Skip to content

التحول من الفواتير التقليدية إلى الإلكترونية في ظل نظام الفوترة الوطني الإلكتروني

التحول من الفواتير التقليدية إلى الإلكترونية في ظل نظام الفوترة الوطني الإلكتروني

شهدت المملكة الأردنية الهاشمية تطوراً ملحوظاً في مجال التحول الرقمي، ولا سيما في قطاع الخدمات الحكومية، حيث ساهمت أتمتة هذه الخدمات في تسهيل الإجراءات وتسريع الوصول إلى المعلومات، مما انعكس إيجاباً على كفاءة المعاملات ودقتها، وساهم في الحد من الأخطاء البشرية.

وفي ظل هذا التوجه المتسارع نحو الرقمنة، جاء تطبيق نظام الفوترة الوطني الإلكتروني خطوة استراتيجية في إطار تطوير منظومة الفوترة، من خلال أتمتة عملية إصدار الفواتير للأشخاص والجهات المكلفة ضريبياً، بما يُحقق الامتثال للتشريعات الضريبية المعمول بها، ويُواكب تطورات العصر.

يتناول هذا المقال شرحاً لمفهوم نظام الفوترة الوطني الإلكتروني، وأهدافه، والجهات الملزمة والمستثناة من تطبيقه، والجزاءات المترتبة على عدم الالتزام به، إضافة إلى التحديات المصاحبة لتطبيقه، والتوصيات المقترحة للتغلب على هذه التحديات.

أولاً: تعريف نظام الفوترة الوطني الإلكتروني

نظام الفوترة الوطني الإلكتروني يُعد أحد أدوات التحول الرقمي الرامية إلى تحديث آليات التعاملات التجارية والمالية، إذ يتم بموجبه استبدال الفواتير الورقية بفواتير إلكترونية تُصدر وتُحفظ إلكترونياً بما يضمن الامتثال لتشريعات المملكة الأردنية الهاشمية في إدارة المعاملات الضريبية بمرونة وسلاسة ضمن منظومة رقمية متكاملة تشمل جميع المكلفين دون تفرقة، ويُطبق هذا النظام على المشتريات المحلية من السلع والخدمات التي يتطلب ضريبياً أن تكون مُعززة بموجب فواتير أصولية لغرض اعتمادها كنفقات مقبولة ضريبياً.

لغايات طرح النظام بالتنفيذ في المملكة الأردنية الهاشمية، صدر النظام المعدل لنظام تنظيم شؤون الفوترة والرقابة عليها رقم (2) لسنة 2025 بمقتضى نص المادة (23) من قانون ضريبة الدخل الأردني رقم (23) لسنة 2014، والذي دخل حيز التنفيذ اعتباراً من (١) نيسان 2025. وبموجب أحكامه، أُلزمت كافة الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين الخاضعين لأحكام قانون ضريبة الدخل باعتماد الفاتورة الإلكترونية، سواء كانت صادرة من خلال برنامج الفوترة الوطني الإلكتروني، أو عبر نظام فواتير خاص تم ربطه تقنيًا بالبرنامج الوطني، مع استثناء الفئات التي نص عليها النظام أو التعليمات الصادرة بموجبه.

ويترتب على ذلك، أن منصة الفوترة الإلكترونية المتاحة على الموقع الرسمي لدائرة ضريبة الدخل والمبيعات تُمكّن المكلفين من إصدار الفواتير مباشرةً في حال عدم امتلاكهم نظامًا محاسبيًا خاصًا، أو ربط أنظمتهم المحاسبية القائمة بالنظام، وبذلك تم الاستغناء عن كافة أشكال الفواتير التي كانت مُعتمدة بموجب النظام الأصلي.

وفي ضوء التعديلات ذاتها، تم أيضاً تعديل نظام المصاريف والمخصصات والاستهلاك والإعفاءات بموجب النظام رقم (2) لسنة 2025، ليُصبح اعتماد الفاتورة الإلكترونية- الصادرة عن برنامج الفوترة الوطني الإلكتروني أو عن نظام مرتبط به – شرطًا أساسيًا لتطبيق أحكام تنزيل المصاريف المقبولة المتعلقة بالمشتريات المحلية من السلع والخدمات، اعتباراً من التاريخ ذاته.

