أثر العمل المرن على معايير التفرقة بين عقود العمل وعقود الخدمات

شهدت علاقات العمل خلال العقود الأخيرة تطورات متسارعة بفعل التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية، الأمر الذي دفع التشريعات العمالية إلى إعادة النظر في الأنماط التقليدية للعمل وتبني صور أكثر مرونة توازن بين احتياجات سوق العمل وحقوق العاملين. ولم يكن الأردن بمنأى عن هذه التطورات، إذ استحدث المشرع نظام العمل المرن لتنظيم أشكال جديدة من علاقات العمل تقوم على المرونة في ساعات العمل أو مكانه أو آلية أدائه، مع الحفاظ على الحقوق الجوهرية المقررة للعامل بموجب قانون العمل. إلا أن تطبيق هذا النظام يثير إشكاليات قانونية عملية، ولا سيما عند نشوء منازعات تتعلق بإثبات الحقوق والالتزامات وتكييف العلاقة القانونية بين الطرفين، والتمييز بين عقد العمل وعقد الخدمات أو غيره من العقود المشابهة. فكلما ابتعدت علاقة العمل عن النموذج التقليدي، ازدادت الحاجة إلى ضبط معايير التكييف والإثبات بما يحقق الحماية التي قصدها المشرع دون الإخلال بمرونة هذا النظام. وعليه، يسلط هذا المقال الضوء على المفهوم القانوني لكل من عقد العمل، وعقد الخدمات، وعقد العمل المرن، وبيان الفروق الجوهرية بينها، ولا سيما من حيث التبعية والإشراف والرقابة وطبيعة الأجر والالتزامات المتبادلة، ومدى كفاية المعايير القضائية التقليدية في معالجة الإشكاليات التي تثيرها عقود العمل المرن.
مفهوم عقد العمل:
- يُعرّف عقد العمل وفقاً لنص المادة (2) من قانون العمل وتعديلاته بأنه: ” اتفاق شفهي أو كتابي صريح أو ضمني يتعهد العامل بمقتضاه أن يعمل لدى صاحب العمل وتحت إشرافه أو إدارته مقابل أجر، ويكون عقد العمل لمدة محدودة أو غير محدودة أو لعمل معين أو غير معين”.
- كما عرفت المادة (805) من القانون المدني عقد العمل على أنه:
- عقد يلتزم أحد طرفيه بأن يقوم بعمل لمصلحة الآخر تحت إشرافه أو إدارته لقاء أجر.
- اما اذا كان العامل غير مقيد بان لا يعمل لغير صاحب العمل او لم يوقت لعمله وقت فلا ينطبق عليه عقد العمل ولا يستحق به اجره الا بالعمل حسب الاتفاق.
مفهوم عقد العمل المرن:
يُعرّف عقد العمل المرن وفقاً لنص المادة (2) من نظام العمل المرن على أنه: “اتفاق خطي يتعهد العامل بمقتضاه أن يعمل لدى صاحب العمل ضمن أحد أشكال العمل المرن المحددة في هذا النظام وتحت إشرافه وإدارته وتوجيهاته مقابل أجر”.
العمل عن بعد: يُعرّف العمل عن بعد وفقاً للمادة (2) من نظام العمل المرن بأنه: “العمل الذي يؤديه العامل لقاء أجر خارج المواقع المخصصة للعمل”.
وأما عقد الخدمات فلم يفرد له المشرع نصاً خاصاً في قانون العمل إلا أن القانون المدني الأردني قد عرفه تحت مفهوم عقد المقاولة بموجب نص المادة (780) والتي عرفته على أنه: “عقد يتعهد أحد طرفيه بمقتضاه بان يصنع شيئاً أو يؤدي عملاً لقاء بدل يتعهد به الطرف الآخر.”
ويستفاد من هذه التعريفات أن عنصر التبعية، بما يتضمنه من إشراف أو إدارة أو توجيه، هو المعيار الجوهري الذي يميز عقد العمل، سواء كان تقليدياً أو مرناً، عن عقد الخدمات؛ إذ يتوافر هذا العنصر في علاقة العمل، بينما يغيب في علاقة تقديم الخدمات التي يقوم فيها مقدم الخدمة بأداء عمله على نحو مستقل. كما يتضح أن عقد العمل المرن لا يُعد عقداً مستقلاً عن عقد العمل التقليدي، وإنما صورة من صوره تختلف في كيفية أداء العمل من حيث المكان أو الزمان أو عدد ساعات العمل، مع بقاء العلاقة خاضعة لأحكام قانون العمل ونظام العمل المرن. إلا أن الإشكالية العملية لا تثور من مجرد النص على عنصر التبعية والإشراف، وإنما من كيفية التحقق من توافره في الواقع، والمعايير التي يعتمدها القضاء لتقرير وجود علاقة التبعية من عدمها، ومن ثم تكييف العلاقة القانونية على أنها عقد عمل أم عقد خدمات، مما يستوجب البحث تالياً في المعايير التي انتهجها القضاء الاردني في تقرير وجود عنصر التبعية والإشراف من عدمه وذلك كما سيتم بيانه لاحقاً.
