Skip to content

الضمان العشري

الإطار القانوني لمسؤولية المهندس والمقاول وفقاً لأحكام القانون المدني الأردني

يُعتبر ضمان المقاول والمهندس لسلامة المباني والمنشآت من أبرز صور المسؤولية الخاصة في القانون المدني الأردني، حيث يفرض على المهندسين والمقاولين مسؤولية عن سلامة المباني والمنشآت التي يقومون بإنشائها أو تصميمها. وقد نظمه المشرع الأردني في المواد (788-791) من القانون المدني الأردني. وتكمن الفكرة الجوهرية من هذا الضمان في حماية المصلحة العامة من خلال ضمان بقاء المباني صالحة للاستعمال وخالية من العيوب الجوهرية التي تهدد سلامتها أو تؤدي إلى انهيارها، باعتبار أن استقرار المباني من عناصر الأمن الاقتصادي والاجتماعي، حيث جاء في الفقرة الأولى من المادة (788)، أنه: “إذا كان عقد المقاولة قائماً على تقبُّل بناء، يضع المهندس تصميمه على أن ينفذه المقاول تحت إشرافه، كانا متضامنين في التعويض لصاحب العمل عمّا يحدث خلال عشر سنوات من تهدُّم كلي أو جزئي فيما شيداه من مبانٍ أو أقاماه من منشآت، وعن كل عيب يهدد متانة البناء وسلامته، إذا لم يتضمن العقد مدة أطول.” وبموجب الفقرة الثانية من ذات المادة، تبقى هذه المسؤولية قائمة حتى لو كان التهدّم أو الخلل ناشئاً عن عيب في الأرض ذاتها أو كان صاحب العمل قد قبل المنشأة المعيبة، وتبدأ مدة السنوات العشر من تاريخ تسلُّم العمل حسب الفقرة الثالثة. كما حددت المادة (789) من ذات القانون نطاق المسؤولية في حال لم يجتمع دوريّ التصميم والإشراف في شخص واحد؛ فإذا اقتصر دور المهندس على وضع التصميم دون الإشراف على التنفيذ، فإنه لا يضمن إلا عيوب التصميم، أما المقاول الذي يعمل تحت إشراف مهندس آخر أو تحت إشراف صاحب العمل، فلا يكون مسؤولًا إلا عن عيوب التنفيذ. وبذلك لا يُسأل المهندس المصمم غير المشرف عن عيوب التنفيذ، كما لا يُسأل المقاول المنفذ عن عيوب التصميم التي استند فيها إلى المخططات المقدمة إليه. كما أكدت المادة (790) منه أن أي شرط يُقصد به إعفاء المهندس أو المقاول من هذا الضمان أو الحدّ منه يقع باطلاً. ويستفاد من النصوص القانونية آنفة الذكر أن مسؤولية كل من المهندس والمقاول في عقد المقاولة تختلف حسب طبيعة الدور والعمل الذي يؤديه كل منهما، فإذا كان المهندس قد تعاقد مع رب العمل على وضع التصميم دون الاشراف على التنفيذ فإنه يكون مسؤولاً فقط عن عيوب التصميم لأن الخراج بالضمان والغرم بالغنم كما هو مبين فقهاً وشرعاً. وكذلك فيما يتعلق بالمقاول فإذا اقتصر دوره على تأدية وتنفيذ الأعمال التي تم تسليمها إليها من قبل المالك فإنه يكون مسؤولاً عن عيوب التنفيذ فقط. وأما فيما يتعلق بطبيعة المسؤولية التي نصت عليها المادة (788) والتي تتعلق بعقد المقاولة الذي يكون فيه المهندس قد قام بإعداد التصميمات والمخططات وقام المقاول بتنفيذها تحت إشراف ذلك المهندس، فالأصل في القواعد العامة أن الشخص لا يُسأل إلا عن خطئه الشخصي، ولا تُحمّل المسؤولية لأحد عن فعل غيره. غير أن المشرّع الأردني قد خرج عن هذا الإطار في نص المادة (788) حيث جعل كل من المهندس والمقاول متضامنين في التعويض لصاحب العمل عمّا يحدث خلال عشر سنوات من تهدُّم كلي أو جزئي فيما شيداه من مبانٍ أو أقاماه من منشآت، وعن كل عيب يهدد متانة البناء وسلامته، وهذا ما أكده قرار محكمة التمييز الموقرة بصفتها الحقوقية، رقم 8521/202، الصادر بتاريخ 20/9/2023.   

