قانونُ حمايةِ اللغةِ العربيةِ في الأردن- بينَ النَصِ والتَطبيق

(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) {يوسف 2}
تُعَدُّ اللغةُ العربيةُ جَوهرُ الهويةِ الوطنيةِ، ورمزاً للثقافةِ والتاريخِ والحضارةِ في الأردن والعالمِ العربي، فهيَ ليست مُجرَدَ وَسيلةٍ للتواصلِ فَحسب، بل لغةً عظيمةً تجاوزت حدودَ الزمانِ والمكانِ، حَمَلت على أجنحتها معارفَ الإنسانيةِ وعلومِها، وكانت مفتاحاً للنهضَةِ الفِكرِيَةِ والعِلمِيَةِ عبرَ العُصورِ.
حَيثُ تفرّدت اللغةُ العَرَبِيةُ بِجَمالِ بَيانِها وإعجازها البلاغي، لِتُصبحَ لُغَةَ القرآنِ الكريمِ التي لا تُضاهيها لُغَةٌ في قُدرَتِها على التَعبيرِ عَن أعمَقِ الأفكارِ وأدقِ الأحاسيسِ، فَهي الجسرُ الذي يَربِطُ حاضِرنا بِماضينا العَريق. فعَلى مَرِ العُصورِ، كانَت هَذهِ اللُغَةُ العَظيمةُ منارةً للعلمِ والحَضارةِ، وعُنواناً للجمالِ والإبداعِ، وحاضنةً لأعظمِ النُصوصِ وأخلد المَعاني، كيف لا وهي لُغَة القرآنِ الكَريمِ، لُغَةُ السماءِ التي حَمَلَت أعظَم رسالةٍ للبشريةِ.
حيث وصفَ الأستاذ العقاد ذاتَ يومٍ هذه اللغة بأنها “الهويةُ الواقيةُ التي تَحمي أصحابِها وهيَ الحِصنُ الذي يذودُ عَن هَذِهِ الأُمَةِ ويَضمَنُ دَوَامَها واستِقرارِاها، لأنَ اللُغةَ العربيةَ تَرتَبِط بالهَويَةِ وأيضاً باستنفارِ السيادةِ والتَمَيُزِ عَن الآخرين، وكَما لا يُمكنُ فَصلُ الروحِ عَن الجَسَدِ، كذلك لا يُمكِنُ الفَصلُ بَينَ اللُغَةِ العَرَبِيَةِ والأمَةِ العَرَبِيَةِ، لأنها لُغَةٌ تَستَمِدُ منها الأمَةُ سِيادِتها وعُمقِها الحَضارِي، إذ أنَ سِيادةَ اللُغَةِ في سِيادَةِ أُمَتِها.”
إلا أنَ واقِعَ اللُغَةِ العَرَبيَةِ اليوم في حالةِ ضُعفٍ وهوان، حَيثُ أن التعامُلَ اللُغَوي باللُغَةِ العَرَبِيةِ على المُستوى الداخِلي والخارجِي للدولِ العربيةِ قَد حادَ عَن الطَريقِ الصَحيحِ في اتباعِهِ وتَماشيهِ مع مُتطلباتِ الحياةِ وتَطَوُرِها السَريعِ، ويَتضِحُ ذلَكَ بِشَكلٍ كبيرٍ في التعامُلِ السياسي والدُبلوماسي وفي المحافلِ الدُوليةِ الذي يُوضِحُ لنا مَدى