تتولى دائرة ضريبة الدخل والمبيعات عملية إصدار الفواتير وتنظيمها من خلال برنامج الفوترة الوطني الإلكتروني أو من خلال الربط المباشر مع هذا البرنامج، كما تضطلع الدائرة بمتابعة تنفيذ النظام والإشراف على جميع شؤون الفوترة من خلال وحدة متخصصة تتولى مسؤولية إدارة نظام الفوترة، بما في ذلك؛ ربط أنظمة الفوترة الخاصة بالمكلفين مع أنظمة الدائرة، ونقل البيانات والمعلومات من الأنظمة الإلكترونية إلى نظام مركزي معتمد لدى الدائرة.

إن نظام الفوترة الوطني الإلكتروني متاح لانضمام جميع الشركات والأفراد والمنشآت الملزمة بنظام الفوترة التي ليس لديها أنظمة محوسبة أو لديها أنظمة محوسبة، ويتمتع النظام بأمان عال ويتميز بحماية البيانات ويحافظ على سريتها.

ثانياً: أهداف نظام الفوترة الوطني الإلكتروني:

تتجلى أهمية تبنّي نظام الفوترة الوطني الإلكتروني كخطوة استراتيجية تُعزز من حوكمة العمليات، وتُسهم في تحسين بيئة الأعمال بما يتماشى مع التطورات التقنية والمعايير التنظيمية الحديثة، حيث جاء هذا النظام يهدف إلى خلق بيئة تجارية منظمة تعزز من الشفافية، وتُقلل من التهرب الضريبي، وتدعم الاقتصاد الوطني من خلال تنظيم إصدار الفواتير وإتاحة الفرصة للدولة لمراقبة تطبيق القوانين الضريبية ذات العلاقة، ومساعدة الدولة في التعرف على الإيرادات الحقيقية التي تجنيها المؤسسات والكيانات من الأنشطة التجارية، وتتبع الأنشطة التجارية المشبوهة للقضاء عليها.

كما أن النظام يحد من مشكلات التدقيق المحاسبي والمالي اليدوي اللازم لمتطلبات الضريبة، وكذلك تجنب فقدان البيانات المالية الهامة التي يترتب عليها أعباء مادية إضافية، والتخلص من أعباء النقل اليدوي للفواتير والبيانات المالية لتسليمها إلى مكاتب مدققي دائرة ضريبة الدخل والمبيعات بالمملكة الأردنية، بالإضافة إلى سرعة إنجاز المعاملات الضريبية والإقرارات التي يتم تقدميها من الملتزمين، وتسريع الحصول على براءة ذمة ضريبة الدخل.

يُعزز نظام الفوترة الأردني حماية حقوق المشتري والبائع من مخاطر السرقة والاحتيال الناتجة عن التعامل مع الفواتير الورقية المزورة أو المشكوك فيها، مما يوفر بيئة تجارية آمنة مستندة إلى تقنيات تأمين مُتقدمة بالذكاء الاصطناعي ومتواكبة مع التطورات التكنولوجية في العصر الرقمي.

ثالثاً: الجهات المُلزمة والمستثناة من نظام الفوترة الوطني الإلكتروني:

بموجب نظام تنظيم شؤون الفوترة والرقابة عليها، فإن الجهات الملزمة والمستثناة من التسجيل بنظام الفوترة الوطني الإلكتروني، على النحو الآتي:


– الجهات الملزمة بنظام الفوترة الوطني بالأردن:

وفقاً لأحكام نظام تنظيم شؤون الفوترة والرقابة عليها رقم (34) لسنة 2019 وتعديلاته والتعليمات الصادرة بموجبه، فإنه على بائع أي سلعة أو خدمة لا تقل قيمتها عن دينار واحد تنظيم فاتورة أصولية ما لم يكن مُستثنى بموجب أحكام نظام تنظيم شؤون الفوترة والرقابة عليها أو بموجب أحكام التعليمات الصادرة بموجبه، وذلك على النحو الآتي:

أ. شروط الفاتورة والاحتفاظ بها:

