط في هذه الحالة يصبح تعسفياً. كذلك ينبغي تحديد الأنشطة المحظورة بصورة دقيقة، فلا يصح أن يكون المنع عاماً لكل نشاط مشابه بل يجب أن ينحصر في الأنشطة التي تتداخل فعلياً مع نشاط صاحب العمل، وإذا كانت وظيفـة العامل بسيطة ولا تُتيح له الاطلاع على العملاء أو الأسرار فلا محل لشرط عدم منافسة من الأساس.

وقد أكدت الاجتهادات القضائية أن شرط عدم المنافسة لا يُفترض لذاته ولا يُعتد به إلا إذا ثَبُتَ أن العامل قد استغل ما حصل عليه خلال عمله من معلومات أو خبرة لمنافسة صاحب العمل. فلا يكفي أن يترك العامل عمله ثم ينتقل إلى منشأة أخرى تعمل في نفس المجال ليُعتبر منافساً، بل يجب على صاحب العمل إثبات وجود ضرر فعلي ناتج عن هذا الانتقال، إذ لا يجوز افتراض الضرر لمجرد التشابه في النشاط أو انتقال العامل لمنشأة منافسة.

وقد ورد في أحد قرارات محكمة التمييز الأردنية الموقرة ما يفيد بأن ثبوت عمل العامل لدى الغير في مجال مشابه لا يكفي بذاته لترتيب المسؤولية القانونية عليه ما لم يقم الدليل على وجود منافسة حقيقية، وثبوت وجود ضرر فعلي لَحِق بصاحب العمل، وأن مجرد الادعاء بالمنافسة لا يغني عن إثبات تحققها، حيث أن مسؤولية العامل في شرط عدم المنافسة هي مسؤولية عقدية ويجب قيام كافة عناصر المسؤولية العقدية للقول بمسؤولية العامل القانونية، وهي (الفعل: وهو فعل المنافسة، الضرر: وهو جود ضرر لحق بصاحب العمل نتيجة أفعال العامل، والعلاقة السببية: أي أن الضرر الذي لحق بصاحب العمل سببه فعل العامل).

وبذلك رسّخت محكمة التمييز الأردنية مبدأ بالغ الأهمية مفاده بأن شرط عدم المنافسة ليس أداة للتهديد أو الردع النفسي للعامل، بل هو التزام تعاقدي لا يُفعَّل إلا عند قيام العامل بمنافسة حقيقية يُثبت صاحب العمل أنها ألحقت ضرراً حقيقياً به، وإلا كان الشرط باطلاً وغير قابل للتطبيق. كما أكدت اجتهادات قضائية أخرى على أن نص المادة (818) من القانون المدني الأردني يجب أن يُفسَّر في أضيق حدوده باعتباره قيداً على حرية العمل، فلا يجوز التوسع فيه أو اعتباره قاعدة عامة، بل يجب أن يُحصر تطبيقه في الحالات الاستثنائية التي يتوافر فيها خطر حقيقي على مصلحة مشروعة لصاحب العمل، كأن يكون العامل ممن يطّلعون على أسرار المهنة أو على بيانات العملاء أو على خطط التسويق أو التسعير.

وبذلك يتضح أن شرط عدم المنافسة ليس غاية في ذاته، ولا يمكن النظر إليه بوصفه التزاماً مطلقاً يُفعّل بمجرد وروده في عقد العمل، بل هو قيد استثنائي يبقى معلقاً على توافر مصلحة مشروعة لصاحب العمل، وثبوت أن العامل قد استغل ما حصل عليه من أسرار ومعلومات وعلاقات خاصة بصاحب العمل للإضرار به ووقوع الضرر فعلاً.