استضعافِ وانتقاصِ استخدامِ واعتمادِ اللُغَةِ العَرَبِيةِ في المحافِلِ الدُولِيَةِ والمؤسساتِ الرسميةِ والمؤسساتِ التَحكيميةِ والمحاكمِ الدُوليةِ على الرُغمِ مِن أن عَدَدُ الدُولِ الناطِقَةِ باللغَةِ العَرَبيَةِ يَبلُغُ (122) مئةٌ واثنانِ وعُشرونَ دَولَةٍ مِن أصلِ (195) مِئَةٍ وخَمسَةٌ وتُسعونَ دَولَةٍ حولَ العالمِ، وكذلك انتقاصُ الساسةِ والموظفونَ الرَسميونَ والممثلونَ عن الدولِ العربيةِ من استخدامِ لُغتهم العرَبيةِ الأم وتَوجُههم نَحوَ استخدامِ اللغاتِ الأجنبيةِ كلغة للتعاملِ والتواصلِ، بينما على الصعيد الآخر يَلتَزِمُ الآخرونَ ويَحرِصونَ على العَمَلِ بِلُغَتِهم في أيِ مكانٍ وتَحتَ أيِ ظرفٍ كان. فَرُغمَ إقرارِ اللُغَةِ العَربية كَلُغةٍ رَسميةٍ ضِمنَ لُغاتِ الأُمَمِ المتحدة مُنذُ عامِ 1973، مما يُؤَكِدُ مَكانَتِها في النظامِ الدولي، إلا أنَ استخدامَها في المحافلِ الدُوليَةِ لا يزالُ يتطلبُ المزيدَ مِنَ الجهودِ لتعزيزِ حضورِها وتأثيرها، لِكونِها لا تُستخدم على النحو الأمثلِ في العديدِ من المحافلِ الدوليةِ، وغالباً ما يتم الإعتماد على لغاتٍ أخرى مثل الإنجليزية أو الفرنسية حتى من قِبَلِ مُمَثلي الدولِ العربيةِ أنفُسِهِم، مما من شأنهِ أن يُضعفَ مكانةَ اللغةِ العربيةِ ويُقللُ مِن فُرَصِ تعزيزها كَلُغةٍ دبلوماسيةٍ قادرة على إيصالِ رسائلِ الدولِ العربيةِ بوضوحٍ وقوة.
وإدراكاً لأهميةِ صونِ هذا الإرثِ العَظيم، وفي ظلّ التحدياتِ التي نُواجهها اليوم، مِن عولمةٍ زاحفةٍ وغزوٍ ثَقافي يُهَدّد مَلامِحَ هُويتنا، جاءَ قانونُ حِمايةِ اللغةِ العربيةِ الأردني لسنة 2015 كَنبضٍ جَديدٍ يعيد لِلغة العربيةِ مَكانتها، حَيث يَفرضُ هذا القانون التزاماً مؤسساتياً وشعبياً باستخدامِ اللغةِ العربيةِ في التعليمِ والإعلامِ والمعاملاتِ الرسميةِ. إن هذا القانون ليسَ مُجَرَدَ نصٍ مكتوبِ، بَل رِسالةَ حُبٍ لِلُغتنا الأم، وخطوةً واثِقةً للحفاظِ على جُذورنا الممتدةِِ في أعماقِ التاريخ، حَيثُ يُعتًبَرُ هذا القانون أداةً أساسيةً لحمايةِ اللغةِ العربيةِ مِنَ الإندثارِ أو التَهميشِ.