على بائع أي سلعة أو خدمة لا تقل قيمتها عن دينار واحد تنظيم وإصدار فاتورة من نسختين على الأقل، بحيث تشمل الفاتورة الصادرة عن نظام الفوترة الإلكتروني على سبيل المثال؛ مربع رمز الاستجابة السريعة للمسح QR Code للفاتورة بحيث يتيح الرجوع للفاتورة بكل سهولة، بالإضافة إلى أنها تحتوي على كامل بيانات البائع والمشتري، ومعلومات السلعة أو الخدمة، ورقم الفاتورة الإلكترونية، وتاريخ إصدار الفاتورة، وإجمالي المدفوع والمتبقي، وإجمالي الفاتورة قبل الخصم، وإجمالي قيمة الفاتورة، بحيث تعتمد بيانات برنامج الفوترة الوطني الإلكتروني بدلاً من الاحتفاظ بالفاتورة ورقياً بموجب النظام.

وبموجب النظام تم إلزام كل شخص مكلف بتنظيم وإصدار الفاتورة بالاحتفاظ بها لمدة أربع سنوات تبدأ من آخر أي من التواريخ الآتية:

  • تاريخ انتهاء الفترة الضريبية التي تم تنظيم وإصدار الفاتورة فيها.
  • تاريخ تقديم الإقرار الضريبي.
  • تاريخ تبليغ الإشعار بنتيجة إقرار تقدير إداري.

كما ألزم النظام الاحتفاظ بالفاتورة في حال وجود نزاع عليها أو على مقدار الضريبة المستحقة أو على أي غرامات ومبالغ متعلقة بها إلى حين البت في النزاع أو صدور قرار قطعي من المحكمة وفي الأحوال جميعها يجب أن لا تقل مدة الاحتفاظ عن أربع سنوات.

ب. التزامات البائع:

يتوجب على البائع تسليم نسخة من الفاتورة إلى المشتري وفقاً للطريقة المستخدمة في تنظيم وإصدار الفواتير وتحفظ باقي النسخ لدى البائع، بحيث إذا زادت قيمة الفاتورة على (10000) دينار يُثبت البائع استلامها من قبل المشتري، ويتوجب على البائع إصدار وتنظيم الفاتورة عند تحقق واقعة البيع، حيث نصت تعليمات شؤون الفوترة والرقابة عليها بأن تنظيم واصدار الفاتورة يكون في حالة البيع، أما في حال وضع السلعة برسم الأمانة لدى الغير لا يتطلب تنظيم واصدار الفاتورة شريطة أن تكون السلعة صادرة بموجب مستندات تعزز ذلك، وللدائرة طلب ما يثبت أنها بهذه الصفة، كما ألزم النظام البائع بتمكين الدائرة من نقل البيانات والمعلومات كافة المتعلقة بالفواتير ومحتوياتها إلكترونياً وعلى أن تتولى الوحدة في دائرة ضريبة الدخل والمبيعات هذه المسؤولية.

أما مسؤولية مطابقة البيانات والمعلومات الواردة في الفاتورة مع الواقع الفعلي لعملية بيع السلعة أو تقديم الخدمة، فإنها تقع على كل من البائع والمشتري على حد سواء وكل منهما مسؤول عن الفواتير غير المطابقة للواقع الفعلي.

لقد منح النظام للأسواق التجارية أو أي جهة أخرى إمكانية تنظيم فاتورة إجمالية لكل يوم تشمل مبيعاتها اليومية جميعها بموافقة مدير عام دائرة ضريبة الدخل والمبيعات المسبقة وبناء على طلب من هذه الجهات، وينظم ذلك بموجب تعليمات يصدرها وزير المالية لهذه الغاية.

كما أتاح النظام فرصة تعديل بيانات الفواتير أو إصدار نماذج وفواتير تتفق وطبيعة نشاط البائع أو الجهة الخاضعة للنظام، بحيث يتم تقديم طلب خطي إلى مدير عام دائرة ضريبة الدخل والمبيعات، بناءً على توصية لجنة فنية يشكلها في دائرة ضريبة الدخل والمبيعات.

