Skip to content

جرائم الذم والتحقير وجرائم اثارة الفتنة

أحدث التطور المتسارع في وسائل الاتصال الرقمية واقعًا قانونيًا جديدًا، تحوّلت فيه المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي من أدوات للتعبير المشروع عن الرأي وتبادل المعرفة إلى ساحات مفتوحة لانتهاك السمعة والاعتداء على الكرامة الإنسانية، وقد شهد المجتمع الأردني على غرار سائر المجتمعات الحديثة  تزايدًا ملحوظًا في جرائم الذم والتحقير المرتكبة عبر مواقع التواصل الإجتماعي، حيث باتت كلمات مكتوبة أو تعليقات عابرة قادرة على إحداث أضرار جسيمة لا تقل خطورة عن الاعتداءات المادية، ولعل خطورة هذه الجرائم لا تكمن في وقوعها فحسب بل في سرعة انتشارها واتساع نطاق تأثيرها إذ تنتقل عبارات الذم والتحقير خلال ثوانٍ إلى عدد غير محدود من المتلقين، وتبقى آثارها الرقمية عالقة في الذاكرة الإلكترونية، بما يلحق بالمجني عليه أضرارًا نفسية واجتماعية ومهنية قد يصعب تداركها، وقد امتدت هذه الجرائم لتطال الأفراد في حياتهم الخاصة، والشركات والمؤسسات في سمعتها ومكانتها الإقتصادية، والموظفين العموميين في هيبتهم الوظيفية، مما أفضى إلى زعزعة الثقة المجتمعية وإضعاف قيم الاحترام المتبادل.

وإزاء هذه التحديات، تدخل المشرّع الأردني من خلال إصدار قانون الجرائم الإلكترونية  الجديد رقم (17) لسنة 2023، واضعًا إطارًا قانونيًا خاصًا يجرّم الذم والقدح والتحقير المرتكب عبر الوسائل الإلكترونية، ويُخضع مرتكبيه لعقوبات رادعة، تحقيقًا للتوازن الدقيق بين صون حرية الرأي والتعبير من جهة، وحماية السمعة والاعتبار الشخصي من جهة أخرى، ويأتي هذا التدخل التشريعي تأكيدًا لالتزام الدولة بحماية الحقوق الشخصية في العصر الرقمي، وترسيخًا لمبدأ المسؤولية القانونية عن الكلمة المنشورة مهما كان وسيطها.

وعليه يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على جرائم الذم والقدح والتحقير المرتكبة بالوسائل وجرائم إثارة الفتنة أو النعرات التي تستهدف السلم المجتمعي أو الحض على الكراهية، من خلال تحليل أركانها القانونية، وبيان العقوبات المقررة لها، وبيان آثارها القانونية والاجتماعية، بما يحقق فهمًا معمقًا لهذا النوع من الجرائم في ضوء أحكام قانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم (17) لسنة 2023:

أولاً: الإطار المفاهيمي لجرائم الذم والقدح والتحقير المرتكبة بالوسائل الالكترونية في نصوص القانون الأردني:

 الذم: يُعرّف الذم وفقاً للمادة (188) من قانون العقوبات الأردني بأنه: “إسناد مادة معينة إلى شخص ولو في معرض الشك والاستفهام، من شأنها أن تنال من شرفه وكرامته أو تعرضه إلى بغض الناس واحتقارهم، سواء أكانت تلك المادة جريمة تستلزم العقاب أم لا.

  • القدح: يُعرّف القدح وفقاً لذات المادة (188) بأنه: “الاعتداء على كرامة الغير أو شرفه أو اعتباره، ولو في معرض الشك والاستفهام، من دون بيان مادة معينة”.
  • التحقير: هو كل تحقير أو سباب غير الذم والقدح يوجه إلى المعتدى عليه وجهاً لوجه بالكلام أو الحركات أو بكتابة أو رسم أو هاتفية أو بمعاملة غليظة.
  • التشهير: التشهير ليس جريمة مستقلة في القانون الأردني بل هو مصطلح يُستخدم لوصف فعل الذم أو القدح أو التحقير عندما يتمّ ارتكابه علناً بهدف نشر معلومات أو صور أو رسومات تتعلق بشخص ما والإساءة إلى سمعته، وبتطور التشريعات اكتسب التشهير وصفاً قانونياً أكثر تحديداً في قانون الجرائم الإلكترونية الجديد، حيث أصبحت بعض الأفعال مثل تركيب أو تعديل الصور بقصد التشهير جريمة منفصلة بحد ذاتها.
ثانياً: أركان جريمة الذم والقدح والتحقير عبر المواقع الإلكترونية:

تقوم جرائم الذم والقدح والتحقير على ثلاث أركان أساسية وهي الركن القانوني والركن المادي والركن المعنوي:

  • الركن القانوني: يتحقق بوجود نص يجرّم الفعل وقد نصت مواد قانون الجرائم الإلكترونية الأردني المعدل على معاقبة ما يلي:
  1. نصت المادة (15/أ) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 وتعديلاته على ما يلي:

“يعاقب كل من قام قصدا بإرسال أو اعادة إرسال أو نشر بيانات أو معلومات عن طريق الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو الموقع الإلكتروني أو منصات التواصل الاجتماعي تنطوي على أخبار كاذبة تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي أو ذم او قدح او تحقير أي شخص بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (20000) عشرين ألف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.”

  1. نصت المادة (17) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 وتعديلاته على ما يلي:

” يعاقب كل من قام قصدا باستخدام الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو موقع الكتروني أو منصة تواصل اجتماعي لنشر ما من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات أو تستهدف السلم المجتمعي أو الحض على الكراهية او الدعوة إلى العنف أو تبريره أو ازدراء الأديان بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات أو بغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (20000) عشرين ألف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.”

 

  • الركن المادي: يقوم على فعل النشر أو الإرسال أو إعادة النشر باستخدام وسيلة إلكترونية، متضمنًا عبارات تمس الشرف أو الكرامة، وتتحقق العلانية بمجرد إتاحته للجمهور.
  • الركن المعنوي: ويتحقق القصد الجرمي العام بتوافر عنصري العلم والإرادة، إذ يجب أن يكون الجاني عالمًا بطبيعة المحتوى الذي يقوم بنشره أو إعادة نشره، ومدركًا لما ينطوي عليه من عبارات أو إشارات من شأنها المساس بشرف المجني عليه أو كرامته أو اعتباره، وأن تتجه إرادته الحرة إلى ارتكاب هذا الفعل باستخدام وسيلة إلكترونية، مع علمه بتحقق العلانية واتساع نطاق النشر، ولا يُشترط لتحقق القصد الجرمي أن يكون الجاني قد قصد إلحاق ضرر فعلي بالمجني عليه، بل يكفي علمه بأن فعله بطبيعته قادر على إحداث هذا الضرر، وهو ما ينسجم مع الطبيعة الخطرة للنشر الإلكتروني الذي تتضاعف آثاره بفعل سرعة الانتشار وإمكانية إعادة التداول، وقد يتخذ الركن المعنوي في بعض الحالات صورة القصد الجرمي الخاص وذلك عندما يكون الدافع من ارتكاب الذم أو التحقير الإلكتروني إثارة الفتنة و/أو التحريض على الكراهية و/أو تأجيج النعرات الاجتماعية أو الدينية و/أو زعزعة السلم المجتمعي، ففي هذه الحالة لا يقتصر سلوك الجاني على مجرد الإساءة الفردية، بل يتجاوزها إلى تهديد النظام العام والمصلحة العامة، وهو ما يُضفي على الجريمة خطورة مضاعفة تبرر تشديد العقوبة.
ثالثاً: العقوبات المقررة لمرتكبي جرائم الذم والقدح والتحقير ونشر قصداً منشورات بهدف إثارة الفتنة في المجتمع:

فرض المشرّع نصوصًا خاصة تُجرّم الذم والقدح والتحقير، وكذلك نشر المنشورات بقصد إثارة الفتنة أو التحريض، مقررًا عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية رادعة تتناسب مع جسامة الأثر المترتب على هذه الأفعال، ويعكس هذا التوجه حرص المشرّع على تحميل مستخدمي الوسائل الإلكترونية مسؤولية قانونية كاملة عن محتوى ما ينشرونه، تأكيدًا على أن حرية التعبير لا تمتد إلى الإساءة أو التحريض أو المساس بأمن المجتمع، وفي هذا الإطار، نص قانون الجرائم الإلكترونية صراحة على العقوبات المقررة لمرتكبي هذه الجرائم، وذلك وفق ما ورد في المواد ذات الصلة، وعلى وجه الخصوص المادتين (15/أ) و(17) اللتين تشكلان الأساس القانوني لتجريم هذه الأفعال وفرض الجزاءات المقررة عليه كما يلي:

  • نصت المادة (15/أ) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 وتعديلاته على ما يلي:

“يعاقب كل من قام قصداً بإرسال أو اعادة إرسال أو نشر بيانات أو معلومات عن طريق الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو الموقع الإلكتروني أو منصات التواصل الاجتماعي تنطوي على أخبار كاذبة تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي أو ذم او قدح او تحقير أي شخص بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (20000) عشرين ألف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.”

  • نصت المادة (17) من قانون الجرائم الالكترونية رقم (17) لسنة 2023 على ما يلي:

“يعاقب كل من قام قصدا باستخدام الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو موقع الكتروني أو منصة تواصل اجتماعي لنشر ما من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات أو تستهدف السلم المجتمعي أو الحض على الكراهية او الدعوة إلى العنف أو تبريره أو ازدراء الأديان بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات أو بغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (20000) عشرين ألف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.”

الخلاصة:

يُظهر التحليل القانوني لجرائم الذم والقدح والتحقير والتشهير في القانون الأردني وجود إطار تشريعي متكامل، يجمع بين القواعد التقليدية في قانون العقوبات والنصوص الحديثة في قانون الجرائم الإلكترونية، وقد برز بوضوح التوجه التشريعي نحو تشديد العقوبات في الفضاء الرقمي، مما يعكس جدّية المشرّع في التعامل مع هذه الجرائم التي باتت أكثر انتشاراً وتأثيراً، وتأتي العقوبات المنصوص عليها في القانون – سواء الحبس أو الغرامات – لتؤكد ردع القانون، وتجسد المبدأ القائل بأن حرية التعبير لا تمتد إلى الإساءة أو التحريض، وأن كل من يسيء استخدام الوسائل الإلكترونية يتحمل مسؤولية كاملة عن أفعاله، كما أن القانون يربط بين حماية الفرد وحماية المجتمع، بما يحقق توازنًا قانونيًا دقيقًا بين الحق الشخصي في الكرامة والسمعة وبين المصلحة العامة في الحفاظ على النظام العام.

المحامي سعد المحارمة

قانونُ حمايةِ اللغةِ العربيةِ في الأردن- بينَ النَصِ والتَطبيق

قانونُ حمايةِ اللغةِ العربيةِ في الأردن- بينَ النَصِ والتَطبيق
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) {يوسف 2}

تُعَدُّ اللغةُ العربيةُ جَوهرُ الهويةِ الوطنيةِ، ورمزاً للثقافةِ والتاريخِ والحضارةِ في الأردن والعالمِ العربي، فهيَ ليست مُجرَدَ وَسيلةٍ للتواصلِ فَحسب، بل لغةً عظيمةً تجاوزت حدودَ الزمانِ والمكانِ، حَمَلت على أجنحتها معارفَ الإنسانيةِ وعلومِها، وكانت مفتاحاً للنهضَةِ الفِكرِيَةِ والعِلمِيَةِ عبرَ العُصورِ.

