Skip to content

تعويض الشخص الإعتباري عن الضرر الأدبي في القانون الأردني

لطالما أحدث حق الشخص الاعتباري بالمطالبة بالتعويض عن الضرر الأدبي جدلاً فقهياً وقضائياً واسعاً، إذ ظل هذا الاتجاه غريباً وصعب التصور بالتوازي مع طبيعة الشخص الاعتباري التي قررها القانون ومفهوم الضرر الأدبي الذي أخذ به الفقه والقضاء، والذي ظل راسخاً لدى غالبية الاتجاهات الفقهية والقضائية بمفهوم العواطف والشرف والأحاسيس والمشاعر. ولما كان الفقهاء وشراع القانون قد قرّروا بلا جدال حق الشخص الطبيعي في التعويض عن الأضرار الأدبية التي تصيب مشاعره أو سمعته أو مركزه الاجتماعي، فإن التساؤل يثور بإلحاح حول مدى امتداد هذا الحق ليشمل الأشخاص الاعتباريين، الذين وإن كانوا يفتقرون إلى الأحاسيس والمشاعر الإنسانية، إلا أنهم يتمتعون بكيان قانوني مستقل وذمة مالية خاصة وسمعة تجارية؟

في قرار صادر عن محكمة التمييز الموقرة بهيئتها العامة رقم (5827/2019)، حسمت المحكمة مسألة جوهرية تتعلق بأحقية الشخص الاعتباري أو الحكمي في المطالبة بالتعويض عن الضرر الأدبي والمعنوي، متراجعة عن أي اجتهادات سابقة كانت تنفي هذا الحق أو تجادل فيه، فقد أكدت المحكمة في قرارها المذكور أن الضرر المعنوي لا يقتصر على الأشخاص الطبيعيين على الرغم من ارتباطه تقليدياً بالأحاسيس والمشاعر، ولكنه فيما يتعلق بالشخص الاعتباري فقد ربطت الضرر المعنوي “بما يصيبها كشخص اعتباري في سمعتها ومركزها بين الشركات المنافسة وعملائها والجهات الرسمية” مما يترتب عليه ضرر معنوي حقيقي يستوجب التعويض.

وفي هذا الخصوص، فتجدر إلى أن الفقه قد عرف الشخص الحكمي أو الاعتباري على أنه: “جملة الأشخاص والأموال التي تثبت لها الشخصية القانونية والمعترف بها من قبل القانون، والتي يمنحها القانون أيضاً كافة الحقوق عدا ما يلازم منها الصفة الإنسان.” وكذلك فقد عرفه القانون المدني الأردني في نص المادة (50) منه على أنه: “الدولة والبلديات بالشروط التي يحددها القانون، وكذلك المؤسسات العامة وغيرها من المنشآت التي يمنحها القانون هذه الصفة والهيئات والطوائف الدينية التي تعترف لها الدولة بالشخصية الحكمية والوقف والشركات التجارية والمدنية والجمعيات والمؤسسات المنشأة وفقًا لأحكام القانون، وكذلك كل مجموعة من الأشخاص أو الأموال تُثبت لها الشخصية الحكمية بمقتضى نص في القانون.

وأما من حيث حقوق للشخص الاعتباري، فقد حسمت المادة (51) من ذات القانون الجدل بنصها على ما يلي: “الشخص الحكمي يتمتع بجميع الحقوق إلا ما كان منها ملازماً لصفة الانسان الطبيعية وذلك في الحدود التي قررها القانون. فيكون له ذمة مالية مستقلة، وأهلية في الحدود التي يعيّنها سند إنشائه أو التي يقرّرها القانون، وحق التقاضي وموطن مستقل … ويكون له من يمثله في التعبير عن إرادته.”

كما جاء القانون المدني الأردني في إطار تكريسه لمبدأ العدالة وضمان حماية الحقوق، لينص في المادة (256) على ما يلي: “كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر”.

وهو نص مطلق يشمل كل من يقع عليه الضرر، سواء كان شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً. وكذلك ما جاء في نص المادة (267/1) من ذات القانون والتي نصت على ما يلي:

يتناول حق الضمان الضرر الأدبي كذلك فكل تعد على الغير في حريته أو في عرضه أو في شرفه أو في سمعته أو في مركزه الاجتماعي أو في اعتباره المالي يجعل المتعدي مسؤولا عن الضمان.”

وباستقراء النصوص آنفة الذكر، فيتضح أن المشرع الأردني قد جاءت نظرته عامة مطلقة ولم يحدد نطاق تطبيق النصوص القانونية المتعلقة بالتعويض عن الضرر الأدبي على الأشخاص الطبيعيين دون الأشخاص الحكمية، وأكد على أن كل تعدِ مهما كانت طبيعته يكون بمثابة ضرر واقع فعلاً ويجب ضمانه والتعويض عنه دون تفريق بين طبيعة شخص المضرور سواء كان شخصاً اعتبارياً أو طبيعياً.