– الجهات المستثناة من نظام الفوترة الوطني بالأردن:

يُستثنى عدد من الجهات من الالتزام بتنظيم وإصدار الفاتورة وفقًا لأحكام نظام تنظيم شؤون الفوترة والرقابة عليها والتعليمات الصادرة بموجبه، مع منحها الحق بتقديم طلب خطي إلى دائرة ضريبة الدخل والمبيعات لغايات إصدار الفاتورة، وفي حال الموافقة، تُطبّق عليها أحكام النظام ذات العلاقة.

كما يُلزم أي شخص أو جهة غير خاضعة في الأصل لهذا الالتزام، بتنظيم وإصدار الفاتورة في حال قيامه ببيع سلعة أو تقديم خدمة وتوافرت أدلة كافية تشير إلى أن مبيعاته تجاوزت الحد القانوني المقرر، وتُطبق عليه في هذه الحالة أحكام النظام. وفيما يلي الجهات المستثناة:

  1. المنشآت والأعمال المرخصة التي تقل مبيعاتها السنوية عن (75) ألف دينار، وهي: البقالات (ميني ماركت، أو سوبر ماركت، أو دكان)، مكتبات بيع الكتب والقرطاسية، محلات بيع الخضار والفواكه، محلات بيع الأدوات المنزلية، المخابز، المطاعم الشعبية، الأعمال المنزلية، محلات بيع الألبان، محلات بيع أدوات الخياطة.
  2. الحرف المرخصة في أي من محافظات المملكة حسب التشريعات المعمول بها التي تقل إيراداتها السنوية عن (30) ألف دينار.
  3. المخابز التي تبيع الخبز فقط، وتقل مبيعاتها السنوية عن 150000 دينار.

رابعاً: الجزاءات التي تترتب على عدم إصدار الفاتورة وفقاً لنظام الفوترة الوطني الأردني

بموجب قانون ضريبة الدخل والأنظمة الصادرة بموجبه، هنالك جزاء يترتب على كل من لم يصدر فاتورة ضريبية يتمثل بفرض غرامة تعويضية تعادل مثل الفرق الضريبي، وتكون العقوبة في حال التكرار على النحو الآتي:

  1. الحبس مدة لا تقل عن أربعة أشهر ولا تزيد على سنة واحدة في حال التكرار للمرة الثانية.
  2. الحبس مدة لا تقل عن سنة واحدة ولا تزيد على سنتين في حال التكرار للمرة الثالثة.
  3. الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على ثلاث سنوات في حال التكرار للمرة الرابعة وما يليها.

وهنالك أيضاً جزاء يترتب على امتناع المكلف عن إصدار فاتورة أو مستند عند طلبها من قبل المستفيد بحيث تفرض عليه ضريبة مضافة لا تقل عن مائتي دينار ولا تزيد على خمسمائة دينار وتضاعف تلك الضريبة المضافة في حال التكرار.

خامساً: تحديات نظام الفوترة الوطني الإلكتروني:

تُواجه بعض المنشآت العاملة في المملكة الأردنية الهاشمية وبالنظر إلى اتساع حجم أنشطتها التجارية وتعدد وتنوع تعاملاتها التجارية، فضلاً عن التعاملات مع الجهات المختلفة المحلية والدولية العديد من التحديات خلال سعيهم للامتثال للالتزامات والإجراءات المترتبة عليهم بموجب نظام تنظيم شؤون الفوترة والرقابة عليها رقم (13) لسنة 2023، والنظام المعدل لنظام المصاريف والمخصصات والاستهلاك والإعفاءات رقم (2) لسنة 2025، ولا سيما تلك المرتبطة بآليات تطبيق عمليات الفوترة من خلال نظام الفوترة الوطني الإلكتروني، بما في ذلك ما يتطلبه من تجهيزات تقنية وإدارية تتناسب مع طبيعة وحجم أعمال هذا القطاع الحيوي.