يُحسَب لقانونِ حمايةِ اللغة العربية في الأردن، أنهُ أولُ تشريٍع من نوعه في العالم العربي، إلّا أن رحلة هذا القانون لا تزالُ طويلةً لإرساءِ دعائمِهِ في الحياةِ العامة، رُغمَ أنَهُ قطَع شوطًا لا بأسَ بهِ في تنفيذِ مقاصِدِهِ وغاياتهِ وتحقيق الإجماع والتأييدِ حولهِ، فالقانون الذي رأى النور بعدَ أن أقرّهُ مجلسُ النوابِ الأردني قبل أزيَد من سبع سنوات، أفرز نظامًا “إلزاميًا” يُلزَمُ بموجَبِهِ مؤسساتُ الدولةِ بالعمَلِ على سيادةِ اللُغَةِ العَرَبيةِ وتَعزيزِ دَورِها في المجالاتِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ ومؤسساتِ المجتمعِ المدني وكذلكَ في الأنشِطَةِ العلميةِ والثقافيةِ، ويشمَلُ ذلكَ تسميات هذهِ الجهات ووثائقها ومُعاملاتِها وسِجلاتها والوثائقِ والعقودِ والاتفاقياتِ التي تَكونُ طرفًا فيها، وكذلكَ الكتب الصادرة عنها، وأيّةِ إعلاناتٍ مرئيةٍ أو مسموعةٍ أو مقروءةٍ موجهةٌ للجمهورِ، وأيّ منشوراتٍ دعائيةٍ وغير دعائية، وأيّ حملاتٍ إعلامية، كما يُوجِبُ القانون أن يكونَ باللُغةِ العربيةِ، أيُّ إعلان يُبَثّ أو يُنشَر أو يُثبَّت في أي مكانٍ عام، مع جوازِ أن تُضاف ترجمةٍ لهُ بِلغة أجنبيةٍ عِندَ الضرورةِ، على أن تكون اللغة العربية أكبر حجمًا وأبرز مكانًا، وحتى الأفلام والمصنفات الناطقةِ بغيرِ العربيةِ المرخَص عَرضُها صوتًا أو كتابةً كان لها نصيبٌ في هذا القانون الذي يَشترطُ أن تُترجَم إلى اللغة العربية، وهو ما يَشمل أيضًا لافتات أسماءِ المؤسساتِ، وأوراقِ النقدِ والمسكوكات والطوابع والميداليات، والشهادات والمصدَّقات العلمية، مع جوازِ أن تضاف إلى الكتابة العربيةِ ما يُقابلها بلغةٍ أجنبية، على أن تكون اللغة العربية أكبرُ حجمًا وأبرز مكانًا، كما وينُص القانون على أن اللغة العربية لغةُ البحث العلمي، وتُنشر البحوثُ بها، مع جوازِ النشرِ بلغاتٍ أجنبية، شرطَ أن يقدم الباحث ترجمةً للبحثِ باللغةِ العربيةِ.
إلا أن هذا القانون لا زال يواجهُ تحدياتٍ وسلبياتٍ تَحُد من فاعليتهِ وتطبيقهِ على نطاقٍ واسع، فعلى الرُغم من مرورِ سنواتٍ على إقرارِ هذا القانون، إلا أنه لا يَزال يُعاني من نقصِ القوةِ الإلزاميةِ في تطبيقهِ ومِن محدوديةِ تأثيرهِ على المستوى الدولي، كما يَقتصِرُ نِطاق تطبيق هذا القانون على المؤسساتِ المحليةِ ولا يتوسع ليشمل المحافل الدولية، حيث تظل اللغة العربية غائبة عن كثير من المنصات العالمية كمؤسساتِ التحكيمِ والمحاكم الدوليةِ، مما يَحُد من مكانتها كلغةٍ عالميةٍ حتى يومنا هذا، حَيثُ يُعتَبر من المُهم أن تتجاوزَ حدودَ هذا القانون النطاق المحلي ليصبح نموذجًا لحمايةِ اللغةِ العربيةِ عالميًا، خاصةً في ظل التحدياتِ التي تُواجهها اللغة العربية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنَ السعيَ نَحو إدراجِ اللغةِ العربيةِ كلغةٍ إلزاميةٍ في المنظماتِ الدوليةِ ومؤسساتِ التحكيمِ الدُولية يُعدُ ضرورةً استراتيجيةً للحفاظ ِعلى اللغةِ العربيةِ وتعزيزِ مكانَتها دُولياً وعالمياً، خاصةَ وأن اللغة العربية كلغةٍ أم لأكثر من (400) أربعمائةِ مليونِ نسمة، يجعلها لغةٌ تَمتلكُ قدرةً تنافسيةً تؤهلها لتكونَ لاعبًا أساسيًا في الساحةِ الدوليةِ إذا ما وُظفت بالشكلِ الصحيح.