لم يكتف القضاء الأردني بالنظر إلى التسمية التي يطلقها المتعاقدان على العلاقة القانونية، وإنما استقر اجتهاد محكمة التمييز على أن تكييف العقد يستند إلى مجموعة من المظاهر الواقعية التي كانت ملازمة لعلاقات العمل، وفي مقدمتها التزام العامل بالحضور الفعلي إلى مقر العمل، ووجوده تحت نظر وإشراف صاحب العمل بشكل مباشر والتقيد بساعات عمل محددة، وتنفيذ العمل وفق تعليمات يومية تصدر من صاحب العمل تتعلق بكيفية الأداء وآلية التنفيذ، وقد شكلت هذه العناصر مجتمعة قرائن عملية استقر عليها القضاء في التفرقة بين عقد العمل وعقد تقديم الخدمات، إذ كان وجود العامل داخل بيئة العمل وخضوعه للرقابة المباشرة معياراً أساسياً لقيام التبعية القانونية، في حين كان استقلاله في تحديد مكان وزمان وأسلوب تنفيذ العمل مؤشراً على انتفاء هذه التبعية وخروج العلاقة من نطاق قانون العمل. وفي هذا الإطار، أرست محكمة التمييز بصفتها الحقوقية – هيئة عامة في قرارها رقم (165/2021) مجموعة من المعايير الحاكمة للتفرقة بين عقد العمل وعقد الخدمات (المقاولة)، يمكن استخلاصها على النحو الآتي:
- أن عنصر التبعية القانونية هو المعيار الرئيسي والحاسم للتفرقة بين عقد العمل وعقد الخدمات، وليس مجرد طبيعة العمل أو التسمية التي يطلقها المتعاقدان على العقد.
- أن المقصود بالتبعية ليس مجرد الإشراف الفني أو الرقابة المباشرة، وإنما خضوع العامل لسلطة صاحب العمل في الإدارة والتنظيم والتوجيه، وقد أكدت المحكمة في قراراها أن مفهوم التبعية قد تطور وأصبح يشمل التبعية التنظيمية حتى في الحالات التي لا تتوافر فيها التبعية الفنية المباشرة.
- أن رقابة صاحب العمل في عقد العمل تنصرف إلى كيفية أداء العمل وآلية تنفيذه، بحيث يكون له سلطة إصدار التعليمات المتعلقة بطريقة الأداء وتوجيه العامل أثناء التنفيذ ومراقبة التزامه بها.
- أما في عقد الخدمات أو المقاولة، فإن رقابة طالب الخدمة تقتصر على النتيجة المتفق عليها، دون أن تمتد إلى كيفية تنفيذ العمل أو الوسائل التي يستخدمها مقدم الخدمة لإنجازه، الذي يبقى مستقلاً في تنظيم عمله واختيار أسلوب التنفيذ.
- أن مجرد فرض بعض الالتزامات التنظيمية أو تحديد مواعيد التنفيذ أو مكان أداء الخدمة أو النطاق الجغرافي للعمل لا يكفي بذاته لقيام علاقة العمل، متى كانت هذه الالتزامات تفرضها طبيعة الخدمة بقصد ضمان تنفيذ العقد وتحقيق النتيجة المتفق عليها، دون أن تمنح طالب الخدمة سلطة فعلية في إدارة طريقة أداء العمل.
- أن استخلاص قيام التبعية القانونية يخضع للوقائع الفعلية للعلاقة التعاقدية، بحيث تنظر المحكمة إلى حقيقة السلطات التي يمارسها أحد الطرفين على الآخر أثناء تنفيذ العقد، وليس إلى الألفاظ أو الأوصاف الواردة فيه.
وبتطبيق هذه المبادئ على نظام العمل المرن، يتبين أن استحداث هذا النظام لم يغيّر المعيار القانوني الفاصل بين عقد العمل وعقد الخدمات، ولم يخرج عن الأساس الذي استقر عليه القضاء الأردني، وهو معيار التبعية القانونية، وإنما غيّر الوسائل العملية التي يُستدل بها على توافر هذه التبعية، فالحضور الدائم في مقر العمل، أو الخضوع لرقابة مادية مباشرة أو الالتزام بساعات عمل تقليدية، لم تعد بذاتها معايير حاسمة لقيام علاقة العمل، إذ قد تنتفي هذه المظاهر في كثير من صور العمل المرن، ولا سيما العمل عن بُعد، مع بقاء العامل خاضعاً لسلطة صاحب العمل في إدارة العمل وتنظيمه. وعليه، فإن تكييف العلاقة القانونية في ظل نظام العمل المرن ينبغي أن يقوم على البحث في مدى توافر التبعية القانونية والتنظيمية أي مدى احتفاظ صاحب العمل بسلطة تحديد المهام، وإصدار التعليمات الملزمة، ومتابعة التنفيذ، وتقييم الأداء، ومساءلة العامل عند الإخلال بالتزاماته، بصرف النظر عن مكان أداء العمل أو الوسيلة المستخدمة في تنفيذه. وبذلك، فإن الإشكالية التي تفرضها أنماط العمل الحديثة لا تكمن في غياب معيار التكييف، وإنما في أن الوسائل التقليدية لإثباته لم تعد كافية وحدها. ومن ثم، فإن التطور المطلوب لا يتمثل في استبدال معيار التبعية أو الخروج عليه، بل في تطوير أدوات إثباته بما يستوعب مظاهر التبعية التنظيمية الحديثة، ويمنع في الوقت ذاته الخلط بين علاقة العمل وعقد الخدمات.
المحامي سعد المحارمة