حَيثُ تفرّدت اللغةُ العَرَبِيةُ بِجَمالِ بَيانِها وإعجازها البلاغي، لِتُصبحَ لُغَةَ القرآنِ الكريمِ التي لا تُضاهيها لُغَةٌ في قُدرَتِها على التَعبيرِ عَن أعمَقِ الأفكارِ وأدقِ الأحاسيسِ، فَهي الجسرُ الذي يَربِطُ حاضِرنا بِماضينا العَريق. فعَلى مَرِ العُصورِ، كانَت هَذهِ اللُغَةُ العَظيمةُ منارةً للعلمِ والحَضارةِ، وعُنواناً للجمالِ والإبداعِ، وحاضنةً لأعظمِ النُصوصِ وأخلد المَعاني، كيف لا وهي لُغَة القرآنِ الكَريمِ، لُغَةُ السماءِ التي حَمَلَت أعظَم رسالةٍ للبشريةِ.

حيث وصفَ الأستاذ العقاد ذاتَ يومٍ هذه اللغة بأنها “الهويةُ الواقيةُ التي تَحمي أصحابِها وهيَ الحِصنُ الذي يذودُ عَن هَذِهِ الأُمَةِ ويَضمَنُ دَوَامَها واستِقرارِاها، لأنَ اللُغةَ العربيةَ تَرتَبِط بالهَويَةِ وأيضاً باستنفارِ السيادةِ والتَمَيُزِ عَن الآخرين، وكَما لا يُمكنُ فَصلُ الروحِ عَن الجَسَدِ، كذلك لا يُمكِنُ الفَصلُ بَينَ اللُغَةِ العَرَبِيَةِ والأمَةِ العَرَبِيَةِ، لأنها لُغَةٌ تَستَمِدُ منها الأمَةُ سِيادِتها وعُمقِها الحَضارِي، إذ أنَ سِيادةَ اللُغَةِ في سِيادَةِ أُمَتِها.”

إلا أنَ واقِعَ اللُغَةِ العَرَبيَةِ اليوم في حالةِ ضُعفٍ وهوان، حَيثُ أن التعامُلَ اللُغَوي باللُغَةِ العَرَبِيةِ على المُستوى الداخِلي والخارجِي للدولِ العربيةِ قَد حادَ عَن الطَريقِ الصَحيحِ في اتباعِهِ وتَماشيهِ مع مُتطلباتِ الحياةِ وتَطَوُرِها السَريعِ، ويَتضِحُ ذلَكَ بِشَكلٍ كبيرٍ في التعامُلِ السياسي والدُبلوماسي وفي المحافلِ الدُوليةِ الذي يُوضِحُ لنا مَدى استضعافِ وانتقاصِ استخدامِ واعتمادِ اللُغَةِ العَرَبِيةِ في المحافِلِ الدُولِيَةِ والمؤسساتِ الرسميةِ والمؤسساتِ التَحكيميةِ والمحاكمِ الدُوليةِ على الرُغمِ مِن أن عَدَدُ الدُولِ الناطِقَةِ باللغَةِ العَرَبيَةِ يَبلُغُ (122) مئةٌ واثنانِ وعُشرونَ دَولَةٍ مِن أصلِ (195) مِئَةٍ وخَمسَةٌ وتُسعونَ دَولَةٍ حولَ العالمِ، وكذلك انتقاصُ الساسةِ والموظفونَ الرَسميونَ والممثلونَ عن الدولِ العربيةِ من استخدامِ لُغتهم العرَبيةِ الأم وتَوجُههم نَحوَ استخدامِ اللغاتِ الأجنبيةِ كلغة للتعاملِ والتواصلِ، بينما على الصعيد الآخر يَلتَزِمُ الآخرونَ ويَحرِصونَ على العَمَلِ بِلُغَتِهم في أيِ مكانٍ وتَحتَ أيِ ظرفٍ كان. فَرُغمَ إقرارِ اللُغَةِ العَربية كَلُغةٍ رَسميةٍ ضِمنَ لُغاتِ الأُمَمِ المتحدة مُنذُ عامِ 1973، مما يُؤَكِدُ مَكانَتِها في النظامِ الدولي، إلا أنَ استخدامَها في المحافلِ الدُوليَةِ لا يزالُ يتطلبُ المزيدَ مِنَ الجهودِ لتعزيزِ حضورِها وتأثيرها، لِكونِها لا تُستخدم على النحو الأمثلِ في العديدِ من المحافلِ الدوليةِ، وغالباً ما يتم الإعتماد على لغاتٍ أخرى مثل الإنجليزية أو الفرنسية حتى من قِبَلِ مُمَثلي الدولِ العربيةِ أنفُسِهِم، مما من شأنهِ أن يُضعفَ مكانةَ اللغةِ العربيةِ ويُقللُ مِن فُرَصِ تعزيزها كَلُغةٍ دبلوماسيةٍ قادرة على إيصالِ رسائلِ الدولِ العربيةِ بوضوحٍ وقوة.

وإدراكاً لأهميةِ صونِ هذا الإرثِ العَظيم، وفي ظلّ التحدياتِ التي نُواجهها اليوم، مِن عولمةٍ زاحفةٍ وغزوٍ ثَقافي يُهَدّد مَلامِحَ هُويتنا، جاءَ قانونُ حِمايةِ اللغةِ العربيةِ الأردني لسنة 2015 كَنبضٍ جَديدٍ يعيد لِلغة العربيةِ مَكانتها، حَيث يَفرضُ هذا القانون التزاماً مؤسساتياً وشعبياً باستخدامِ اللغةِ العربيةِ في التعليمِ والإعلامِ والمعاملاتِ الرسميةِ. إن هذا القانون ليسَ مُجَرَدَ نصٍ مكتوبِ، بَل رِسالةَ حُبٍ لِلُغتنا الأم، وخطوةً واثِقةً للحفاظِ على جُذورنا الممتدةِِ في أعماقِ التاريخ، حَيثُ يُعتًبَرُ هذا القانون أداةً أساسيةً لحمايةِ اللغةِ العربيةِ مِنَ الإندثارِ أو التَهميشِ.

يُحسَب لقانونِ حمايةِ اللغة العربية في الأردن، أنهُ أولُ تشريٍع من نوعه في العالم العربي، إلّا أن رحلة هذا القانون لا تزالُ طويلةً لإرساءِ دعائمِهِ في الحياةِ العامة، رُغمَ أنَهُ قطَع شوطًا لا بأسَ بهِ في تنفيذِ مقاصِدِهِ وغاياتهِ وتحقيق الإجماع والتأييدِ حولهِ، فالقانون الذي رأى النور بعدَ أن أقرّهُ مجلسُ النوابِ الأردني قبل أزيَد من سبع سنوات، أفرز نظامًا “إلزاميًا” يُلزَمُ بموجَبِهِ مؤسساتُ الدولةِ بالعمَلِ على سيادةِ اللُغَةِ العَرَبيةِ وتَعزيزِ دَورِها في المجالاتِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ ومؤسساتِ المجتمعِ المدني وكذلكَ في الأنشِطَةِ العلميةِ والثقافيةِ، ويشمَلُ ذلكَ تسميات هذهِ الجهات ووثائقها ومُعاملاتِها وسِجلاتها والوثائقِ والعقودِ والاتفاقياتِ التي تَكونُ طرفًا فيها، وكذلكَ الكتب الصادرة عنها، وأيّةِ إعلاناتٍ مرئيةٍ أو مسموعةٍ أو مقروءةٍ موجهةٌ للجمهورِ، وأيّ منشوراتٍ دعائيةٍ وغير دعائية، وأيّ حملاتٍ إعلامية، كما يُوجِبُ القانون أن يكونَ باللُغةِ العربيةِ، أيُّ إعلان يُبَثّ أو يُنشَر أو يُثبَّت في أي مكانٍ عام، مع جوازِ أن تُضاف ترجمةٍ لهُ بِلغة أجنبيةٍ عِندَ الضرورةِ، على أن تكون اللغة العربية أكبر حجمًا وأبرز مكانًا، وحتى الأفلام والمصنفات الناطقةِ بغيرِ العربيةِ المرخَص عَرضُها صوتًا أو كتابةً كان لها نصيبٌ في هذا القانون الذي يَشترطُ أن تُترجَم إلى اللغة العربية، وهو ما يَشمل أيضًا لافتات أسماءِ المؤسساتِ، وأوراقِ النقدِ والمسكوكات والطوابع والميداليات، والشهادات والمصدَّقات العلمية، مع جوازِ أن تضاف إلى الكتابة العربيةِ ما يُقابلها بلغةٍ أجنبية، على أن تكون اللغة العربية أكبرُ حجمًا وأبرز مكانًا، كما وينُص القانون على أن اللغة العربية لغةُ البحث العلمي، وتُنشر البحوثُ بها، مع جوازِ النشرِ بلغاتٍ أجنبية، شرطَ أن يقدم الباحث ترجمةً للبحثِ باللغةِ العربيةِ.

إلا أن هذا القانون لا زال يواجهُ تحدياتٍ وسلبياتٍ تَحُد من فاعليتهِ وتطبيقهِ على نطاقٍ واسع، فعلى الرُغم من مرورِ سنواتٍ على إقرارِ هذا القانون، إلا أنه لا يَزال يُعاني من نقصِ القوةِ الإلزاميةِ في تطبيقهِ ومِن محدوديةِ تأثيرهِ على المستوى الدولي، كما يَقتصِرُ نِطاق تطبيق هذا القانون على المؤسساتِ المحليةِ ولا يتوسع ليشمل المحافل الدولية، حيث تظل اللغة العربية غائبة عن كثير من المنصات العالمية كمؤسساتِ التحكيمِ والمحاكم الدوليةِ، مما يَحُد من مكانتها كلغةٍ عالميةٍ حتى يومنا هذا، حَيثُ يُعتَبر من المُهم أن تتجاوزَ حدودَ هذا القانون النطاق المحلي ليصبح نموذجًا لحمايةِ اللغةِ العربيةِ عالميًا، خاصةً في ظل التحدياتِ التي تُواجهها اللغة العربية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنَ السعيَ نَحو إدراجِ اللغةِ العربيةِ كلغةٍ إلزاميةٍ في المنظماتِ الدوليةِ ومؤسساتِ التحكيمِ الدُولية يُعدُ ضرورةً استراتيجيةً للحفاظ ِعلى اللغةِ العربيةِ وتعزيزِ مكانَتها دُولياً وعالمياً، خاصةَ وأن اللغة العربية كلغةٍ أم لأكثر من (400) أربعمائةِ مليونِ نسمة، يجعلها لغةٌ تَمتلكُ قدرةً تنافسيةً تؤهلها لتكونَ لاعبًا أساسيًا في الساحةِ الدوليةِ إذا ما وُظفت بالشكلِ الصحيح.