وفي ظلِّ الدورِ المتزايدِ للتحكيمِ وغيرِهِ من الوسائلِ البديلةِ لحلِّ النزاعاتِ كمحرِّكٍ رئيسيٍّ في تسويةِ النزاعاتِ بينَ الدولِ والأفراد، فإنَّ ضرورةَ إبرازِ الهويةِ الثقافيةِ العربيةِ وتعزيزِ مكانةِ اللغةِ العربيةِ على الساحةِ الدوليةِ أمرٌ حتمي، وعليه ولما أصبحَ تعزيزُ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في المؤتمراتِ الدوليةِ والمؤسساتِ التحكيميةِ مطلباً مُلحاً، نظراً لأنَّ اللغةَ القانونيةَ المستخدمةَ لا تقتصرُ على كونها وسيلةً للتفاهمِ، بل هي وعاءُ الهويةِ ومفتاحٌ للتعبيرِ عن القضاياِ العربيةِ بوضوحٍ ودقةٍ، مما يضمنُ حضوراً فاعلاً وقوياً للعربِ في مختلفِ المحافلِ وتمكينهم من عرضِ قضاياهم والتعبيرِ عن مصالحهم بوضوحٍ ودقةٍ، فإنَّه ومن هذا المنطلقِ يتطلبُ تعزيزُ الحضورِ العربيِّ دولياً إعدادَ كوادرَ مؤهلةٍ قادرةً على تمثيلِ اللغةِ العربيةِ باحترافيةٍ عالية، من خلالِ تأهيلِ مترجمين متخصصين في الترجمةِ القانونيةِ والفنية، فضلاً عن ضرورةِ وجودِ محكِّمين دوليين يمتلكونَ الدرايةَ الكاملةَ بالقواعدِ الإجرائيةِ والقانونيةِ، بما يمكنهم من تعزيزِ دورِ اللغةِ العربيةِ في المؤسساتِ الدوليةِ والعالمية.
وللتغلبِ على التحدياتِ التي تحولُ دونَ أن يكونَ للوجودِ العربيِّ واللغةِ العربيةِ فاعليةٌ في الأوساطِ المحليةِ والدوليةِ، يجبُ اتخاذُ خطواتٍ عمليةٍ لتعزيزِ مكانةِ اللغةِ العربيةِ في التحكيم، ومن أبرزِ هذه الخطواتِ فرضُ شرطِ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في العقودِ التي تشملُ أطرافاً عربيةً، بحيثُ تُصبحُ اللغةَ الرسميةَ للإجراءاتِ القانونيةِ، إذ لا تزالُ غالبيةُ القضايا التي تشملُ أطرافاً عربيةً تُدارُ بلغاتٍ أجنبيةٍ دونَ مبررٍ مقبولٍ، مما يُفضي إلى حرمانِ أحدِ أطرافِ النزاعِ من حقهِ في أن تكونَ لغتُهُ حاضرةً أثناءَ إدارةِ هذا النزاع، هذا الواقعُ يُضعفُ الحضورَ العربيَّ ويقللُ من تأثيرهِ وفاعليتهِ، لذلك، فإن إنشاءَ مراكزِ تحكيمٍ عربيةٍ تُقدّمُ خدماتِها باللغةِ العربيةِ بشكلٍ كاملٍ يُعدُّ خطوةً محوريةً تضمنُ استقلاليةَ هذه المراكزِ وكفاءتَها.
علاوةً على ذلك، يتعينُ العملُ على تعريبِ القواعدِ التحكيميةِ الدوليةِ، مثلَ قواعدِ اليونسيترال وقواعدِ مراكزِ التحكيمِ العالميةِ، لضمانِ وجودِ نسخٍ عربيةٍ معتمدةٍ تُسهمُ في تسهيلِ استخدامها في القضايا التي تخصُّ الأطرافَ العربية، مما يعززُ من استخدامِ اللغةِ العربيةِ كأداةٍ سياديةٍ وثقافيةٍ في المحافلِ الدولية.