وعلى الرغم من أن القرار محل البحث قد تبنّى الاجتهاد الحديث وطبّق النصوص القانونية ذات العلاقة بما يحقق الغاية التشريعية منها، إلا أنّه قد يؤخذ على تعليل محكمة التمييز الموقّرة في فقرتها الحكمية عند بيانها للأساس الذي اعتمدته للحكم للشخص الاعتباري بالتعويض عن الضرر الأدبي، إذ أشارت إلى أن الأضرار الأدبية للشخص الاعتباري هي في حقيقتها أضراراً مالية مشيرة إلى ما يلي:

“وفي الحالتين أن هذه الأضرار الاعتبارية (المعنوية) التي تصيب الشخص الاعتباري هي في حقيقتها أضرار مالية وليست معنوية ففي الحالة الأولى وهي الأضرار التي تصيب الشخص الاعتباري نتيجة مباشرة نشاطه هي أضرار من شأنها أن تعيقه عن تأدية نشاطه في الحال والاستقبال ومن ثم فإن حقيقتها أضرار مالية.

وفي الحالة الثانية والتي تصيب الأشخاص الاعتبارية والمتمثلة في المساس بسمعته واعتباره هي أضرار لا تتصل بالجانب النفسي أو العاطفي للشخص الاعتباري فهي في حقيقتها أضرار مالية، وعليه فإن من حق المضرور من الفعل الضار المطالبة بالتعويض من أي متعدٍ سواء أكان المعتدى عليه شخصا طبيعياً أم اعتبارياً (معنوياً).”

ولكن، كان يجدر على المحكمة الموقرة أن تسبب قرارها وتأخذ بعين الاعتبار أن التعويض الواجب تقريره هو عن الضرر الأدبي المعنوي، ليس باعتباره ضرراً مالياً ذلك أن جوهر الاعتداء يتمثل في النيل من السمعة والاعتبار والمكانة الاجتماعية للشخص الاعتباري، وهي قيم معنوية محضة تحظى بالحماية القانونية المستقلة، فالضرر هنا يقوم بمجرد المساس بهذه القيم، وأن أي اعتداء عليهما يشكل ضررًا أدبيًا قائمًا بذاته يستوجب الجبر، وكان من باب أولى أن تؤكد المحكمة على أن هذا الضرر هو ضرر أدبي يؤول لاحقاً إلى حق مالي نتيجة للتعويض وليس أن تشير إليها على أنها “أضراراً مالية” مما قد يفتح الباب إلى تأويل هذا المبدأ والاحتجاج بأن الأضرار المالية يجب أن يتم اثباتها فعلاً على الرغم من أن الضرر المعنوي لا يتصور إثباته إلا من خلال الخبرة، وأن إثبات التصرفات أو الأقوال أو الأفعال التي تصدر عن الطرف الآخر، والتي يكون من شأنها النيل من السمعة أو مركز الشخص الاعتباري يعد كافيًا لقيام المسؤولية عن الضرر الأدبي المعنوي، ويبرر المطالبة بالتعويض المادي عنه. فعلى الرغم من أن التعويض المقرر لهذا النوع من الضرر يأخذ صورة مالية، إلا أن ذلك لا يغير من طبيعته ولا يحوله إلى ضرر مالي، إذ أن التعويض المالي هنا ليس سوى وسيلة لجبر الضرر المعنوي الذي أصاب الكيان القانوني في صورته واعتباره أمام الغير.

إلا أن ذلك لا ينال من القرار المذكور ولا ينقص من أهميته إذ يعتبر هذا الاجتهاد خطوة مهمة نحو تكريس مبدأ المساواة أمام القانون بين الأشخاص على اختلاف طبيعتهم، ويؤكد على أن العدالة لا تقتصر على حماية المشاعر الفردية، بل تمتد إلى حماية السمعة والمكانة والاعتبار التجاري للأشخاص الاعتباريين. وهو ما يشكّل ضمانة لاستقرار المعاملات، وردعاً لأي تعدِ أو مساس بحقوقهم المعنوية، ويعزز الثقة في البيئة الاستثمارية، ويؤسس لمرحلة جديدة من الحماية القانونية تتماشى مع المعايير الحديثة في القوانين المقارنة والتشريعات الدولية.

وعليه، فإن القانون الأردني، نصاً وتطبيقاً قد وفر مظلة شاملة لحماية الأشخاص الاعتباريين من الأضرار الأدبية سواء كانت مادية أم معنوية، ويبقى تطوير معايير تقدير هذا التعويض وتعزيز الاجتهاد القضائي بشأنه ضرورة لتحقيق عدالة أكثر وضوحاً وتوازن.

المحامي سعد محارمة

Back To Top