وفي ظلِّ الدورِ المتزايدِ للتحكيمِ وغيرِهِ من الوسائلِ البديلةِ لحلِّ النزاعاتِ كمحرِّكٍ رئيسيٍّ في تسويةِ النزاعاتِ بينَ الدولِ والأفراد، فإنَّ ضرورةَ إبرازِ الهويةِ الثقافيةِ العربيةِ وتعزيزِ مكانةِ اللغةِ العربيةِ على الساحةِ الدوليةِ أمرٌ حتمي، وعليه ولما أصبحَ تعزيزُ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في المؤتمراتِ الدوليةِ والمؤسساتِ التحكيميةِ مطلباً مُلحاً، نظراً لأنَّ اللغةَ القانونيةَ المستخدمةَ لا تقتصرُ على كونها وسيلةً للتفاهمِ، بل هي وعاءُ الهويةِ ومفتاحٌ للتعبيرِ عن القضاياِ العربيةِ بوضوحٍ ودقةٍ، مما يضمنُ حضوراً فاعلاً وقوياً للعربِ في مختلفِ المحافلِ وتمكينهم من عرضِ قضاياهم والتعبيرِ عن مصالحهم بوضوحٍ ودقةٍ، فإنَّه ومن هذا المنطلقِ يتطلبُ تعزيزُ الحضورِ العربيِّ دولياً إعدادَ كوادرَ مؤهلةٍ قادرةً على تمثيلِ اللغةِ العربيةِ باحترافيةٍ عالية، من خلالِ تأهيلِ مترجمين متخصصين في الترجمةِ القانونيةِ والفنية، فضلاً عن ضرورةِ وجودِ محكِّمين دوليين يمتلكونَ الدرايةَ الكاملةَ بالقواعدِ الإجرائيةِ والقانونيةِ، بما يمكنهم من تعزيزِ دورِ اللغةِ العربيةِ في المؤسساتِ الدوليةِ والعالمية.

وللتغلبِ على التحدياتِ التي تحولُ دونَ أن يكونَ للوجودِ العربيِّ واللغةِ العربيةِ فاعليةٌ في الأوساطِ المحليةِ والدوليةِ، يجبُ اتخاذُ خطواتٍ عمليةٍ لتعزيزِ مكانةِ اللغةِ العربيةِ في التحكيم، ومن أبرزِ هذه الخطواتِ فرضُ شرطِ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في العقودِ التي تشملُ أطرافاً عربيةً، بحيثُ تُصبحُ اللغةَ الرسميةَ للإجراءاتِ القانونيةِ، إذ لا تزالُ غالبيةُ القضايا التي تشملُ أطرافاً عربيةً تُدارُ بلغاتٍ أجنبيةٍ دونَ مبررٍ مقبولٍ، مما يُفضي إلى حرمانِ أحدِ أطرافِ النزاعِ من حقهِ في أن تكونَ لغتُهُ حاضرةً أثناءَ إدارةِ هذا النزاع، هذا الواقعُ يُضعفُ الحضورَ العربيَّ ويقللُ من تأثيرهِ وفاعليتهِ، لذلك، فإن إنشاءَ مراكزِ تحكيمٍ عربيةٍ تُقدّمُ خدماتِها باللغةِ العربيةِ بشكلٍ كاملٍ يُعدُّ خطوةً محوريةً تضمنُ استقلاليةَ هذه المراكزِ وكفاءتَها.

علاوةً على ذلك، يتعينُ العملُ على تعريبِ القواعدِ التحكيميةِ الدوليةِ، مثلَ قواعدِ اليونسيترال وقواعدِ مراكزِ التحكيمِ العالميةِ، لضمانِ وجودِ نسخٍ عربيةٍ معتمدةٍ تُسهمُ في تسهيلِ استخدامها في القضايا التي تخصُّ الأطرافَ العربية، مما يعززُ من استخدامِ اللغةِ العربيةِ كأداةٍ سياديةٍ وثقافيةٍ في المحافلِ الدولية.

وبينما نعمل على تعزيز اللغة العربية محلياً، يجب أن تمتدَّ الجهودُ إلى المحافلِ الدوليةِ لتأكيدِ حضورِ اللغةِ العربيةِ كمكوّنٍ أصيلٍ من مكونات الهويةِ الثقافيةِ العربية، وهذا يتطلبُ استراتيجيةً شاملةً تتضمنُ تحديثَ القوانينِ الوطنيةِ لتكونَ أكثرَ إلزاميةً في دعمِ اللغةِ العربية، وتوجيهَ السياساتِ الثقافيةِ والتعليميةِ نحو تعزيزِ مكانةِ اللغةِ العربيةِ في الداخلِ والخارج.

فمن خلال هذه الجهود، يمكنُ للغةِ العربيةِ أن تستعيدَ دورها ومكانتها كوسيلةٍ فعّالةٍ للحوارِ والتعبير، سواء في الأوساطِ المحليةِ أو على المستوى الدولي، بما يليقُ بإرثها الحضاري وقيمتها الثقافية، ويعززُ من دورِها في الحفاظِ على الهويةِ العربيةِ وتفاعلِها الفاعلِ في الساحةِ العالمية.

وكذلك فإن اشتراطَ استخدامِ اللغةِ العربيةِ عند توقيعِ الاتفاقياتِ والمعاهداتِ يُعدّ خطوةً محوريةً لتعزيزِ مكانتِها كَلُغةٍ رسميةٍ وحاميةٍ للهويةِ الثقافيةِ والقانونيةِ للعالمِ العربي، وكضمانةٍ لتمثيلِ مصالحِ الدولِ العربيةِ بدقةٍ ووضوح، خاصةً في ظلِّ الأهميةِ المتزايدةِ للاتفاقياتِ الثنائيةِ والدوليةِ التي تحددُ حقوقَ الدولِ والتزاماتِها، حيثُ تُعدُّ اللغةُ المستخدمةُ في صياغةِ الاتفاقياتِ والمعاهداتِ ذاتَ تأثيرٍ كبيرٍ على فَهمِ النصوصِ القانونيةِ وتفسيرِها، وعندما تُكتبُ هذه النصوصُ بلغاتٍ أجنبيةٍ، تُتركُ مساحةٌ للتفسيراتِ التي قد لا تعكسُ بدقةٍ نوايا الأطرافِ العربيةِ أو مصالحَها، لذلك، فإنَّ اعتمادَ اللغةِ العربيةِ كَلُغةٍ رسميةٍ في صياغةِ الاتفاقياتِ يُقلّلُ من احتمالاتِ اللبسِ أو سوءِ الفهم، ويُعزّزُ السيادةَ اللغويةَ للدولِ العربية، والعملُ على تعميمِ ذلك على نطاقٍ أوسع، كما يَجبُ على الحكوماتِ العربيةِ تضمينُ شرطِ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في الاتفاقياتِ كجزءٍ من سياساتها السياديةِ، مع اعتمادِ نصوصٍ قانونيةٍ دقيقةٍ ومصطلحاتٍ متخصصةٍ لضمانِ توافقِ النصوصِ مع المعاييرِ الدولية.

وفي ظلِّ ما تشهدهُ المنطقةُ العربيةُ اليومَ من تحدياتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ وقانونيةٍ، فإنَّ اشتراطَ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في الاتفاقياتِ والمعاهداتِ يُمثلُ رسالةً واضحةً للعالمِ عن أهميةِ حمايةِ اللغةِ كجزءٍ من الهويةِ الوطنيةِ والقومية، فاللغةُ العربيةُ ليستْ مجردَ رمزٍ ثقافيٍّ، بل هي أداةٌ سياديةٌ تُعبّرُ عن وحدةِ الموقفِ العربي، وتُعزّزُ من القدرةِ على الدفاعِ عن المصالحِ المشتركةِ على الساحةِ الدولية.

وأما من الناحية الأخرى، فإنَّ ضرورةَ استخدامِ اللغةِ العربيةِ يجبُ أن يمتدَّ ليشملَ مجموعةً واسعةً من المحافلِ والمؤسساتِ العالميةِ التي تؤثرُ بشكلٍ كبيرٍ في السياسةِ والاقتصادِ والثقافةِ والعلم، حيث تلعبُ اللغةُ العربيةُ دوراً مهماً في العلاقاتِ الدبلوماسيةِ على المستوى الدولي، وفي المؤتمراتِ العالميةِ واللقاءاتِ السياسيةِ بينَ الدول، وفي اجتماعاتِ الأمم المتحدة، ويُعدُّ من الضروريِّ ضمانُ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في هذه المحافلِ وعلى نطاقٍ واسعٍ لغاياتِ ضمانِ أن تُسمعَ وجهاتُ النظرِ العربيةِ بوضوحٍ ودقةٍ، ولضمانِ عدمِ تقييدِ فعاليةِ ظهورِ القضايا العربيةِ بشكلٍ واضحٍ في المحافلِ الدوليةِ.

وأما في عالمِ الإعلامِ المحليِّ والدوليِّ، ونظراً لما يتمتعُ به الإعلامُ من أهميةٍ وسلطةٍ واسعةٍ في نقلِ الأحداثِ والقضايا، ولكونهِ وسيلةً مهمةً لنقلِ الأخبارِ والمواقفِ والأحداثِ السياسيةِ والثقافيةِ إلى جمهورٍ عالمي، فلا شكَّ أنَّ هناكَ حاجةً ملحَّةً لتعزيزِ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في الإعلامِ الدوليِّ بشكلٍ أكبر، سواء في تقاريرِ المنظماتِ العالميةِ أو في التغطياتِ الصحفيةِ التي تُعنى بالقضايا العالميةِ، لضمانِ نقلِها بصورةٍ واضحةٍ وكاملةٍ وحياديةٍ دونَ تزييفٍ للحقائق.

وفي الختامِ، نؤكدُ على أنَّ اللغةَ هي شأنٌ قوميٌ وسياديٌ لا يجوزُ المساسُ به بأيِّ شكلٍ من الأشكال، فهي جزءٌ من الأمنِ الوطنيِّ والقوميِّ للشعوبِ التي ترتبطُ ببعضها من خلال اللغةِ والتاريخِ والحضارةِ. فالحفاظُ على اللغةِ والاعتناءُ بها يُعدُّ واجبًا قوميًّا، لأنه يُعبِّرُ عن سيادةِ الشعوب وحفاظِها على تمايزها وتفرد هويتِها. ومن هذا المنطلق، يجبُ على أبناءِ اللغةِ العربيةِ النهوضُ بها ورفعُها من بوتقةِ الكسادِ والاستسلام، وإعادةُ الروحِ فيها لتعودَ حيةً نابضةً، مع توحيدِ الجهودِ الإقليميةِ العربيةِ للحفاظِ عليها وحمايتها من التحدياتِ المتزايدةِ في عالمِ العولمة، فاللغةُ والدينُ هما الحصنانِ المنيعانِ اللذان تتمترسُ خلفهما كلُّ أمةٍ للدفاعِ عن نفسها، لصدِّ أيِّ هجومٍ يستهدفُ محوَ هويتِها الذاتيةِ والقوميةِ والثقافيةِ، والنيلِ من سيادتِها. ولذا، فإنَّ التعاونَ المستمرَّ بينَ الدول العربيةِ يمكنُ أن يُسهمَ في استعادةِ مكانةِ اللغةِ العربيةِ على الساحةِ الدوليةِ، بما يليقُ بإرثِها الحضاريِّ ومكانتِها الثقافية.

المحامية رُلى زيادين

تنظيم نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية

شهدت المملكة الأردنية الهاشمية في السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في استخدام التطبيقات الذكية لتقديم خدمات نقل الركاب، الأمر الذي أوجد واقعاً تشغيلياً جديداً يتطلب إطاراً قانونياً يوازن بين تشجيع الاستثمار وضمان السلامة العامة وتنظيم المنافسة.