وبينما نعمل على تعزيز اللغة العربية محلياً، يجب أن تمتدَّ الجهودُ إلى المحافلِ الدوليةِ لتأكيدِ حضورِ اللغةِ العربيةِ كمكوّنٍ أصيلٍ من مكونات الهويةِ الثقافيةِ العربية، وهذا يتطلبُ استراتيجيةً شاملةً تتضمنُ تحديثَ القوانينِ الوطنيةِ لتكونَ أكثرَ إلزاميةً في دعمِ اللغةِ العربية، وتوجيهَ السياساتِ الثقافيةِ والتعليميةِ نحو تعزيزِ مكانةِ اللغةِ العربيةِ في الداخلِ والخارج.
فمن خلال هذه الجهود، يمكنُ للغةِ العربيةِ أن تستعيدَ دورها ومكانتها كوسيلةٍ فعّالةٍ للحوارِ والتعبير، سواء في الأوساطِ المحليةِ أو على المستوى الدولي، بما يليقُ بإرثها الحضاري وقيمتها الثقافية، ويعززُ من دورِها في الحفاظِ على الهويةِ العربيةِ وتفاعلِها الفاعلِ في الساحةِ العالمية.
وكذلك فإن اشتراطَ استخدامِ اللغةِ العربيةِ عند توقيعِ الاتفاقياتِ والمعاهداتِ يُعدّ خطوةً محوريةً لتعزيزِ مكانتِها كَلُغةٍ رسميةٍ وحاميةٍ للهويةِ الثقافيةِ والقانونيةِ للعالمِ العربي، وكضمانةٍ لتمثيلِ مصالحِ الدولِ العربيةِ بدقةٍ ووضوح، خاصةً في ظلِّ الأهميةِ المتزايدةِ للاتفاقياتِ الثنائيةِ والدوليةِ التي تحددُ حقوقَ الدولِ والتزاماتِها، حيثُ تُعدُّ اللغةُ المستخدمةُ في صياغةِ الاتفاقياتِ والمعاهداتِ ذاتَ تأثيرٍ كبيرٍ على فَهمِ النصوصِ القانونيةِ وتفسيرِها، وعندما تُكتبُ هذه النصوصُ بلغاتٍ أجنبيةٍ، تُتركُ مساحةٌ للتفسيراتِ التي قد لا تعكسُ بدقةٍ نوايا الأطرافِ العربيةِ أو مصالحَها، لذلك، فإنَّ اعتمادَ اللغةِ العربيةِ كَلُغةٍ رسميةٍ في صياغةِ الاتفاقياتِ يُقلّلُ من احتمالاتِ اللبسِ أو سوءِ الفهم، ويُعزّزُ السيادةَ اللغويةَ للدولِ العربية، والعملُ على تعميمِ ذلك على نطاقٍ أوسع، كما يَجبُ على الحكوماتِ العربيةِ تضمينُ شرطِ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في الاتفاقياتِ كجزءٍ من سياساتها السياديةِ، مع اعتمادِ نصوصٍ قانونيةٍ دقيقةٍ ومصطلحاتٍ متخصصةٍ لضمانِ توافقِ النصوصِ مع المعاييرِ الدولية.
وفي ظلِّ ما تشهدهُ المنطقةُ العربيةُ اليومَ من تحدياتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ وقانونيةٍ، فإنَّ اشتراطَ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في الاتفاقياتِ والمعاهداتِ يُمثلُ رسالةً واضحةً للعالمِ عن أهميةِ حمايةِ اللغةِ كجزءٍ من الهويةِ الوطنيةِ والقومية، فاللغةُ العربيةُ ليستْ مجردَ رمزٍ ثقافيٍّ، بل هي أداةٌ سياديةٌ تُعبّرُ عن وحدةِ الموقفِ العربي، وتُعزّزُ من القدرةِ على الدفاعِ عن المصالحِ المشتركةِ على الساحةِ الدولية.