إن أبرز ما تواجهه المنشآت من تحديات تتمثل بأن النظام يرتب تكاليف أو أعباء مادية إضافية على المكلفين نتيجة لمتطلبات الربط المحاسبي والإلكتروني، حيث تُعتبر هذه العقبة من أبرز العقبات التي تُواجهها الشركات الكبيرة لا سيما بالنسبة للشركات التي تمتلك عشرات الفروع المنتشرة في مختلف أنحاء المملكة، والتي تعمل تحت رقم ضريبي واحد، الأمر الذي يُصعّب ويُعقد عملية إصدار الفواتير ومتابعتها بشكل يومي ومنفرد لكل فرع، خاصًة وأن طبيعة العمل في هذا القطاع يرتكز على أسلوب الإدخال الإجمالي للمبيعات في نهاية كل يوم، وهو ما يجعل من إصدار فاتورة لكل عملية بيع منفردة أمراً غير عملي، ويحتاج إلى وقت وجهد يتعارضان مع طبيعة سير العمل في هذه الشركات.

كما أن من بين التحديات التي تواجهها المنشآت، تلك المتعلقة بفوترة العمليات المالية الناتجة عن التعامل مع الفئات المستثناة من التسجيل في نظام الفوترة الوطني الإلكتروني، كأصحاب المشاريع الصغيرة أو الموردين المحليين غير الملزمين بالتسجيل في النظام؛ الأمر الذي يؤدي إلى إرباك في العلاقات التعاقدية، ويُلزم هذه الفئات بالتسجيل فقط لإتمام تعاملاتهم مع الشركات، وهو ما قد يؤدي مستقبلاً إلى عزوفهم عن التعاون التجاري مع الشركات، وبالتالي التأثير سلباً على سلسلة التوريد والتشغيل.

وتضاف إلى هذه التحديات، عقبة توثيق العمليات النقدية البسيطة أو العمليات المستعجلة؛ فالنظام الحالي قد يصعب من توثيق هذه العمليات إلكترونيًا، ما ينعكس سلبًا على إمكانية متابعة الإيرادات والمصاريف بدقة.

كما أن هنالك تحدٍ يتعلق بضمان استمرارية العمل في حال انقطاع خدمة النظام الإلكتروني، إذ انه في حال حدوث أي تعطل أو توقف مفاجئ للنظام فلا توجد آلية واضحة لمعالجة التوقف المؤقت أو الطارئ، مما يُعرض المُكلفين لخطر عدم الامتثال للالتزامات القانونية أثناء هذه الفترة، بينما يجب منح الوقت الكافي لإصلاح النظام وإعادة تشغيله دون التأثير على سير العمل.

ويُطرح تحدٍ جوهري يستوجب تسليط الضوء عليه ويستدعي إيجاد حل قانوني وواقعي عاجل، والمتمثل في مسألة تنزيل المشتريات والمصاريف التشغيلية كمصروفات مقبولة ضريبيًا في ضوء التعليمات الصادرة بموجب نظام الفوترة الوطني الإلكتروني. حيث نصّت تلك التعليمات على جواز تنزيل المصاريف المقبولة من الدخل الإجمالي للمكلّف عن كل مصدر دخل خاضع للضريبة خلال الفترة الضريبية، وذلك وفقًا لأحكام القانون والنظام، غير أن التعليمات ذاتها اشترطت ضرورة توفر فاتورة إلكترونية معتمدة وصادرة وفقاً للنظام كشرط أساسي للاعتراف بتلك المصاريف واعتمادها لغايات تنزيلها ضريبيًا.

وفي هذا السياق، يثار تساؤل مشروع يتعلق بمدى إمكانية إثبات المصاريف والمشتريات المنفذة من قبل المكلفين الخاضعين والمسجلين ضمن نظام الفوترة، في حال كانت تلك المشتريات تتم مع جهات غير خاضعة أو مستثناة من التسجيل في النظام أو جهات غير ملزمة بإصدار فواتير الكترونية سواء كانوا  أفرادًا غير مكلفين أو منشآت معفاة أو تلك التي لا تصدر فواتير إلكترونية متوافقة مع متطلبات النظام أو جهات خارجية غير أردنية، إذ يُلاحظ عملياً أن النظام لا يعترف بأي فاتورة غير إلكترونية، ما يترتب عليه عدم إمكانية تنزيل المصاريف والمشتريات من قائمة المصاريف الضريبية المقبولة -رغم أنها مصاريف حقيقية ومرتبطة بالنشاط الاقتصادي للمكلّف- والإقرار الضريبي، وبالتالي فقدان المكلف لأحد أهم أدوات الإثبات المحاسبي والضريبي لمشروعية مصاريفه التشغيلية، وهو ما يشكّل عبئاً مالياً وواقعياً على الشركات المسجلة في النظام، لا سيما في ظل حالات التعاقد أو الشراء من جهات غير خاضعة أو لا تصدر فواتير إلكترونية.