وفي هذا السياق، جاء إصدار نظام تنظيم نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية رقم (74) لسنة 2025 استناداً إلى أحكام قانون تنظيم نقل الركاب رقم (19) لسنة 2017، بهدف تحديث النظام الصادر عام 2018 وسدّ الثغرات والاشكالات التي برزت أثناء التطبيق العملي له.

حيث يمثل النظام الجديد خطوة متقدمة في تطوير التشريعات ذات الطابع الرقمي في الأردن، إذ يعكس التوجه الرسمي نحو تنظيم الاقتصاد التشاركي بما يضمن حقوق جميع الأطراف: الراكب، السائق، والشركة المشغلة.
حيث سيتناول هذا المقال بيان أهم التعديلات الواردة في النظام الجديد وذلك وفقاً للآتي:

أولاً: توحيد مقدار الكفالة البنكية المطلوبة من المرخص له:

من أبرز التعديلات التي جاء بها نظام تنظيم نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية رقم (74) لسنة 2025 وفقاً لما ورد في نص المادة (4/أ/2) منه، هي توحيد مقدار الكفالة البنكية المطلوبة من الشركة المرخصة لتصبح (100,000) مائة ألف دينار لكل شركة من الشركات المرخصة، وذلك بغض النظر عن عدد المركبات المرخصة لها بالعمل على التطبيق المملوك للشركة المرخصة، مع مراعاة الاستثناء الوارد في الفقرة (ج) من المادة (4) من النظام، والذي أعفى مكاتب التكسي التي ترغب في الحصول على ترخيص نقل الركاب باستخدام التطبيقات الذكية من شرط رأس المال والكفالة البنكية المنصوص عليها في النظام.

 وتعد الكفالة البنكية أداة قانونية لضمان الجدية والالتزام المالي، وتشكّل ضمانة للمستهلك وللهيئة الناظمة ضد أي إخلال تعاقدي أو تشغيلي.

ثانياً: إلزام الشركات بالربط الإلكتروني ومشاركة البيانات:

ألزم النظام الجديد الشركات المرخصة بربط أنظمتها التقنية إلكترونياً مع هيئة تنظيم النقل البري لتزويدها ببيانات التشغيل والحركة بشكل مباشر، وفقاً لقواعد حماية البيانات المنصوص عليها في قانون حماية البيانات الشخصية لسنة 2023، حيث ألزمت المادة السادسة من النظام الجديد المرخص له بتوقيع عقد مشاركة البيانات والربط الإلكتروني مع الهيئة لتنظيم آليات الربط الإلكتروني ومشاركة البيانات المتعلقة بتقديم الخدمة، بما يضمن الامتثال للمتطلبات التنظيمية، وحماية البيانات وتحقيق المصلحة العامة، وذلك وفقاً للنموذج المعتمد من الهيئة، ويعد هذا العقد جزءاً لا يتجزأ من متطلبات الترخيص وتجديده.

ويُعد هذا التعديل من أهم الجوانب المستحدثة، لأنه ينقل الرقابة من المستوى الورقي إلى الرقابة الإلكترونية المستمرة، ومن الناحية القانونية يشكّل الربط الإلكتروني وسيلة فعالة لتفعيل مبدأ الشفافية وتعزيز المسائلة القانونية، مع التأكيد على حق الأفراد في حماية خصوصيتهم وبياناتهم الشخصية، حيث حظرت المادة (5/ب) من النظام على المرخص له استخدام البيانات المتوافرة على قاعدة بياناته لغير غاية نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية، وذلك تحت طائلة إيقاع أي من الجزاءات المنصوص عليها في المادة (15) من النظام.

ثالثاً: استحداث بند لخدمات الأشخاص ذوي الإعاقة:

ألزم النظام بموجب البندين (ل) و(ك) من المادة الخامسة منه، الشركات المرخص لها بتخصيص نسبة من المركبات لخدمة الأشخاص ذوي الإعاقة، بالإضافة إلى تقديم تخفيضات تسويقية وعروض تفضيلية لهذه الفئة من المجتمع، وذلك بالنسبة التي يراها المرخص له مناسبة.

ويعكس هذا التعديل انسجام التشريع الأردني مع قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم (20) لسنة 2017 ومع اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي صادقت عليها المملكة الأردنية الهاشمية
ومن زاوية قانونية، يعدّ هذا الالتزام شرطاً من شروط الترخيص، وبالتالي فإن مخالفته تُعتبر إخلالاً قانونياً بمتطلبات الترخيص المنصوص عليها في المادة الخامسة من النظام، ويترتب عليه إيقاع إحدى الجزاءات المنصوص عليها في المادة (15) من النظام.

رابعاً: تعديل شروط السائق (مقدم الخدمة):

عدّل النظام الجديد بموجب المادة العاشرة منه شرط العمر للسائق بحيث لا يتجاوز (65) سنة بعد أن كان النص في النظام السابق يشترط أن لا يتجاوز عمر السائق (60) سنة، كما وأضاف النظام الجديد شرط جديد يتعلق بالسائق (مقدم الخدمة) يتمثل باجتيازه دورة تدريبية تأهيلية للعمل على نظام التطبيقات من المراكز التدريبية المعتمدة لدى المرخص له.

خامساً: منح مهلة لتصويب الأوضاع القانونية

منح النظام الجديد بموجب المادة (19) منه الشركات العاملة ومقدمي الخدمة المصرح لهم بنقل الركاب من خلال التطبيقات الذكية بموجب النظام السابق مهلة قانونية مقدارها ستة أشهر من تاريخ سريان أحكامه أو من تاريخ انتهاء الرخصة أيهما أطول، لتصويب أوضاعها القانونية بما يتفق مع أحكام النظام الجديد، وبخلاف ذلك يعتبر الترخيص والتصريح الممنوح لأي منهما ملغى حكماً.

حيث يتفق هذا النص مع مبدأ الأثر المباشر للقرارات الإدارية التنظيمية مع الحفاظ على الاستقرار القانوني، ويهدف المشرّع من خلال هذا التدرج إلى تحقيق التوازن بين المصلحة العامة في التطبيق الفوري للقانون والمصلحة الخاصة للشركات ومقدمي الخدمة في التكيّف مع المتطلبات الجديدة دون ضرر جسيم أو تعطيل اقتصادي.

سادساً: تشديد الرقابة على المخالفين

منح النظام الجديد بموجب المادة (18) منه هيئة تنظيم النقل البري من خلال مجلس إدارتها، صلاحية الطلب من هيئة تنظيم قطاع الاتصالات باتخاذ الاجراءات اللازمة لحجب أي تطبيق أو موقع إلكتروني يقدّم خدمات نقل الركاب باستخدام التطبيقات الذكية دون الحصول على الترخيص وفق أحكام هذا النظام، أو يروّج لتحميل أو استخدام تطبيقات غير مرخصة.

وتُعدّ هذه الصلاحيات من أهم التعديلات التي أفرزها الواقع العملي وانعكست بدروها على نصوص النظام الجديد، حيث لم تكن مثل هذه الأداة القانونية منصوصاً عليها في النظام السابق، وتأتي الغاية القانونية من هذا التعديل لضمان الامتثال لأحكام النظام وردع التطبيقات غير القانونية التي تعمل خارج الإطار التنظيمي، ما يعزز الثقة في الاقتصاد الرقمي الوطني ويضمن المنافسة المشروعة، وذلك على ضوء انتشار استخدام التطبيقات غير المرخصة في المملكة. وذلك على الرغم من صعوبة تطبيقها على الواقع العملي، حيث أن معظم التطبيقات غير المرخصة تعمل من خارج المملكة، وتستخدم أدوات تقنية (VPN) غير مشروعة تعيد تفعيل نفسها بعد حجبها، مما يتطلب تظافراً بالجهود فيما بين الجهات الرقابية للحد من انتشار هذه التطبيقات، ومنها إدارة السير والمركبات وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات وهيئة النقل وبالتعاون مع القطاع الخاص، وبالنتيجة التوصل إلى حلول عملية يتم من خلالها حجب هذه التطبيقات بشكل دائم ومستمر وفعال، وكذلك من خلال إحالة كل من يثبت تورطه في العمل على هذه التطبيقات من سائقين ومشغلين إلى المحكمة المختصة والحكام الإداريين لضمان عدم معاودة تشغيل هذه التطبيقات أو العمل معها.

إن نظام تنظيم نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية رقم (74) لسنة 2025 يشكّل تطوراً تشريعياً جوهرياً في البنية القانونية لقطاع النقل الرقمي في الأردن، فقد ركّز النظام على إعادة هيكلة الإطار التنظيمي لقطاع نقل الركاب بواسطة التطبيقات الذكية بما يضمن التوازن بين الحرية الاقتصادية والرقابة الإدارية، وراعى الجوانب التقنية والقانونية، ويمكن من خلال تحليل واستعراض أبرز التعديلات التي تضمنها هذا النظام، القول بأن المشرّع الأردني قد سعى من خلال إصدار هذا النظام الجديد إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:

  1. تنظيم المنافسة وحماية المستثمر والمستهلك.
  2. تعزيز الرقابة الإلكترونية وتطبيق مبادئ الشفافية.
  3. دمج البعد الاجتماعي وحقوق ذوي الإعاقة ضمن السياسات العامة للنقل.

وعليه، يمكن القول إن النظام الجديد يمثل نموذجاً متقدماً للتشريعات الرقمية في المنطقة، ويؤسس لمرحلة جديدة من التحول التشريعي الرقمي في الأردن.

 

المحامي عمار عاصي

شرط عدم المنافسة في عقود العمل: بين حماية مصالح صاحب العمل وضمان حرية العامل في العمل

يُعد شرط عدم منافسة العامل لصاحب العمل أحد البنود التي تثير جدلاً قانونياً واسعاً في عقود العمل، فهو من جهة وسيلة لحماية مصالح صاحب العمل المشروعة، ومن جهة أخرى قد يتحول إلى قيد يمس جوهر حق العامل في العمل والكسب وحرية اختيار عمله، وهو حق أساسي كرسته القواعد الدستورية والمبادئ المستقرة في المنظومة القانونية والإنسانية، إذ نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن لكل فرد الحق في العمل واختيار مهنته بحرية، ما يوجب أن أي قيد يرد على هذا الحق يجب أن يبقى ضمن أضيق الحدود، وأن يتم قياسه بميزان دقيق لا يُخل بمصلحة صاحب العمل ولا يَجعل العامل أسيراً لعقد عمل سابق يقيده حتى بعد انتهائه.

الأصل في القانون أن حرية العمل مُصانة ومكفولة، وأن أي قيد يرد عليها يعد استثناءً عن الأصل، والاستثناء لا توسع في تفسيره؛ لذلك لم يرد في قانون العمل الأردني نص مباشر ينظم شرط عدم المنافسة، إلا أن الفقه والقضاء استقرا على استمداد أساسه القانوني من أحكام القانون المدني الأردني، ولا سيما المادة (818) من نفس القانون التي أتاحت لصاحب العمل أن يشترط على العامل ألا ينافسه بعد انتهاء عقد العمل إذا كان عمل العامل يتيح له الاطلاع على أسرار العمل أو معرفة عملائه، على أن يكون هذا الشرط مقيداً من حيث الزمان والمكان ونوعية العمل، وبالقدر الضروري لحماية المصلحة المشروعة لصاحب العمل. وهذا يعني أن المشرع لم يُطلق يد صاحب العمل في تقييد حق العامل في العمل، بل اشترط لتفعيل هذا القيد شروطاً صارمة لضمان عدم تحول هذا الشرط إلى وسيلة لتعطيل قدرة العامل على الاستمرار في حياته المهنية.