المحامية
هيا هاني العطار

الضمان العشري

الإطار القانوني لمسؤولية المهندس والمقاول وفقاً لأحكام القانون المدني الأردني

يُعتبر ضمان المقاول والمهندس لسلامة المباني والمنشآت من أبرز صور المسؤولية الخاصة في القانون المدني الأردني، حيث يفرض على المهندسين والمقاولين مسؤولية عن سلامة المباني والمنشآت التي يقومون بإنشائها أو تصميمها. وقد نظمه المشرع الأردني في المواد (788-791) من القانون المدني الأردني. وتكمن الفكرة الجوهرية من هذا الضمان في حماية المصلحة العامة من خلال ضمان بقاء المباني صالحة للاستعمال وخالية من العيوب الجوهرية التي تهدد سلامتها أو تؤدي إلى انهيارها، باعتبار أن استقرار المباني من عناصر الأمن الاقتصادي والاجتماعي، حيث جاء في الفقرة الأولى من المادة (788)، أنه: “إذا كان عقد المقاولة قائماً على تقبُّل بناء، يضع المهندس تصميمه على أن ينفذه المقاول تحت إشرافه، كانا متضامنين في التعويض لصاحب العمل عمّا يحدث خلال عشر سنوات من تهدُّم كلي أو جزئي فيما شيداه من مبانٍ أو أقاماه من منشآت، وعن كل عيب يهدد متانة البناء وسلامته، إذا لم يتضمن العقد مدة أطول.” وبموجب الفقرة الثانية من ذات المادة، تبقى هذه المسؤولية قائمة حتى لو كان التهدّم أو الخلل ناشئاً عن عيب في الأرض ذاتها أو كان صاحب العمل قد قبل المنشأة المعيبة، وتبدأ مدة السنوات العشر من تاريخ تسلُّم العمل حسب الفقرة الثالثة. كما حددت المادة (789) من ذات القانون نطاق المسؤولية في حال لم يجتمع دوريّ التصميم والإشراف في شخص واحد؛ فإذا اقتصر دور المهندس على وضع التصميم دون الإشراف على التنفيذ، فإنه لا يضمن إلا عيوب التصميم، أما المقاول الذي يعمل تحت إشراف مهندس آخر أو تحت إشراف صاحب العمل، فلا يكون مسؤولًا إلا عن عيوب التنفيذ. وبذلك لا يُسأل المهندس المصمم غير المشرف عن عيوب التنفيذ، كما لا يُسأل المقاول المنفذ عن عيوب التصميم التي استند فيها إلى المخططات المقدمة إليه. كما أكدت المادة (790) منه أن أي شرط يُقصد به إعفاء المهندس أو المقاول من هذا الضمان أو الحدّ منه يقع باطلاً. ويستفاد من النصوص القانونية آنفة الذكر أن مسؤولية كل من المهندس والمقاول في عقد المقاولة تختلف حسب طبيعة الدور والعمل الذي يؤديه كل منهما، فإذا كان المهندس قد تعاقد مع رب العمل على وضع التصميم دون الاشراف على التنفيذ فإنه يكون مسؤولاً فقط عن عيوب التصميم لأن الخراج بالضمان والغرم بالغنم كما هو مبين فقهاً وشرعاً. وكذلك فيما يتعلق بالمقاول فإذا اقتصر دوره على تأدية وتنفيذ الأعمال التي تم تسليمها إليها من قبل المالك فإنه يكون مسؤولاً عن عيوب التنفيذ فقط. وأما فيما يتعلق بطبيعة المسؤولية التي نصت عليها المادة (788) والتي تتعلق بعقد المقاولة الذي يكون فيه المهندس قد قام بإعداد التصميمات والمخططات وقام المقاول بتنفيذها تحت إشراف ذلك المهندس، فالأصل في القواعد العامة أن الشخص لا يُسأل إلا عن خطئه الشخصي، ولا تُحمّل المسؤولية لأحد عن فعل غيره. غير أن المشرّع الأردني قد خرج عن هذا الإطار في نص المادة (788) حيث جعل كل من المهندس والمقاول متضامنين في التعويض لصاحب العمل عمّا يحدث خلال عشر سنوات من تهدُّم كلي أو جزئي فيما شيداه من مبانٍ أو أقاماه من منشآت، وعن كل عيب يهدد متانة البناء وسلامته، وهذا ما أكده قرار محكمة التمييز الموقرة بصفتها الحقوقية، رقم 8521/202، الصادر بتاريخ 20/9/2023.   

