Skip to content

جرائم الذم والتحقير وجرائم اثارة الفتنة

أحدث التطور المتسارع في وسائل الاتصال الرقمية واقعًا قانونيًا جديدًا، تحوّلت فيه المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي من أدوات للتعبير المشروع عن الرأي وتبادل المعرفة إلى ساحات مفتوحة لانتهاك السمعة والاعتداء على الكرامة الإنسانية، وقد شهد المجتمع الأردني على غرار سائر المجتمعات الحديثة  تزايدًا ملحوظًا في جرائم الذم والتحقير المرتكبة عبر مواقع التواصل الإجتماعي، حيث باتت كلمات مكتوبة أو تعليقات عابرة قادرة على إحداث أضرار جسيمة لا تقل خطورة عن الاعتداءات المادية، ولعل خطورة هذه الجرائم لا تكمن في وقوعها فحسب بل في سرعة انتشارها واتساع نطاق تأثيرها إذ تنتقل عبارات الذم والتحقير خلال ثوانٍ إلى عدد غير محدود من المتلقين، وتبقى آثارها الرقمية عالقة في الذاكرة الإلكترونية، بما يلحق بالمجني عليه أضرارًا نفسية واجتماعية ومهنية قد يصعب تداركها، وقد امتدت هذه الجرائم لتطال الأفراد في حياتهم الخاصة، والشركات والمؤسسات في سمعتها ومكانتها الإقتصادية، والموظفين العموميين في هيبتهم الوظيفية، مما أفضى إلى زعزعة الثقة المجتمعية وإضعاف قيم الاحترام المتبادل.

وإزاء هذه التحديات، تدخل المشرّع الأردني من خلال إصدار قانون الجرائم الإلكترونية  الجديد رقم (17) لسنة 2023، واضعًا إطارًا قانونيًا خاصًا يجرّم الذم والقدح والتحقير المرتكب عبر الوسائل الإلكترونية، ويُخضع مرتكبيه لعقوبات رادعة، تحقيقًا للتوازن الدقيق بين صون حرية الرأي والتعبير من جهة، وحماية السمعة والاعتبار الشخصي من جهة أخرى، ويأتي هذا التدخل التشريعي تأكيدًا لالتزام الدولة بحماية الحقوق الشخصية في العصر الرقمي، وترسيخًا لمبدأ المسؤولية القانونية عن الكلمة المنشورة مهما كان وسيطها.

وعليه يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على جرائم الذم والقدح والتحقير المرتكبة بالوسائل وجرائم إثارة الفتنة أو النعرات التي تستهدف السلم المجتمعي أو الحض على الكراهية، من خلال تحليل أركانها القانونية، وبيان العقوبات المقررة لها، وبيان آثارها القانونية والاجتماعية، بما يحقق فهمًا معمقًا لهذا النوع من الجرائم في ضوء أحكام قانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم (17) لسنة 2023:

أولاً: الإطار المفاهيمي لجرائم الذم والقدح والتحقير المرتكبة بالوسائل الالكترونية في نصوص القانون الأردني:

 الذم: يُعرّف الذم وفقاً للمادة (188) من قانون العقوبات الأردني بأنه: “إسناد مادة معينة إلى شخص ولو في معرض الشك والاستفهام، من شأنها أن تنال من شرفه وكرامته أو تعرضه إلى بغض الناس واحتقارهم، سواء أكانت تلك المادة جريمة تستلزم العقاب أم لا.

  • القدح: يُعرّف القدح وفقاً لذات المادة (188) بأنه: “الاعتداء على كرامة الغير أو شرفه أو اعتباره، ولو في معرض الشك والاستفهام، من دون بيان مادة معينة”.
  • التحقير: هو كل تحقير أو سباب غير الذم والقدح يوجه إلى المعتدى عليه وجهاً لوجه بالكلام أو الحركات أو بكتابة أو رسم أو هاتفية أو بمعاملة غليظة.
  • التشهير: التشهير ليس جريمة مستقلة في القانون الأردني بل هو مصطلح يُستخدم لوصف فعل الذم أو القدح أو التحقير عندما يتمّ ارتكابه علناً بهدف نشر معلومات أو صور أو رسومات تتعلق بشخص ما والإساءة إلى سمعته، وبتطور التشريعات اكتسب التشهير وصفاً قانونياً أكثر تحديداً في قانون الجرائم الإلكترونية الجديد، حيث أصبحت بعض الأفعال مثل تركيب أو تعديل الصور بقصد التشهير جريمة منفصلة بحد ذاتها.
ثانياً: أركان جريمة الذم والقدح والتحقير عبر المواقع الإلكترونية:

تقوم جرائم الذم والقدح والتحقير على ثلاث أركان أساسية وهي الركن القانوني والركن المادي والركن المعنوي:

  • الركن القانوني: يتحقق بوجود نص يجرّم الفعل وقد نصت مواد قانون الجرائم الإلكترونية الأردني المعدل على معاقبة ما يلي:
  1. نصت المادة (15/أ) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 وتعديلاته على ما يلي:

“يعاقب كل من قام قصدا بإرسال أو اعادة إرسال أو نشر بيانات أو معلومات عن طريق الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو الموقع الإلكتروني أو منصات التواصل الاجتماعي تنطوي على أخبار كاذبة تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي أو ذم او قدح او تحقير أي شخص بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (20000) عشرين ألف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.”