وتطبيقاً لذلك، فإن مجرد تضمين عقد العمل شرطاً عاماً يمنع العامل من العمل في أي جهة أخرى مشابهة بعد انتهاء عقد العمل لا يكفي لإلزام العامل به؛ كون أن هذا الشرط يعتبر باطلاً إذا لم يُحدّد بفترة زمنية معقولة، أو إذا جاوز نطاقه الجغرافي ما هو لازم لحماية نشاط صاحب العمل، أو إذا شمل كل نشاط مماثل ولو لم يتصل بالأسرار أو العملاء. فشرط عدم المنافسة لا بد أن يكون متناسباً مع حجم مصلحة صاحب العمل المراد حمايتها، وأن يتم صياغته بدقة وبما يضمن قابليته للتطبيق، وذلك من خلال تحديد نطاق زمني لا يتجاوز المدة المعقولة التي تستنفذ فيها المعلومات أو الأسرار قيمتها التجارية. كما يجب تحديد النطاق المكاني بما يتناسب مع النشاط الذي يمارسه صاحب العمل، فإذا كان نشاط المنشأة في نطاق جغرافي محدد فلا يجوز اشتراط عدم المنافسة على منطقة جغرافية واسعة، كون أن الشرط في هذه الحالة يصبح تعسفياً. كذلك ينبغي تحديد الأنشطة المحظورة بصورة دقيقة، فلا يصح أن يكون المنع عاماً لكل نشاط مشابه بل يجب أن ينحصر في الأنشطة التي تتداخل فعلياً مع نشاط صاحب العمل، وإذا كانت وظيفـة العامل بسيطة ولا تُتيح له الاطلاع على العملاء أو الأسرار فلا محل لشرط عدم منافسة من الأساس.

وقد أكدت الاجتهادات القضائية أن شرط عدم المنافسة لا يُفترض لذاته ولا يُعتد به إلا إذا ثَبُتَ أن العامل قد استغل ما حصل عليه خلال عمله من معلومات أو خبرة لمنافسة صاحب العمل. فلا يكفي أن يترك العامل عمله ثم ينتقل إلى منشأة أخرى تعمل في نفس المجال ليُعتبر منافساً، بل يجب على صاحب العمل إثبات وجود ضرر فعلي ناتج عن هذا الانتقال، إذ لا يجوز افتراض الضرر لمجرد التشابه في النشاط أو انتقال العامل لمنشأة منافسة.

وقد ورد في أحد قرارات محكمة التمييز الأردنية الموقرة ما يفيد بأن ثبوت عمل العامل لدى الغير في مجال مشابه لا يكفي بذاته لترتيب المسؤولية القانونية عليه ما لم يقم الدليل على وجود منافسة حقيقية، وثبوت وجود ضرر فعلي لَحِق بصاحب العمل، وأن مجرد الادعاء بالمنافسة لا يغني عن إثبات تحققها، حيث أن مسؤولية العامل في شرط عدم المنافسة هي مسؤولية عقدية ويجب قيام كافة عناصر المسؤولية العقدية للقول بمسؤولية العامل القانونية، وهي (الفعل: وهو فعل المنافسة، الضرر: وهو جود ضرر لحق بصاحب العمل نتيجة أفعال العامل، والعلاقة السببية: أي أن الضرر الذي لحق بصاحب العمل سببه فعل العامل).

وبذلك رسّخت محكمة التمييز الأردنية مبدأ بالغ الأهمية مفاده بأن شرط عدم المنافسة ليس أداة للتهديد أو الردع النفسي للعامل، بل هو التزام تعاقدي لا يُفعَّل إلا عند قيام العامل بمنافسة حقيقية يُثبت صاحب العمل أنها ألحقت ضرراً حقيقياً به، وإلا كان الشرط باطلاً وغير قابل للتطبيق. كما أكدت اجتهادات قضائية أخرى على أن نص المادة (818) من القانون المدني الأردني يجب أن يُفسَّر في أضيق حدوده باعتباره قيداً على حرية العمل، فلا يجوز التوسع فيه أو اعتباره قاعدة عامة، بل يجب أن يُحصر تطبيقه في الحالات الاستثنائية التي يتوافر فيها خطر حقيقي على مصلحة مشروعة لصاحب العمل، كأن يكون العامل ممن يطّلعون على أسرار المهنة أو على بيانات العملاء أو على خطط التسويق أو التسعير.

وبذلك يتضح أن شرط عدم المنافسة ليس غاية في ذاته، ولا يمكن النظر إليه بوصفه التزاماً مطلقاً يُفعّل بمجرد وروده في عقد العمل، بل هو قيد استثنائي يبقى معلقاً على توافر مصلحة مشروعة لصاحب العمل، وثبوت أن العامل قد استغل ما حصل عليه من أسرار ومعلومات وعلاقات خاصة بصاحب العمل للإضرار به ووقوع الضرر فعلاً.

المحامية
هيا هاني العطار

الضمان العشري

الإطار القانوني لمسؤولية المهندس والمقاول وفقاً لأحكام القانون المدني الأردني

يُعتبر ضمان المقاول والمهندس لسلامة المباني والمنشآت من أبرز صور المسؤولية الخاصة في القانون المدني الأردني، حيث يفرض على المهندسين والمقاولين مسؤولية عن سلامة المباني والمنشآت التي يقومون بإنشائها أو تصميمها. وقد نظمه المشرع الأردني في المواد (788-791) من القانون المدني الأردني. وتكمن الفكرة الجوهرية من هذا الضمان في حماية المصلحة العامة من خلال ضمان بقاء المباني صالحة للاستعمال وخالية من العيوب الجوهرية التي تهدد سلامتها أو تؤدي إلى انهيارها، باعتبار أن استقرار المباني من عناصر الأمن الاقتصادي والاجتماعي، حيث جاء في الفقرة الأولى من المادة (788)، أنه: “إذا كان عقد المقاولة قائماً على تقبُّل بناء، يضع المهندس تصميمه على أن ينفذه المقاول تحت إشرافه، كانا متضامنين في التعويض لصاحب العمل عمّا يحدث خلال عشر سنوات من تهدُّم كلي أو جزئي فيما شيداه من مبانٍ أو أقاماه من منشآت، وعن كل عيب يهدد متانة البناء وسلامته، إذا لم يتضمن العقد مدة أطول.” وبموجب الفقرة الثانية من ذات المادة، تبقى هذه المسؤولية قائمة حتى لو كان التهدّم أو الخلل ناشئاً عن عيب في الأرض ذاتها أو كان صاحب العمل قد قبل المنشأة المعيبة، وتبدأ مدة السنوات العشر من تاريخ تسلُّم العمل حسب الفقرة الثالثة. كما حددت المادة (789) من ذات القانون نطاق المسؤولية في حال لم يجتمع دوريّ التصميم والإشراف في شخص واحد؛ فإذا اقتصر دور المهندس على وضع التصميم دون الإشراف على التنفيذ، فإنه لا يضمن إلا عيوب التصميم، أما المقاول الذي يعمل تحت إشراف مهندس آخر أو تحت إشراف صاحب العمل، فلا يكون مسؤولًا إلا عن عيوب التنفيذ. وبذلك لا يُسأل المهندس المصمم غير المشرف عن عيوب التنفيذ، كما لا يُسأل المقاول المنفذ عن عيوب التصميم التي استند فيها إلى المخططات المقدمة إليه. كما أكدت المادة (790) منه أن أي شرط يُقصد به إعفاء المهندس أو المقاول من هذا الضمان أو الحدّ منه يقع باطلاً. ويستفاد من النصوص القانونية آنفة الذكر أن مسؤولية كل من المهندس والمقاول في عقد المقاولة تختلف حسب طبيعة الدور والعمل الذي يؤديه كل منهما، فإذا كان المهندس قد تعاقد مع رب العمل على وضع التصميم دون الاشراف على التنفيذ فإنه يكون مسؤولاً فقط عن عيوب التصميم لأن الخراج بالضمان والغرم بالغنم كما هو مبين فقهاً وشرعاً. وكذلك فيما يتعلق بالمقاول فإذا اقتصر دوره على تأدية وتنفيذ الأعمال التي تم تسليمها إليها من قبل المالك فإنه يكون مسؤولاً عن عيوب التنفيذ فقط. وأما فيما يتعلق بطبيعة المسؤولية التي نصت عليها المادة (788) والتي تتعلق بعقد المقاولة الذي يكون فيه المهندس قد قام بإعداد التصميمات والمخططات وقام المقاول بتنفيذها تحت إشراف ذلك المهندس، فالأصل في القواعد العامة أن الشخص لا يُسأل إلا عن خطئه الشخصي، ولا تُحمّل المسؤولية لأحد عن فعل غيره. غير أن المشرّع الأردني قد خرج عن هذا الإطار في نص المادة (788) حيث جعل كل من المهندس والمقاول متضامنين في التعويض لصاحب العمل عمّا يحدث خلال عشر سنوات من تهدُّم كلي أو جزئي فيما شيداه من مبانٍ أو أقاماه من منشآت، وعن كل عيب يهدد متانة البناء وسلامته، وهذا ما أكده قرار محكمة التمييز الموقرة بصفتها الحقوقية، رقم 8521/202، الصادر بتاريخ 20/9/2023.   