إلا أنه، وعلى الرغم من وضوح النصوص القانونية آنفة الذكر، فإن تطبيقها على الواقع العملي يغدو أكثر صعوبة مما يبدو عليه الأمر نظرياً، إذ تثور عدد من الإشكاليات عند تطبيق نص المادة (788) إذ يستفاد من نص المادة أعلاه أن المشرّع يتحدث عن عقد مقاولة لبناء يكون فيه دور المهندس يمتد ليشمل الإشراف على التنفيذ وليس مجرد وضع التصميمات والرسومات الهندسية وتحديد المواصفات. وعلى ذلك، فإن مدلول “المهندس” في هذا السياق القانوني يقصد به المهندس المصمم للعمل الذي أعدّ الخرائط والتصميم والذي قام بالإشراف على التنفيذ. ومن ذلك يتضح أن المشرّع يربط مفهوم “المهندس” في المسؤولية التضامنية المنصوص عليها في المادة (788) عندما يجتمع دوره كمهندس مصمم ومشرف على التنفيذ. إلا أن الأمر مختلف في العديد من الحالات، فمثلاً في عقود الـ (FIDIC) وهي نماذج معيارية عالمية للمشاريع الإنشائية، تتضمّن شروطاً عامة تنظم العلاقة في الأصل بين صاحب العمل والمقاول، وتحدد دور جهة إشراف محايدة تسمى (المهندس (“Engineer”) يتم تعيينه من جهة المالك لمراقبة الأعمال وإدارة العقد. ويعتبر من أهم أنواع عقود الفيديك الشائعة هما الكتاب الأصفر والكتاب الأحمر. في الكتاب الأحمر، يكون التصميم من صاحب العمل أو مستشاره بينما يقع التنفيذ على عاتق المقاول، ويقتصر دور المهندس على الإشراف وإصدار التعليمات دون إعداد التصاميم. أما في الكتاب الأصفر (التصميم والبناء)، فيتولى المقاول إعداد التصاميم والتنفيذ، وفي مثل هذا العقد يكون المهندس (“Engineer”)  أيضاً موجوداً كجهة إشراف مستقلة، لكن دوره إداري وفني في متابعة التقدم والتحقق من مطابقة التنفيذ لمتطلبات العقد دون أن يقدّم هو التصميم. وعليه، يلاحظ أنه في بعض نماذج الفيديك لا وجود لشخصية “المهندس” بالطريقة التي تبناها القانون المدني الأردني في المادة (788) الذي افترضت وجود مهندس مصمم مستقل عن المقاول لغايات قيام المسؤولية التضامنية، وإن هذه الاختلافات في هيكلة عقود الفيديك تفرز عقبة جوهرية في تحديد من يُسند إليه عبء المسؤولية عن العيوب التصميمية والإنشائية. وتبدو الإشكالية أكثر حدّة في الحالة التي يتولى فيها صاحب العمل إعداد التصاميم بنفسه أو تقديمها مباشرة إلى المقاول لتنفيذها، ففي هذه الصورة، يصبح من غير المنطق تطبيق نص المادة (788) لغياب شخصية المهندس على النحو الموصوف في هذه المادة، وهكذا ينشأ فراغ منطقي وحلقة مفرغة حول مدى إعمال نص المادة (788)، فإذا تمسّكنا بهذا النص بحرفيته، غدا صاحب العمل مسؤولًا عن العيوب التصميمية التي أعدها بنفسه، وهو ما يتنافى مع روح التشريع؛ أما إذا أُبقيت المسؤولية على المقاول وحده، رغم التزامه بتنفيذ مخططات مقدمة من صاحب العمل، فإننا نكون قد حمّلناه تبعة خطأ لم يرتكبه. ومن ثم، فإن هذا الوضع يهدد التوازن العقدي ويجعل النص القانوني في مواجهة عقود الفيديك غير منسجم مع الغاية الأساسية من المادة (788)، وهي حماية صاحب العمل وتعزيز الثقة في متانة البناء.

وعليه، يمكن القول أن المسؤولية التضامنية بين المهندس والمقاول لا تقوم إلا متى توافرت الحالة التي يجتمع فيها دور المهندس المصمم مع دور الإشراف على التنفيذ، بحيث يتولى المهندس إعداد التصاميم ويشرف في الوقت ذاته على تنفيذها من قبل المقاول. ففي هذه الحالة يكون كل من المهندس والمقاول مسؤولَان بالتضامن عن أي تهدم كلي أو جزئي أو أي عيب جسيم يصيب المبنى أو يهدد متانته وسلامته، باعتبار أن كليهما قد أسهم مباشرة في عناصر المشروع التي أفضت إلى الخلل.

وفي الختام، لا بد من التأكيد على أن تحديد الدور المنوط بكل طرف في عقد المقاولة بدقة ووضوح يُعد من أبرز المسائل الجوهرية التي ينبغي إيلاؤها عناية خاصة عند صياغة العقد خاصة في المشاريع الإنشائية الكبرى التي يتم تنفيذها وفقاً لعقود الفيديك في الأردن. فالاكتفاء بوصف أحد الأطراف بأنه “مهندس” والآخر بأنه “مقاول” لا يكفي لبيان نطاق الالتزامات والمسؤوليات. إذ يتعين تحديد ما إذا كان دور المهندس يقتصر على وضع التصاميم فقط، أو يمتد ليشمل الإشراف على تنفيذ المقاول، لما لذلك من أثر مباشر في تحديد نطاق مسؤوليته. وبهذا التحديد تتحقق الغاية من النصوص القانونية التي أرادت ربط الضمان بالفعل المادي المباشر الذي أسهم في ظهور العيب أو الخلل.

المحامية
رُلى زيادين

Back To Top