Skip to content

شرط عدم المنافسة في عقود العمل: بين حماية مصالح صاحب العمل وضمان حرية العامل في العمل

يُعد شرط عدم منافسة العامل لصاحب العمل أحد البنود التي تثير جدلاً قانونياً واسعاً في عقود العمل، فهو من جهة وسيلة لحماية مصالح صاحب العمل المشروعة، ومن جهة أخرى قد يتحول إلى قيد يمس جوهر حق العامل في العمل والكسب وحرية اختيار عمله، وهو حق أساسي كرسته القواعد الدستورية والمبادئ المستقرة في المنظومة القانونية والإنسانية، إذ نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن لكل فرد الحق في العمل واختيار مهنته بحرية، ما يوجب أن أي قيد يرد على هذا الحق يجب أن يبقى ضمن أضيق الحدود، وأن يتم قياسه بميزان دقيق لا يُخل بمصلحة صاحب العمل ولا يَجعل العامل أسيراً لعقد عمل سابق يقيده حتى بعد انتهائه.

الأصل في القانون أن حرية العمل مُصانة ومكفولة، وأن أي قيد يرد عليها يعد استثناءً عن الأصل، والاستثناء لا توسع في تفسيره؛ لذلك لم يرد في قانون العمل الأردني نص مباشر ينظم شرط عدم المنافسة، إلا أن الفقه والقضاء استقرا على استمداد أساسه القانوني من أحكام القانون المدني الأردني، ولا سيما المادة (818) من نفس القانون التي أتاحت لصاحب العمل أن يشترط على العامل ألا ينافسه بعد انتهاء عقد العمل إذا كان عمل العامل يتيح له الاطلاع على أسرار العمل أو معرفة عملائه، على أن يكون هذا الشرط مقيداً من حيث الزمان والمكان ونوعية العمل، وبالقدر الضروري لحماية المصلحة المشروعة لصاحب العمل. وهذا يعني أن المشرع لم يُطلق يد صاحب العمل في تقييد حق العامل في العمل، بل اشترط لتفعيل هذا القيد شروطاً صارمة لضمان عدم تحول هذا الشرط إلى وسيلة لتعطيل قدرة العامل على الاستمرار في حياته المهنية.

وتطبيقاً لذلك، فإن مجرد تضمين عقد العمل شرطاً عاماً يمنع العامل من العمل في أي جهة أخرى مشابهة بعد انتهاء عقد العمل لا يكفي لإلزام العامل به؛ كون أن هذا الشرط يعتبر باطلاً إذا لم يُحدّد بفترة زمنية معقولة، أو إذا جاوز نطاقه الجغرافي ما هو لازم لحماية نشاط صاحب العمل، أو إذا شمل كل نشاط مماثل ولو لم يتصل بالأسرار أو العملاء. فشرط عدم المنافسة لا بد أن يكون متناسباً مع حجم مصلحة صاحب العمل المراد حمايتها، وأن يتم صياغته بدقة وبما يضمن قابليته للتطبيق، وذلك من خلال تحديد نطاق زمني لا يتجاوز المدة المعقولة التي تستنفذ فيها المعلومات أو الأسرار قيمتها التجارية. كما يجب تحديد النطاق المكاني بما يتناسب مع النشاط الذي يمارسه صاحب العمل، فإذا كان نشاط المنشأة في نطاق جغرافي محدد فلا يجوز اشتراط عدم المنافسة على منطقة جغرافية واسعة، كون أن الشرط في هذه الحالة يصبح تعسفياً. كذلك ينبغي تحديد الأنشطة المحظورة بصورة دقيقة، فلا يصح أن يكون المنع عاماً لكل نشاط مشابه بل يجب أن ينحصر في الأنشطة التي تتداخل فعلياً مع نشاط صاحب العمل، وإذا كانت وظيفـة العامل بسيطة ولا تُتيح له الاطلاع على العملاء أو الأسرار فلا محل لشرط عدم منافسة من الأساس.

وقد أكدت الاجتهادات القضائية أن شرط عدم المنافسة لا يُفترض لذاته ولا يُعتد به إلا إذا ثَبُتَ أن العامل قد استغل ما حصل عليه خلال عمله من معلومات أو خبرة لمنافسة صاحب العمل. فلا يكفي أن يترك العامل عمله ثم ينتقل إلى منشأة أخرى تعمل في نفس المجال ليُعتبر منافساً، بل يجب على صاحب العمل إثبات وجود ضرر فعلي ناتج عن هذا الانتقال، إذ لا يجوز افتراض الضرر لمجرد التشابه في النشاط أو انتقال العامل لمنشأة منافسة.

وقد ورد في أحد قرارات محكمة التمييز الأردنية الموقرة ما يفيد بأن ثبوت عمل العامل لدى الغير في مجال مشابه لا يكفي بذاته لترتيب المسؤولية القانونية عليه ما لم يقم الدليل على وجود منافسة حقيقية، وثبوت وجود ضرر فعلي لَحِق بصاحب العمل، وأن مجرد الادعاء بالمنافسة لا يغني عن إثبات تحققها، حيث أن مسؤولية العامل في شرط عدم المنافسة هي مسؤولية عقدية ويجب قيام كافة عناصر المسؤولية العقدية للقول بمسؤولية العامل القانونية، وهي (الفعل: وهو فعل المنافسة، الضرر: وهو جود ضرر لحق بصاحب العمل نتيجة أفعال العامل، والعلاقة السببية: أي أن الضرر الذي لحق بصاحب العمل سببه فعل العامل).

وبذلك رسّخت محكمة التمييز الأردنية مبدأ بالغ الأهمية مفاده بأن شرط عدم المنافسة ليس أداة للتهديد أو الردع النفسي للعامل، بل هو التزام تعاقدي لا يُفعَّل إلا عند قيام العامل بمنافسة حقيقية يُثبت صاحب العمل أنها ألحقت ضرراً حقيقياً به، وإلا كان الشرط باطلاً وغير قابل للتطبيق. كما أكدت اجتهادات قضائية أخرى على أن نص المادة (818) من القانون المدني الأردني يجب أن يُفسَّر في أضيق حدوده باعتباره قيداً على حرية العمل، فلا يجوز التوسع فيه أو اعتباره قاعدة عامة، بل يجب أن يُحصر تطبيقه في الحالات الاستثنائية التي يتوافر فيها خطر حقيقي على مصلحة مشروعة لصاحب العمل، كأن يكون العامل ممن يطّلعون على أسرار المهنة أو على بيانات العملاء أو على خطط التسويق أو التسعير.

وبذلك يتضح أن شرط عدم المنافسة ليس غاية في ذاته، ولا يمكن النظر إليه بوصفه التزاماً مطلقاً يُفعّل بمجرد وروده في عقد العمل، بل هو قيد استثنائي يبقى معلقاً على توافر مصلحة مشروعة لصاحب العمل، وثبوت أن العامل قد استغل ما حصل عليه من أسرار ومعلومات وعلاقات خاصة بصاحب العمل للإضرار به ووقوع الضرر فعلاً.

المحامية
هيا هاني العطار

Back To Top