إلا أنه، وعلى الرغم من وضوح النصوص القانونية آنفة الذكر، فإن تطبيقها على الواقع العملي يغدو أكثر صعوبة مما يبدو عليه الأمر نظرياً، إذ تثور عدد من الإشكاليات عند تطبيق نص المادة (788) إذ يستفاد من نص المادة أعلاه أن المشرّع يتحدث عن عقد مقاولة لبناء يكون فيه دور المهندس يمتد ليشمل الإشراف على التنفيذ وليس مجرد وضع التصميمات والرسومات الهندسية وتحديد المواصفات. وعلى ذلك، فإن مدلول “المهندس” في هذا السياق القانوني يقصد به المهندس المصمم للعمل الذي أعدّ الخرائط والتصميم والذي قام بالإشراف على التنفيذ. ومن ذلك يتضح أن المشرّع يربط مفهوم “المهندس” في المسؤولية التضامنية المنصوص عليها في المادة (788) عندما يجتمع دوره كمهندس مصمم ومشرف على التنفيذ. إلا أن الأمر مختلف في العديد من الحالات، فمثلاً في عقود الـ (FIDIC) وهي نماذج معيارية عالمية للمشاريع الإنشائية، تتضمّن شروطاً عامة تنظم العلاقة في الأصل بين صاحب العمل والمقاول، وتحدد دور جهة إشراف محايدة تسمى (المهندس (“Engineer”) يتم تعيينه من جهة المالك لمراقبة الأعمال وإدارة العقد. ويعتبر من أهم أنواع عقود الفيديك الشائعة هما الكتاب الأصفر والكتاب الأحمر. في الكتاب الأحمر، يكون التصميم من صاحب العمل أو مستشاره بينما يقع التنفيذ على عاتق المقاول، ويقتصر دور المهندس على الإشراف وإصدار التعليمات دون إعداد التصاميم. أما في الكتاب الأصفر (التصميم والبناء)، فيتولى المقاول إعداد التصاميم والتنفيذ، وفي مثل هذا العقد يكون المهندس (“Engineer”)  أيضاً موجوداً كجهة إشراف مستقلة، لكن دوره إداري وفني في متابعة التقدم والتحقق من مطابقة التنفيذ لمتطلبات العقد دون أن يقدّم هو التصميم. وعليه، يلاحظ أنه في بعض نماذج الفيديك لا وجود لشخصية “المهندس” بالطريقة التي تبناها القانون المدني الأردني في المادة (788) الذي افترضت وجود مهندس مصمم مستقل عن المقاول لغايات قيام المسؤولية التضامنية، وإن هذه الاختلافات في هيكلة عقود الفيديك تفرز عقبة جوهرية في تحديد من يُسند إليه عبء المسؤولية عن العيوب التصميمية والإنشائية. وتبدو الإشكالية أكثر حدّة في الحالة التي يتولى فيها صاحب العمل إعداد التصاميم بنفسه أو تقديمها مباشرة إلى المقاول لتنفيذها، ففي هذه الصورة، يصبح من غير المنطق تطبيق نص المادة (788) لغياب شخصية المهندس على النحو الموصوف في هذه المادة، وهكذا ينشأ فراغ منطقي وحلقة مفرغة حول مدى إعمال نص المادة (788)، فإذا تمسّكنا بهذا النص بحرفيته، غدا صاحب العمل مسؤولًا عن العيوب التصميمية التي أعدها بنفسه، وهو ما يتنافى مع روح التشريع؛ أما إذا أُبقيت المسؤولية على المقاول وحده، رغم التزامه بتنفيذ مخططات مقدمة من صاحب العمل، فإننا نكون قد حمّلناه تبعة خطأ لم يرتكبه. ومن ثم، فإن هذا الوضع يهدد التوازن العقدي ويجعل النص القانوني في مواجهة عقود الفيديك غير منسجم مع الغاية الأساسية من المادة (788)، وهي حماية صاحب العمل وتعزيز الثقة في متانة البناء.

وعليه، يمكن القول أن المسؤولية التضامنية بين المهندس والمقاول لا تقوم إلا متى توافرت الحالة التي يجتمع فيها دور المهندس المصمم مع دور الإشراف على التنفيذ، بحيث يتولى المهندس إعداد التصاميم ويشرف في الوقت ذاته على تنفيذها من قبل المقاول. ففي هذه الحالة يكون كل من المهندس والمقاول مسؤولَان بالتضامن عن أي تهدم كلي أو جزئي أو أي عيب جسيم يصيب المبنى أو يهدد متانته وسلامته، باعتبار أن كليهما قد أسهم مباشرة في عناصر المشروع التي أفضت إلى الخلل.

وفي الختام، لا بد من التأكيد على أن تحديد الدور المنوط بكل طرف في عقد المقاولة بدقة ووضوح يُعد من أبرز المسائل الجوهرية التي ينبغي إيلاؤها عناية خاصة عند صياغة العقد خاصة في المشاريع الإنشائية الكبرى التي يتم تنفيذها وفقاً لعقود الفيديك في الأردن. فالاكتفاء بوصف أحد الأطراف بأنه “مهندس” والآخر بأنه “مقاول” لا يكفي لبيان نطاق الالتزامات والمسؤوليات. إذ يتعين تحديد ما إذا كان دور المهندس يقتصر على وضع التصاميم فقط، أو يمتد ليشمل الإشراف على تنفيذ المقاول، لما لذلك من أثر مباشر في تحديد نطاق مسؤوليته. وبهذا التحديد تتحقق الغاية من النصوص القانونية التي أرادت ربط الضمان بالفعل المادي المباشر الذي أسهم في ظهور العيب أو الخلل.

المحامية
رُلى زيادين

تعويض الشخص الإعتباري عن الضرر الأدبي في القانون الأردني

لطالما أحدث حق الشخص الاعتباري بالمطالبة بالتعويض عن الضرر الأدبي جدلاً فقهياً وقضائياً واسعاً، إذ ظل هذا الاتجاه غريباً وصعب التصور بالتوازي مع طبيعة الشخص الاعتباري التي قررها القانون ومفهوم الضرر الأدبي الذي أخذ به الفقه والقضاء، والذي ظل راسخاً لدى غالبية الاتجاهات الفقهية والقضائية بمفهوم العواطف والشرف والأحاسيس والمشاعر. ولما كان الفقهاء وشراع القانون قد قرّروا بلا جدال حق الشخص الطبيعي في التعويض عن الأضرار الأدبية التي تصيب مشاعره أو سمعته أو مركزه الاجتماعي، فإن التساؤل يثور بإلحاح حول مدى امتداد هذا الحق ليشمل الأشخاص الاعتباريين، الذين وإن كانوا يفتقرون إلى الأحاسيس والمشاعر الإنسانية، إلا أنهم يتمتعون بكيان قانوني مستقل وذمة مالية خاصة وسمعة تجارية؟

في قرار صادر عن محكمة التمييز الموقرة بهيئتها العامة رقم (5827/2019)، حسمت المحكمة مسألة جوهرية تتعلق بأحقية الشخص الاعتباري أو الحكمي في المطالبة بالتعويض عن الضرر الأدبي والمعنوي، متراجعة عن أي اجتهادات سابقة كانت تنفي هذا الحق أو تجادل فيه، فقد أكدت المحكمة في قرارها المذكور أن الضرر المعنوي لا يقتصر على الأشخاص الطبيعيين على الرغم من ارتباطه تقليدياً بالأحاسيس والمشاعر، ولكنه فيما يتعلق بالشخص الاعتباري فقد ربطت الضرر المعنوي “بما يصيبها كشخص اعتباري في سمعتها ومركزها بين الشركات المنافسة وعملائها والجهات الرسمية” مما يترتب عليه ضرر معنوي حقيقي يستوجب التعويض.

وفي هذا الخصوص، فتجدر إلى أن الفقه قد عرف الشخص الحكمي أو الاعتباري على أنه: “جملة الأشخاص والأموال التي تثبت لها الشخصية القانونية والمعترف بها من قبل القانون، والتي يمنحها القانون أيضاً كافة الحقوق عدا ما يلازم منها الصفة الإنسان.” وكذلك فقد عرفه القانون المدني الأردني في نص المادة (50) منه على أنه: “الدولة والبلديات بالشروط التي يحددها القانون، وكذلك المؤسسات العامة وغيرها من المنشآت التي يمنحها القانون هذه الصفة والهيئات والطوائف الدينية التي تعترف لها الدولة بالشخصية الحكمية والوقف والشركات التجارية والمدنية والجمعيات والمؤسسات المنشأة وفقًا لأحكام القانون، وكذلك كل مجموعة من الأشخاص أو الأموال تُثبت لها الشخصية الحكمية بمقتضى نص في القانون.

وأما من حيث حقوق للشخص الاعتباري، فقد حسمت المادة (51) من ذات القانون الجدل بنصها على ما يلي: “الشخص الحكمي يتمتع بجميع الحقوق إلا ما كان منها ملازماً لصفة الانسان الطبيعية وذلك في الحدود التي قررها القانون. فيكون له ذمة مالية مستقلة، وأهلية في الحدود التي يعيّنها سند إنشائه أو التي يقرّرها القانون، وحق التقاضي وموطن مستقل … ويكون له من يمثله في التعبير عن إرادته.”

كما جاء القانون المدني الأردني في إطار تكريسه لمبدأ العدالة وضمان حماية الحقوق، لينص في المادة (256) على ما يلي: “كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر”.

وهو نص مطلق يشمل كل من يقع عليه الضرر، سواء كان شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً. وكذلك ما جاء في نص المادة (267/1) من ذات القانون والتي نصت على ما يلي:

يتناول حق الضمان الضرر الأدبي كذلك فكل تعد على الغير في حريته أو في عرضه أو في شرفه أو في سمعته أو في مركزه الاجتماعي أو في اعتباره المالي يجعل المتعدي مسؤولا عن الضمان.”

وباستقراء النصوص آنفة الذكر، فيتضح أن المشرع الأردني قد جاءت نظرته عامة مطلقة ولم يحدد نطاق تطبيق النصوص القانونية المتعلقة بالتعويض عن الضرر الأدبي على الأشخاص الطبيعيين دون الأشخاص الحكمية، وأكد على أن كل تعدِ مهما كانت طبيعته يكون بمثابة ضرر واقع فعلاً ويجب ضمانه والتعويض عنه دون تفريق بين طبيعة شخص المضرور سواء كان شخصاً اعتبارياً أو طبيعياً.

وعلى الرغم من أن القرار محل البحث قد تبنّى الاجتهاد الحديث وطبّق النصوص القانونية ذات العلاقة بما يحقق الغاية التشريعية منها، إلا أنّه قد يؤخذ على تعليل محكمة التمييز الموقّرة في فقرتها الحكمية عند بيانها للأساس الذي اعتمدته للحكم للشخص الاعتباري بالتعويض عن الضرر الأدبي، إذ أشارت إلى أن الأضرار الأدبية للشخص الاعتباري هي في حقيقتها أضراراً مالية مشيرة إلى ما يلي:

“وفي الحالتين أن هذه الأضرار الاعتبارية (المعنوية) التي تصيب الشخص الاعتباري هي في حقيقتها أضرار مالية وليست معنوية ففي الحالة الأولى وهي الأضرار التي تصيب الشخص الاعتباري نتيجة مباشرة نشاطه هي أضرار من شأنها أن تعيقه عن تأدية نشاطه في الحال والاستقبال ومن ثم فإن حقيقتها أضرار مالية.

وفي الحالة الثانية والتي تصيب الأشخاص الاعتبارية والمتمثلة في المساس بسمعته واعتباره هي أضرار لا تتصل بالجانب النفسي أو العاطفي للشخص الاعتباري فهي في حقيقتها أضرار مالية، وعليه فإن من حق المضرور من الفعل الضار المطالبة بالتعويض من أي متعدٍ سواء أكان المعتدى عليه شخصا طبيعياً أم اعتبارياً (معنوياً).”

ولكن، كان يجدر على المحكمة الموقرة أن تسبب قرارها وتأخذ بعين الاعتبار أن التعويض الواجب تقريره هو عن الضرر الأدبي المعنوي، ليس باعتباره ضرراً مالياً ذلك أن جوهر الاعتداء يتمثل في النيل من السمعة والاعتبار والمكانة الاجتماعية للشخص الاعتباري، وهي قيم معنوية محضة تحظى بالحماية القانونية المستقلة، فالضرر هنا يقوم بمجرد المساس بهذه القيم، وأن أي اعتداء عليهما يشكل ضررًا أدبيًا قائمًا بذاته يستوجب الجبر، وكان من باب أولى أن تؤكد المحكمة على أن هذا الضرر هو ضرر أدبي يؤول لاحقاً إلى حق مالي نتيجة للتعويض وليس أن تشير إليها على أنها “أضراراً مالية” مما قد يفتح الباب إلى تأويل هذا المبدأ والاحتجاج بأن الأضرار المالية يجب أن يتم اثباتها فعلاً على الرغم من أن الضرر المعنوي لا يتصور إثباته إلا من خلال الخبرة، وأن إثبات التصرفات أو الأقوال أو الأفعال التي تصدر عن الطرف الآخر، والتي يكون من شأنها النيل من السمعة أو مركز الشخص الاعتباري يعد كافيًا لقيام المسؤولية عن الضرر الأدبي المعنوي، ويبرر المطالبة بالتعويض المادي عنه. فعلى الرغم من أن التعويض المقرر لهذا النوع من الضرر يأخذ صورة مالية، إلا أن ذلك لا يغير من طبيعته ولا يحوله إلى ضرر مالي، إذ أن التعويض المالي هنا ليس سوى وسيلة لجبر الضرر المعنوي الذي أصاب الكيان القانوني في صورته واعتباره أمام الغير.