  1. نصت المادة (17) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 وتعديلاته على ما يلي:

” يعاقب كل من قام قصدا باستخدام الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو موقع الكتروني أو منصة تواصل اجتماعي لنشر ما من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات أو تستهدف السلم المجتمعي أو الحض على الكراهية او الدعوة إلى العنف أو تبريره أو ازدراء الأديان بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات أو بغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (20000) عشرين ألف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.”

 

  • الركن المادي: يقوم على فعل النشر أو الإرسال أو إعادة النشر باستخدام وسيلة إلكترونية، متضمنًا عبارات تمس الشرف أو الكرامة، وتتحقق العلانية بمجرد إتاحته للجمهور.
  • الركن المعنوي: ويتحقق القصد الجرمي العام بتوافر عنصري العلم والإرادة، إذ يجب أن يكون الجاني عالمًا بطبيعة المحتوى الذي يقوم بنشره أو إعادة نشره، ومدركًا لما ينطوي عليه من عبارات أو إشارات من شأنها المساس بشرف المجني عليه أو كرامته أو اعتباره، وأن تتجه إرادته الحرة إلى ارتكاب هذا الفعل باستخدام وسيلة إلكترونية، مع علمه بتحقق العلانية واتساع نطاق النشر، ولا يُشترط لتحقق القصد الجرمي أن يكون الجاني قد قصد إلحاق ضرر فعلي بالمجني عليه، بل يكفي علمه بأن فعله بطبيعته قادر على إحداث هذا الضرر، وهو ما ينسجم مع الطبيعة الخطرة للنشر الإلكتروني الذي تتضاعف آثاره بفعل سرعة الانتشار وإمكانية إعادة التداول، وقد يتخذ الركن المعنوي في بعض الحالات صورة القصد الجرمي الخاص وذلك عندما يكون الدافع من ارتكاب الذم أو التحقير الإلكتروني إثارة الفتنة و/أو التحريض على الكراهية و/أو تأجيج النعرات الاجتماعية أو الدينية و/أو زعزعة السلم المجتمعي، ففي هذه الحالة لا يقتصر سلوك الجاني على مجرد الإساءة الفردية، بل يتجاوزها إلى تهديد النظام العام والمصلحة العامة، وهو ما يُضفي على الجريمة خطورة مضاعفة تبرر تشديد العقوبة.
ثالثاً: العقوبات المقررة لمرتكبي جرائم الذم والقدح والتحقير ونشر قصداً منشورات بهدف إثارة الفتنة في المجتمع:

فرض المشرّع نصوصًا خاصة تُجرّم الذم والقدح والتحقير، وكذلك نشر المنشورات بقصد إثارة الفتنة أو التحريض، مقررًا عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية رادعة تتناسب مع جسامة الأثر المترتب على هذه الأفعال، ويعكس هذا التوجه حرص المشرّع على تحميل مستخدمي الوسائل الإلكترونية مسؤولية قانونية كاملة عن محتوى ما ينشرونه، تأكيدًا على أن حرية التعبير لا تمتد إلى الإساءة أو التحريض أو المساس بأمن المجتمع، وفي هذا الإطار، نص قانون الجرائم الإلكترونية صراحة على العقوبات المقررة لمرتكبي هذه الجرائم، وذلك وفق ما ورد في المواد ذات الصلة، وعلى وجه الخصوص المادتين (15/أ) و(17) اللتين تشكلان الأساس القانوني لتجريم هذه الأفعال وفرض الجزاءات المقررة عليه كما يلي:

  • نصت المادة (15/أ) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 وتعديلاته على ما يلي:

“يعاقب كل من قام قصداً بإرسال أو اعادة إرسال أو نشر بيانات أو معلومات عن طريق الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو الموقع الإلكتروني أو منصات التواصل الاجتماعي تنطوي على أخبار كاذبة تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي أو ذم او قدح او تحقير أي شخص بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (20000) عشرين ألف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.”

  • نصت المادة (17) من قانون الجرائم الالكترونية رقم (17) لسنة 2023 على ما يلي:

“يعاقب كل من قام قصدا باستخدام الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو موقع الكتروني أو منصة تواصل اجتماعي لنشر ما من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات أو تستهدف السلم المجتمعي أو الحض على الكراهية او الدعوة إلى العنف أو تبريره أو ازدراء الأديان بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات أو بغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (20000) عشرين ألف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.”

الخلاصة:

يُظهر التحليل القانوني لجرائم الذم والقدح والتحقير والتشهير في القانون الأردني وجود إطار تشريعي متكامل، يجمع بين القواعد التقليدية في قانون العقوبات والنصوص الحديثة في قانون الجرائم الإلكترونية، وقد برز بوضوح التوجه التشريعي نحو تشديد العقوبات في الفضاء الرقمي، مما يعكس جدّية المشرّع في التعامل مع هذه الجرائم التي باتت أكثر انتشاراً وتأثيراً، وتأتي العقوبات المنصوص عليها في القانون – سواء الحبس أو الغرامات – لتؤكد ردع القانون، وتجسد المبدأ القائل بأن حرية التعبير لا تمتد إلى الإساءة أو التحريض، وأن كل من يسيء استخدام الوسائل الإلكترونية يتحمل مسؤولية كاملة عن أفعاله، كما أن القانون يربط بين حماية الفرد وحماية المجتمع، بما يحقق توازنًا قانونيًا دقيقًا بين الحق الشخصي في الكرامة والسمعة وبين المصلحة العامة في الحفاظ على النظام العام.

المحامي سعد المحارمة

Back To Top