ويترتب على ما سبق أن النظام، بصيغته الحالية، لا يخدم الجهات المكلفة من جميع النواحي، إذ أنه لا يُتيح آلية قانونية واضحة وعادلة للتعامل ولاعتماد المصاريف الفعلية الناشئة عن مشتريات محلية من جهات غير مسجلة، أو عن مستوردات خارجية، ما يؤدي إلى اعتبارها غير مقبولة ضريبيًا ويُفضي إلى فقدان المكلفين لحقهم في تنزيل المصاريف الحقيقية، ويؤثر سلباً على مبدأ العدالة الضريبية وتكافؤ الفرص بين المكلفين.

فعلى سبيل المثال، إذا قامت شركة “س“، وهي شركة مسجّلة في نظام الفوترة الوطني الإلكتروني، بشراء سلعة لأغراض الضيافة من محل سوبر ماركت “ص” بموجب فاتورة تقليدية، فإن تلك المصاريف لا تُعتبر مقبولة ضريبياً وفقًا للتعليمات المعمول بها، رغم أن النظام قد استثنى بعض المنشآت من التسجيل فيه. وهنا يُثار تساؤل قانوني مهم: ما هو الإجراء السليم الذي يمكن لشركة “س” اتخاذه لغايات إثبات هذه المصاريف وتنزيلها ضريبياً؟

من هذا المنطلق، يُطرح تساؤل أوسع حول مدى تأثير نظام الفوترة الوطني الإلكتروني على ظاهرة التهرب الضريبي، لا سيما وأن الهدف المعلن من النظام يتمثل في الحد من هذا التهرب وتعزيز الشفافية والامتثال الضريبي. إلا أن التطبيق العملي قد يُفضي إلى نتائج عكسية وغير محمودة، إذ أن عدم ملائمة النظام لطبيعة الأنشطة المتنوعة للمنشآت قد يدفع العديد منها إلى العزوف عن إدخال وإدراج مصاريفها ومشترياتها ضمن قيودها وإقراراتها الضريبية، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى توسع فجوة التهرب الضريبي بدلاً من الحد منها، وذلك نظرًا لأن البائع، إذا كان غير مكلّف بالتسجيل سواء كان فرد أم منشأة، فإنه لا يصدر فاتورة إلكترونية، الأمر الذي يجعل من نظرية الملتزم لا يتعامل إلا مع ملتزم غير قابلة للتطبيق في هذه الحالة، وما يحول بالنتيجة إلى إعطاء المشتري فرصة عدم إدخال تلك المشتريات أو المصاريف ضمن بياناته الضريبية، على الرغم من أن حجم المشتريات يُعد مؤشّرًا جوهريًا لقياس حجم الإيرادات الفعلية للمنشأة، وبالتالي تحديد مدى التهرب الضريبي من عدمه.

ومن ناحية أخرى، فإن مثل هذا الواقع قد يؤدي إلى تفشي التعاملات النقدية في السوق، نتيجة ميل بعض المنشآت والأفراد إلى تفضيل هذا النوع من المعاملات لتفادي متطلبات إصدار الفواتير، ما يضعف قدرة دائرة ضريبة الدخل والمبيعات على تتبع الدخل الحقيقي لتلك المنشآت والأفراد. كما قد يشكل هذا الوضع بيئة خصبة لممارسات التلاعب، سواء من خلال إصدار فواتير وهمية أو تعديل قيم الفواتير بشكل متعمد بهدف تقليص الوعاء الضريبي المصرّح به، لا سيما في حال غياب الرقابة الفعالة على النظام وآليات تطبيقه.