إلا أنه، وعلى الرغم من وضوح النصوص القانونية آنفة الذكر، فإن تطبيقها على الواقع العملي يغدو أكثر صعوبة مما يبدو عليه الأمر نظرياً، إذ تثور عدد من الإشكاليات عند تطبيق نص المادة (788) إذ يستفاد من نص المادة أعلاه أن المشرّع يتحدث عن عقد مقاولة لبناء يكون فيه دور المهندس يمتد ليشمل الإشراف على التنفيذ وليس مجرد وضع التصميمات والرسومات الهندسية وتحديد المواصفات. وعلى ذلك، فإن مدلول “المهندس” في هذا السياق القانوني يقصد به المهندس المصمم للعمل الذي أعدّ الخرائط والتصميم والذي قام بالإشراف على التنفيذ. ومن ذلك يتضح أن المشرّع يربط مفهوم “المهندس” في المسؤولية التضامنية المنصوص عليها في المادة (788) عندما يجتمع دوره كمهندس مصمم ومشرف على التنفيذ. إلا أن الأمر مختلف في العديد من الحالات، فمثلاً في عقود الـ (FIDIC) وهي نماذج معيارية عالمية للمشاريع الإنشائية، تتضمّن شروطاً عامة تنظم العلاقة في الأصل بين صاحب العمل والمقاول، وتحدد دور جهة إشراف محايدة تسمى (المهندس (“Engineer”) يتم تعيينه من جهة المالك لمراقبة الأعمال وإدارة العقد. ويعتبر من أهم أنواع عقود الفيديك الشائعة هما الكتاب الأصفر والكتاب الأحمر. في الكتاب الأحمر، يكون التصميم من صاحب العمل أو مستشاره بينما يقع التنفيذ على عاتق المقاول، ويقتصر دور المهندس على الإشراف وإصدار التعليمات دون إعداد التصاميم. أما في الكتاب الأصفر (التصميم والبناء)، فيتولى المقاول إعداد التصاميم والتنفيذ، وفي مثل هذا العقد يكون المهندس (“Engineer”)  أيضاً موجوداً كجهة إشراف مستقلة، لكن دوره إداري وفني في متابعة التقدم والتحقق من مطابقة التنفيذ لمتطلبات العقد دون أن يقدّم هو التصميم. وعليه، يلاحظ أنه في بعض نماذج الفيديك لا وجود لشخصية “المهندس” بالطريقة التي تبناها القانون المدني الأردني في المادة (788) الذي افترضت وجود مهندس مصمم مستقل عن المقاول لغايات قيام المسؤولية التضامنية، وإن هذه الاختلافات في هيكلة عقود الفيديك تفرز عقبة جوهرية في تحديد من يُسند إليه عبء المسؤولية عن العيوب التصميمية والإنشائية. وتبدو الإشكالية أكثر حدّة في الحالة التي يتولى فيها صاحب العمل إعداد التصاميم بنفسه أو تقديمها مباشرة إلى المقاول لتنفيذها، ففي هذه الصورة، يصبح من غير المنطق تطبيق نص المادة (788) لغياب شخصية المهندس على النحو الموصوف في هذه المادة، وهكذا ينشأ فراغ منطقي وحلقة مفرغة حول مدى إعمال نص المادة (788)، فإذا تمسّكنا بهذا النص بحرفيته، غدا صاحب العمل مسؤولًا عن العيوب التصميمية التي أعدها بنفسه، وهو ما يتنافى مع روح التشريع؛ أما إذا أُبقيت المسؤولية على المقاول وحده، رغم التزامه بتنفيذ مخططات مقدمة من صاحب العمل، فإننا نكون قد حمّلناه تبعة خطأ لم يرتكبه. ومن ثم، فإن هذا الوضع يهدد التوازن العقدي ويجعل النص القانوني في مواجهة عقود الفيديك غير منسجم مع الغاية الأساسية من المادة (788)، وهي حماية صاحب العمل وتعزيز الثقة في متانة البناء.

وعليه، يمكن القول أن المسؤولية التضامنية بين المهندس والمقاول لا تقوم إلا متى توافرت الحالة التي يجتمع فيها دور المهندس المصمم مع دور الإشراف على التنفيذ، بحيث يتولى المهندس إعداد التصاميم ويشرف في الوقت ذاته على تنفيذها من قبل المقاول. ففي هذه الحالة يكون كل من المهندس والمقاول مسؤولَان بالتضامن عن أي تهدم كلي أو جزئي أو أي عيب جسيم يصيب المبنى أو يهدد متانته وسلامته، باعتبار أن كليهما قد أسهم مباشرة في عناصر المشروع التي أفضت إلى الخلل.

وفي الختام، لا بد من التأكيد على أن تحديد الدور المنوط بكل طرف في عقد المقاولة بدقة ووضوح يُعد من أبرز المسائل الجوهرية التي ينبغي إيلاؤها عناية خاصة عند صياغة العقد خاصة في المشاريع الإنشائية الكبرى التي يتم تنفيذها وفقاً لعقود الفيديك في الأردن. فالاكتفاء بوصف أحد الأطراف بأنه “مهندس” والآخر بأنه “مقاول” لا يكفي لبيان نطاق الالتزامات والمسؤوليات. إذ يتعين تحديد ما إذا كان دور المهندس يقتصر على وضع التصاميم فقط، أو يمتد ليشمل الإشراف على تنفيذ المقاول، لما لذلك من أثر مباشر في تحديد نطاق مسؤوليته. وبهذا التحديد تتحقق الغاية من النصوص القانونية التي أرادت ربط الضمان بالفعل المادي المباشر الذي أسهم في ظهور العيب أو الخلل.

المحامية
رُلى زيادين

Back To Top