وأما من الناحية الأخرى، فإنَّ ضرورةَ استخدامِ اللغةِ العربيةِ يجبُ أن يمتدَّ ليشملَ مجموعةً واسعةً من المحافلِ والمؤسساتِ العالميةِ التي تؤثرُ بشكلٍ كبيرٍ في السياسةِ والاقتصادِ والثقافةِ والعلم، حيث تلعبُ اللغةُ العربيةُ دوراً مهماً في العلاقاتِ الدبلوماسيةِ على المستوى الدولي، وفي المؤتمراتِ العالميةِ واللقاءاتِ السياسيةِ بينَ الدول، وفي اجتماعاتِ الأمم المتحدة، ويُعدُّ من الضروريِّ ضمانُ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في هذه المحافلِ وعلى نطاقٍ واسعٍ لغاياتِ ضمانِ أن تُسمعَ وجهاتُ النظرِ العربيةِ بوضوحٍ ودقةٍ، ولضمانِ عدمِ تقييدِ فعاليةِ ظهورِ القضايا العربيةِ بشكلٍ واضحٍ في المحافلِ الدوليةِ.
وأما في عالمِ الإعلامِ المحليِّ والدوليِّ، ونظراً لما يتمتعُ به الإعلامُ من أهميةٍ وسلطةٍ واسعةٍ في نقلِ الأحداثِ والقضايا، ولكونهِ وسيلةً مهمةً لنقلِ الأخبارِ والمواقفِ والأحداثِ السياسيةِ والثقافيةِ إلى جمهورٍ عالمي، فلا شكَّ أنَّ هناكَ حاجةً ملحَّةً لتعزيزِ استخدامِ اللغةِ العربيةِ في الإعلامِ الدوليِّ بشكلٍ أكبر، سواء في تقاريرِ المنظماتِ العالميةِ أو في التغطياتِ الصحفيةِ التي تُعنى بالقضايا العالميةِ، لضمانِ نقلِها بصورةٍ واضحةٍ وكاملةٍ وحياديةٍ دونَ تزييفٍ للحقائق.
وفي الختامِ، نؤكدُ على أنَّ اللغةَ هي شأنٌ قوميٌ وسياديٌ لا يجوزُ المساسُ به بأيِّ شكلٍ من الأشكال، فهي جزءٌ من الأمنِ الوطنيِّ والقوميِّ للشعوبِ التي ترتبطُ ببعضها من خلال اللغةِ والتاريخِ والحضارةِ. فالحفاظُ على اللغةِ والاعتناءُ بها يُعدُّ واجبًا قوميًّا، لأنه يُعبِّرُ عن سيادةِ الشعوب وحفاظِها على تمايزها وتفرد هويتِها. ومن هذا المنطلق، يجبُ على أبناءِ اللغةِ العربيةِ النهوضُ بها ورفعُها من بوتقةِ الكسادِ والاستسلام، وإعادةُ الروحِ فيها لتعودَ حيةً نابضةً، مع توحيدِ الجهودِ الإقليميةِ العربيةِ للحفاظِ عليها وحمايتها من التحدياتِ المتزايدةِ في عالمِ العولمة، فاللغةُ والدينُ هما الحصنانِ المنيعانِ اللذان تتمترسُ خلفهما كلُّ أمةٍ للدفاعِ عن نفسها، لصدِّ أيِّ هجومٍ يستهدفُ محوَ هويتِها الذاتيةِ والقوميةِ والثقافيةِ، والنيلِ من سيادتِها. ولذا، فإنَّ التعاونَ المستمرَّ بينَ الدول العربيةِ يمكنُ أن يُسهمَ في استعادةِ مكانةِ اللغةِ العربيةِ على الساحةِ الدوليةِ، بما يليقُ بإرثِها الحضاريِّ ومكانتِها الثقافية.
المحامية رُلى زيادين