إلا أن ذلك لا ينال من القرار المذكور ولا ينقص من أهميته إذ يعتبر هذا الاجتهاد خطوة مهمة نحو تكريس مبدأ المساواة أمام القانون بين الأشخاص على اختلاف طبيعتهم، ويؤكد على أن العدالة لا تقتصر على حماية المشاعر الفردية، بل تمتد إلى حماية السمعة والمكانة والاعتبار التجاري للأشخاص الاعتباريين. وهو ما يشكّل ضمانة لاستقرار المعاملات، وردعاً لأي تعدِ أو مساس بحقوقهم المعنوية، ويعزز الثقة في البيئة الاستثمارية، ويؤسس لمرحلة جديدة من الحماية القانونية تتماشى مع المعايير الحديثة في القوانين المقارنة والتشريعات الدولية.

وعليه، فإن القانون الأردني، نصاً وتطبيقاً قد وفر مظلة شاملة لحماية الأشخاص الاعتباريين من الأضرار الأدبية سواء كانت مادية أم معنوية، ويبقى تطوير معايير تقدير هذا التعويض وتعزيز الاجتهاد القضائي بشأنه ضرورة لتحقيق عدالة أكثر وضوحاً وتوازن.

المحامي سعد محارمة

أثر الإعسار على الشركات

جاء قانون الإعسار الأردني رقم (21) لسنة 2018 استجابة لتوجهات المشرّع الأردني ورؤية الجهات ذات العلاقة نحو تعزيز بيئة الأعمال والحفاظ على استمرارية الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية في المملكة الأردنية الهاشمية. وقد تبنّى القانون نهج “الفرصة الثانية”، الذي يهدف إلى تمكين الأشخاص الممارسين لنشاط اقتصادي – سواء أكانوا من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين، بما في ذلك أصحاب المهن المسجّلين والمرخّص لهم – من إعادة تنظيم أعمالهم وإعادة هيكلتها المالية، بما يتيح لهم النهوض مجدداً والاستمرار في السوق بدلاً من اللجوء إلى التصفية الفورية والخروج النهائي من النشاط الاقتصادي. ويعد هذا النهج بمثابة إطار قانوني داعم للشركات المتعثرة أو تلك التي على وشك التعثر، من خلال توفير آلية لإعادة تأهيلها وإدماجها مجدداً في السوق لمساعدتها على الخروج الآمن من حالة التعسر المالي، وذلك عبر خطة إعادة تنظيم تُعد وتُنفذ تحت إشراف المحكمة ووكيل الإعسار المعين وفقاً لأحكام القانون، وبناء على طلب إشهار الإعسار الذي يقدم إلى المحكمة المختصة. وقد كفل المشرّع، في هذا السياق، موازنة دقيقة بين مصالح المدين ومصالح الدائنين، إذ يتم تنفيذ إجراءات إعادة التنظيم دون المساس بحقوق الدائنين. وتنسجم العديد من نصوص القانون مع أفضل الممارسات والتجارب الدولية في هذا المجال الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني ومؤشراته. إذ يساهم القانون في المحافظة على وجود المنشآت الاقتصادية وتمكينها من مواصلة أعمالها، وبقاء العاملين فيها على رأس عملهم، ويزيد الائتمان المالي ما يضفي المزيد من الأمان والاستقرار على البيئة الاستثمارية ويجعلها أكثر أمناً واستقراراً وجذباً للاستثمار المحلي والأجنبي.

يمر طلب إشهار الإعسار سواء الفعلي أو الوشيك بثلاث مراحل وهي: المرحلة التمهيدية ثم إعادة التنظيم وتعد هاتين المرحلتين هما جوهر قانون الإعسار أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة التصفية وهي المرحلة التي يتم اللجوء إليها فقط عند تعذر إعادة التنظيم أو عدم الموافقة على خطة إعادة التنظيم أو عدم القدرة على تنفيذها.

وقد عرف القانون الإعسار على أنه: توقف المدين أو عجزه عن سداد الديون المستحقة عليه بإنتظام أو عند تجاوز إجمالي الإلتزامات المترتبة عليه إجمالي قيمة أمواله.

كما عرف ذات القانون الإعسار الوشيك على أنه: الحالة التي يتوقع فيها أن يفقد المدين القدرة المستقبلية على سداد ديونه عند استحقاقها خلال ستة أشهر رغم قدرته الحالية على سدادها.

ولما عرف القانون الإعسار والإعسار الوشيك فيستنتج من ذلك أن للإعسار نوعين وهما: الإعسار الفعلي والإعسار الوشيك، ويتم تقديم طلب إشهار الإعسار إلى المحكمة المختصة من المدين أو أحد دائنيه أو مراقب عام الشركات إذا كان المدين شركة، وفي هذا الخصوص تجدر الإشارة إلى أن طلب إشهار الإعسار الوشيك لا يقبل إلا من المدين نفسه، أما دائني المدين أو مراقب عام الشركات -إذا كان المدين شخص اعتباري- فلا يقبل طلبهم ما لم يتمكنوا من إثبات أن المدين قد دخل في حالة الإعسار الفعلي.

الإطار التنظيمي والإجرائي لتقديم طلب إشهار الإعسار:

تبدأ إجراءات إشهار الإعسار بعد أن يقدم المدين طلب إشهار الإعسار إلى المحكمة المختصة، وبعد أن تقوم المحكمة بقبول طلب إشهار الإعسار شكلاً وإعلان قرار إشهار الإعسار. وفي هذا الخصوص تجدر الإشارة إلى أن المشرع قد حدد إطاراً زمنياً يجب على المدين فيه تقديم الطلب، وذلك خلال شهرين من تاريخ علمه الفعلي أو المفترض بأنه قد دخل في مرحلة الإعسار الفعلي، ويستخلص من تحديد هذا الإطار الزمني أن طلب إشهار الإعسار يجب أن يُقدّم في الوقت المناسب، أي قبل أن تصل المنشأة أو المشروع الاقتصادي إلى مرحلة الانهيار الكامل وتوقف النشاط، وقبل أن تصبح إجراءات إعادة التنظيم عبثية لا تحقق أي غاية اقتصادية. وقد أكدت المادة (8) من القانون هذه الغاية بوضوح، عندما اشترطت تقديم بيانات محاسبية ومالية للسنوات الثلاث السابقة لتقديم الطلب، والتي من شأنها أن تظهر استمرار المدين في ممارسة نشاطه الاقتصادي وقت تقديم الطلب. وهذا الشرط لم يُوضع عبثًا، بل قصد منه المشرّع التحقق من أن المدين ما زال قابلاً للإنقاذ المالي والتنظيمي، وأن طلب الإعسار ليس مجرد وسيلة للتهرب من الديون بعد توقف النشاط وتصفيته الواقعية.

كما اشترط القانون أن يرفق بطلب الإعسار تقريراً مفصلاً يتضمن أسباب الإعسار وتحليلاً لمستقبل النشاط الاقتصادي، وشهادة من جهة تسجيل المدين، السجلات المالية والمحاسبية للمدين للسنوات المالية الثلاث التي تسبق تاريخ تقديم الطلب، قائمة مفصلة بالدائنين والمدينين، وكشف مفصل بالأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة للمدين.

أبرز الآثار المترتبة على إشهار الإعسار:

  • يحتفظ المدين بصلاحية إدارة أعماله المعتادة تحت إشراف وكيل الإعسار.
  • وقف احتساب الفوائد وغرامات التأخير من تاريخ إشهار الإعسار.
  • يُمنع التنفيذ والحجز على أموال المدين، كما تُمنع إقامة دعاوى جديدة ضده. يستمر هذا الحظر لمدة ستة أشهر من الإشهار أو لحين إقرار خطة إعادة التنظيم، أيهما أسبق. ولكن يجوز لأصحاب الحقوق المضمونة التنفيذ على ضماناتهم دون التأثير على استمرار النشاط، وتُسلّم حصيلة التنفيذ لوكيل الإعسار لتوزيعها.

ختامًا، يُعد قانون الإعسار الأردني لسنة 2018 محطة تشريعية محورية أعادت تعريف العلاقة بين الدائن والمدين، ووضعت إطارًا عصريًا يوازن بين حماية الحقوق واستمرارية النشاط الاقتصادي. فهو لا يُنظر إليه كأداة تصفية، بل كفرصة قانونية ثانية تمكّن الشركات المتعثرة من النهوض مجددًا ضمن بيئة منظمة وتحت إشراف قضائي ومهني.

لقد أسّس هذا القانون لثقافة جديدة في التعامل مع التعثر المالي، تستند إلى الوقاية والشفافية والإنقاذ، لا إلى العقوبة أو الإقصاء. ومع اتساقه مع أفضل الممارسات الدولية، بات يشكّل عنصر جذب للاستثمار ويعزز الثقة بمنظومة الاقتصاد الوطني، ما يفرض على المعنيين تطبيقه بوعي ومسؤولية تليق بروحه الإصلاحية وأهدافه الاستراتيجية.

المحامي بشار بكار

 

قانون تنظيم التعامل بالأصول الإفتراضية

شهد العالم في العقود الأخيرة ثورة رقمية غير مسبوقة، والتي كانت من أبرز معالمها: بروز الأصول الافتراضية مثل العملات الرقمية (Bitcoin، Ethereum وغيرها) والرموز المشفرة (Tokens)، بوصفها أدوات مالية غير تقليدية استقطبت الاستثمارات في العديد من دول العالم، وأثارت في الوقت نفسه تساؤلات قانونية وتنظيمية جوهرية. وبالنظر إلى التسارع الكبير في تبني هذه الأدوات التي من شأنها توفير فرص واسعة للنمو والريادة على مستوى العالم ، لم يعد من المقبول بقاء المنظومة التشريعية في حالة صمت أو حياد تجاهها لا سيما بعد سنوات من الحظر والتحفظ المؤسسي على هذه الأصول، حيث كانت هيئة الأوراق المالية قد أصدرت تعميماً إدارياً بموجب قرار مجلس المفوضين  رقم (۲۰۲۱/۲۰۷) تاريخ 11/11/2021 للشركات المرخصة لتقديم الخدمات المالية، وذلك بالاستناد لأحكام المادة (۱۲) من قانون الأوراق المالية رقم ( ۱8) لسنة ۲۰۱۷، وأحكام المادة (٥) من قانون تنظيم التعامل بالبورصات الأجنبية رقم (۱) لسنة ٢٠١٧، تحظر بموجبه على الشركات المرخصة التعامل بالعملات الرقمية أو أي عملات أخرى محظورة من قبل الجهات المختصة.