ومن الجدير بالذكر أن النظام، في جوهره، قد استهدف فئة محددة من المكلّفين، لا سيما الشركات المتوسطة والصغيرة التي كانت في الأصل تُعد من الفئات الملتزمة ضريبيًا. حيث شدد الرقابة عليها فقط في حين لا زالت الفئات المكلفة والمُتهربة ضريبياً في معزل عن عمليات الفوترة الإلكترونية، حيث أن النظام لم يحدد طريقة أو آلية لضمان التزام تلك الفئات، وهو ما يخلق فجوة في العدالة الضريبية ويفسح المجال لممارسات غير قانونية، في الوقت الذي تُثقل فيه كاهل الفئات الملتزمة بتكاليف الامتثال الفني والقانوني.

على الرغم من الأهداف الإيجابية لنظام الفوترة الوطني في تعزيز الشفافية ومعالجة التهرب الضريبي، إلا أن تلك التحديات قد تؤدي إلى سلوكيات غير قانونية إذا لم يتم التعامل معها بأسرع وقت، كما أن هذه التحديات تُحدث فجوة بين تطبيق النظام وبين الأهداف المرجوة منه؛ حيث لا يتناسب النظام مع طبيعة أعمال جميع الشركات. كان من الأجدر أن يتم اعتماد هذا النظام بعد دراسة مدى ملاءمته للبنية التحتية التكنولوجية للمنشآت وإلمامه بجميع أنواع أنشطتها.

التوصيات

  1. إعادة النظر في بعض الجوانب العملية لنظام الفوترة الوطني الإلكتروني، واستحداث آليات قانونية مرنة تكفل للمكلفين إمكانية إثبات المصاريف الفعلية حتى تصبح مقبولة ضريبياً بالنسبة لجميع القطاعات سواء الخدمية أو التجارية والصناعية، لا سيما في الحالات التي يتعذر فيها الحصول على فاتورة إلكترونية مكتملة الشروط، بسبب التعامل مع جهات مستثناة أو أفراد غير خاضعين للضريبة.
  2. تشكيل لجنة مختصة بالتعاون مع ممثلي المنشآت ذات الأنشطة الاقتصادية الكبيرة؛ خاصةً تلك الحاصلة على عقود امتياز وارتباط أنظمتها المحاسبية بأنظمة الشركة الأم المحاسبية، لغايات تنسيق الحوار والتعاون بخصوص التحديات التي تواجههم أثناء امتثالهم لنظام الفوترة الوطني الإلكتروني.
  3. مراجعة مدى ملاءمة النظام للبنية التحتية التقنية والتنظيمية في مختلف القطاعات، وذلك لضمان مواءمته للواقع العملي وتحقيقه لأهدافه المرجوة بكفاءة وعدالة.
  4. عمل دورات تدريبية لرفع كفاءة الموظفين المحاسبين والإداريين في المنشآت على التعامل مع نظام الفوترة وأي تحديثات عليه.
  5. تطوير مهارات موظفي الجهات الضريبية للأنظمة المحاسبية المعتمدة لدى المنشآت بما ينسجم مع الممارسات العالمية.

ختامًا، يُمكن القول إن الفوترة الإلكترونية لها تأثير ملحوظ في تحويل قطاع الأعمال الأردني إلى حقبة جديدة تجمع بين تقنيات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة من ناحية، والسياسات واللوائح الحكومية والتشريعية من ناحية أخرى، كما أنها تمثل خطوة محورية في دعم التحول الرقمي وتحقيق الشفافية والكفاءة في بيئة الأعمال الأردنية، لذلك يجب الحرص على الالتزام بتطبيق شروط نظام الفوترة الإلكتروني الذكي لتعزيز الثقة المتبادلة بين جميع أطراف التعامل، وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام للمملكة الأردنية الهاشمية وتحسين جودة البيانات المالية وتسهيل الإجراءات الضريبية في المستقبل، آملين أن يتم العمل بالتوصيات المقترحة لتحقيق نظام فوترة وطني متكامل يلبي كامل احتياجات المنشآت المكلفة.

المحامية هيا العرقسوسي

Back To Top