وعليه، وانطلاقًا من دور المشرع الأردني في مواكبة المستجدات في عالم الاقتصادي الرقمي، بادرت المملكة الأردنية الهاشمية إلى سن قانون تنظيم التعامل بالأصول الافتراضية رقم 14 لسنة 2025، والذي دخل حيز النفاذ بتاريخ 16/6/2025 بعد نشره في الجريدة الرسمية، ليشكل أول إطار تشريعي متخصص يُعنى مباشرةً بمجال تنظيم سوق الأصول الافتراضية على الصعيد الوطني، لذِا سيتم من خلال هذا المقال بيان أبرز الأحكام القانونية التي جاء بها هذا القانون وذلك وفقاً للآتي:

أولاً: الخلفية التشريعية للقانون

قبل إصدار قانون تنظيم التعامل بالأصول الافتراضية رقم 14 لسنة 2025، لم يكن في التشريع الأردني أي نص صريح ينظم أو يُجيز التعامل بالأصول الافتراضية،  وقد كان البنك المركزي الأردني يحظر على البنوك والمؤسسات المالية التعامل مع العملات الرقمية بموجب تعليمات صادرة منذ عام 2014، خوفًا من مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب والتقلبات الحادة في السوق، غير أن التطور الدولي في هذا المجال والضغوط الاقتصادية والتكنولوجية دفعت إلى تبني نهج تشريعي جديد يهدف إلى تنظيم لا منع، ورقابة لا حظر مطلق، وهو ما تجسّد في أحكام هذا القانون.

ثانيًا: نطاق تطبيق القانون وتعريفاته

  1. التعريفات الأساسية وفقاً للمادة (2) من القانون:

(المجلس): مجلس مفوضي هيئة الأوراق المالية

(الأصول الافتراضية): تمثيل رقمي للقيمة التي يمكن تداولها أو تحويلها رقميًـا، ويمكـن استخدامهـا لأغراض الدفع أو الاستثمار، وأي تمثيل رقمي لأي قيمة أخرى يحددها هذا القانون والأنظمة والتعليمات الصادرة بمقتضاه، ولا تشمل التمثيل الرقمي للعملات النقدية أو الأوراق المالية والأصول المالية الأخرى إلى الحد الذي يتم تنظيمها بمقتضى أي قانون آخر.

(مزود خدمة الأصول الافتراضية): الشخص الاعتباري الذي يمارس لصالح الغير أو نيابة عنه نشاطًا أو أكثر من أنشطة الأصول الافتراضية المنصوص عليها في المادة (4) من هذا القانون.

  1. نطاق التطبيق:

تناول المشرع الأردني نطاق تطبيق هذا القانون في المادة (3/أ) منه والتي نصت بشكل صريح على ما يلي:

” أ- تسري أحكام هذا القانون على الأنشطة المرتبطة بتقديم خدمات الأصول الافتراضية في المملكة أو العمليات المرتبطة بها لصالح الغير أو نيابة عنه.”

ولغايات تحديد ماهية أنشطة الأصول الافتراضية التي تطالها الأحكام التنظيمية لهذا القانون، فقد حددت المادة الرابعة منه سبعة أنشطة رئيسية تخضع للتنظيم وهي كما يلي:

1- تشغيل منصات الأصول الافتراضية وإدارتها.

2- التبادل بين الأصول الافتراضية والعملة الأردنية أو الأجنبية.

3- التبادل بين شكل أو أكثر من الأصول الافتراضية.

4- تحويل الأصول الافتراضية من عنوان أو حساب الى آخر.

5- حفظ الأصول الافتراضية وإدارتها أو أي أدوات تمكّن من السيطرة عليها.

6- تقديم خدمات الوساطة في عمليات التداول في الأصول الافتراضية.

7- المشاركة وتقديم الخدمات المالية المرتبطة بعرض أحد المصدرين أو بيع الأصول الافتراضية.

كما منح القانون في المادة (4/أ/8) منه لمجلس الوزراء بناء على تنسيب مجلس مفوضي الهيئة صلاحية توسيع نطاق الأنشطة المشمولة بالتنظيم مستقبلاً، مما يعكس مرونة تشريعية مدروسة لشمول أي أنشطة تتعلق بالأصول الافتراضية قد تستجد مستقبلاً.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الفقرة (ب) من المادة (3) من القانون قد استثنت بعض الأنشطة من سريان أحكام القانون عليها، وتحديداً الأنشطة المتعلقة بالأوراق المالية الرقمية والأصول المالية الرقمية والتي تخضع للأنظمة الخاصة بها والصادرة عن هيئة الأوراق المالية، وكذلك التمثيلات الرقمية للعملات النقدية الصادرة عن البنك المركزي في المملكة والنقود الإلكترونية ما لم يقرر البنك المركزي خلاف ذلك.

ثالثًا: أهم الأحكام القانونية الواردة في القانون

  1. الترخيص الإلزامي والجهات الرقابية:

أسند القانون الصلاحية التنظيمية والرقابية الرئيسية إلى هيئة الأوراق المالية، بوصفها الجهة المخوّلة قانوناً بإصدار التراخيص اللازمة، وتحديد المتطلبات الفنية والمالية لممارسة الأنشطة المرتبطة بالأصول الافتراضية، كما حظر القانون بموجب المادة (5/أ) منه على الشخص ممارسة أنشطة الأصول الافتراضية لصالح الغير أو الترويج لها داخل المملكة ما لم يكن شخصًا اعتبارياً مرخصاً بشكل مسبق من الهيئة وفق أحكام القانون والأنظمة والتعليمات الصادرة بمقتضاه، بحيث تحدد شروط منح الترخيص لمزودي خدمات الأصول الافتراضية ومتطلباته وحالات إلغائه والرسوم الواجب استيفاؤها والحد الأدنى لرأس المال والضمانات اللازمة لذلك وغيرها من الأمور بمقتضى نظام يصدر لاحقاً لهذه الغاية.

كما ويشترط القانون وفقاً للمادة (5/ب) منه لاعتبار الأنشطة المرتبطة بالأصول الافتراضية قد تمت ممارستها داخل المملكة، أن يكون مزود خدمات الأصول الافتراضية قد تم تأسيسه في المملكة، أو أن يكون له مقر عمل في المملكة أو يتخذها مركزاً لتنفيذ عملياته، أو عندما يعرض أو يقدم منتجاته أو خدماته لعملاء في المملكة.

ويلاحظ أن القانون وفقاً للمادة الخامسة منه قد حصر ممارسة الأنشطة المتعلقة بالأصول الافتراضية داخل المملكة بالأشخاص الاعتبارية المرخصة قانوناً لهذا الغاية، وحظر على الشخص الطبيعي مزاولة أنشطة الأصول الافتراضية لصالح الغير أو الترويج لها داخل المملكة أو اتخاذ المملكة مركزاً لأعماله.

  1. صلاحيات الجهة الرقابية:

تتولى الهيئة وفقاً لأحكام المادة (6) من القانون المهام والصلاحيات التالية:

أ‌- ترخيص مزودي خدمات الأصول الافتراضية والرقابة والإشراف والتفتيش عليهم وعلى أي سجلات ذوات علاقة بهم، ولها في سبيل ذلك ممارسة الصلاحيات المنصوص عليها في قانون الأوراق المالية.

ب‌-الرقابة على امتثال مزودي خدمات الأصول الافتراضية لمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل وفقًا لأحكام التشريعات المعمول بها وتطبيق المنهج القائم على المخاطر، وإصدار التعليمات والأدلة الإرشادية لهذه الغاية.

ج‌-تحديد وتقييم المخاطر الناشئة عن الأصول الافتراضية وأنشطة أو عمليات مزودي خدمات الأصول الافتراضية بما فيها مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل بصورة دورية واتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لخفض المخاطر وإدارتها بالتعاون مع الجهات المختصة.

د-التعاون وتبادل المعلومات مع الجهات النظيرة المسؤولة عن الرقابة على أعمال مزودي خدمات الأصول الافتراضية.

  1. التزامات مزودي خدمات الأصول الافتراضية:

بالإضافة إلى الالتزام بالحصول على الترخيص المسبق لممارسة الأنشطة المتعلقة بالأصول الافتراضية يلتزم مزودو خدمات الأصول الافتراضية وفقاً لأحكام المادة (8) من القانون بما يلي:

أ‌- متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل وفق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والأنظمة والتعليمات الصادرة بموجبه، ولهذه الغاية يعتبر مزودو خدمات الأصول الافتراضية من الجهات المبلغة.

ب‌-الحصول على كافة البيانات المتعلقة بأطراف التحويل والوسطاء وفق أحكام القوانين والأنظمة والتعليمات ذوات العلاقة، ولهذه الغاية تعتبر عمليات تحويل الأصول الافتراضية عمليات عابرة للحدود ويلتزم بالحصول على البيانات المتعلقة بها.

  1. حماية العملاء وفصل الذمم المالية:

من أبرز ما جاء به القانون هو النص الصريح في المادة (12) منه على ضرورة فصل أموال وأصول العملاء عن أموال وأصول الشركات المقدمة للخدمة، بحيث لا يجوز بأي حال استخدام أصول العملاء لتسوية التزامات مالية على الشركة، ولا تخضع الأموال والأصول الافتراضية العائدة لعملاء مزودي خدمات الأصول الافتراضية لإجراءات الحجز أو الرهن أو التصفية أو الإعسار التي يخضع لها مزودو خدمات الأصول الافتراضية وهو ما يمثل ضمانة قانونية حيوية للعملاء في حالة الاعسار والتصفية أو النزاعات القضائية.

  1. العقوبات والجزاءات القانونية:

وضع القانون نظاماً عقابياً صارماً لكل من يزاول مزاولة أنشطة الأصول الافتراضية لصالح الغير أو الترويج لها داخل المملكة دون ترخيص، حيث تنص المادة (15) منه على فرض عقوبة الحبس لمدة لا تقل عن سنة واحدة، بالإضافة إلى غرامة مالية لا تقل عن خمسين ألف دينار أردني ولا تزيد على مئة ألف دينار، بالإضافة إلى إلتزام الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات اللازمة لإغلاق مكان مزاولة أنشطة الأصول الافتراضية لصالح الغير أو الترويج لها دون ترخيص ومصادرة الأدوات المستخدمة لذلك.

إن إصدار قانون تنظيم التعامل بالأصول الافتراضية في الأردن يشكل نقلة نوعية نحو مواكبة الاقتصاد الرقمي وقد أحسن المشرع الأردني صنعاً بإقرار قانون متخصص ينظم التعامل بالأصول الافتراضية، بعد سنوات من الغموض والحظر القانوني، والذي يدشن مرحلة جديدة في تاريخ التشريع الأردني، وبينما يضع هذا القانون الأسس القانونية لتداول الأصول الرقمية بشكل منظم وآمن، يبقى نجاحه العملي رهيناً بمدى كفاءة التنفيذ والتنسيق المؤسسي، وبمدى قدرة النظام القانوني الأردني على التكيّف مع متغيرات سريعة في هذا المجال، وبضرورة صدور التعليمات والأنظمة التنفيذية الواضحة والمفصلة عن هيئة الأوراق المالية ومجلس الوزراء، تتناول شروط الترخيص، وضوابط الامتثال، والإفصاح، وحماية المستهلك وغيرها من المسائل التي أحال القانون في تنظيمها إلى صدور أنظمة وتعليمات مختصة بها.

المحامي عمار أبو عاصي

Back To Top