قانون تنظيم التعامل بالأصول الإفتراضية

شهد العالم في العقود الأخيرة ثورة رقمية غير مسبوقة، والتي كانت من أبرز معالمها: بروز الأصول الافتراضية مثل العملات الرقمية (Bitcoin، Ethereum وغيرها) والرموز المشفرة (Tokens)، بوصفها أدوات مالية غير تقليدية استقطبت الاستثمارات في العديد من دول العالم، وأثارت في الوقت نفسه تساؤلات قانونية وتنظيمية جوهرية. وبالنظر إلى التسارع الكبير في تبني هذه الأدوات التي من شأنها توفير فرص واسعة للنمو والريادة على مستوى العالم ، لم يعد من المقبول بقاء المنظومة التشريعية في حالة صمت أو حياد تجاهها لا سيما بعد سنوات من الحظر والتحفظ المؤسسي على هذه الأصول، حيث كانت هيئة الأوراق المالية قد أصدرت تعميماً إدارياً بموجب قرار مجلس المفوضين رقم (۲۰۲۱/۲۰۷) تاريخ 11/11/2021 للشركات المرخصة لتقديم الخدمات المالية، وذلك بالاستناد لأحكام المادة (۱۲) من قانون الأوراق المالية رقم ( ۱8) لسنة ۲۰۱۷، وأحكام المادة (٥) من قانون تنظيم التعامل بالبورصات الأجنبية رقم (۱) لسنة ٢٠١٧، تحظر بموجبه على الشركات المرخصة التعامل بالعملات الرقمية أو أي عملات أخرى محظورة من قبل الجهات المختصة.
وعليه، وانطلاقًا من دور المشرع الأردني في مواكبة المستجدات في عالم الاقتصادي الرقمي، بادرت المملكة الأردنية الهاشمية إلى سن قانون تنظيم التعامل بالأصول الافتراضية رقم 14 لسنة 2025، والذي دخل حيز النفاذ بتاريخ 16/6/2025 بعد نشره في الجريدة الرسمية، ليشكل أول إطار تشريعي متخصص يُعنى مباشرةً بمجال تنظيم سوق الأصول الافتراضية على الصعيد الوطني، لذِا سيتم من خلال هذا المقال بيان أبرز الأحكام القانونية التي جاء بها هذا القانون وذلك وفقاً للآتي:
أولاً: الخلفية التشريعية للقانون
قبل إصدار قانون تنظيم التعامل بالأصول الافتراضية رقم 14 لسنة 2025، لم يكن في التشريع الأردني أي نص صريح ينظم أو يُجيز التعامل بالأصول الافتراضية، وقد كان البنك المركزي الأردني يحظر على البنوك والمؤسسات المالية التعامل مع العملات الرقمية بموجب تعليمات صادرة منذ عام 2014، خوفًا من مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب والتقلبات الحادة في السوق، غير أن التطور الدولي في هذا المجال والضغوط الاقتصادية والتكنولوجية دفعت إلى تبني نهج تشريعي جديد يهدف إلى تنظيم لا منع، ورقابة لا حظر مطلق، وهو ما تجسّد في أحكام هذا القانون.
ثانيًا: نطاق تطبيق القانون وتعريفاته
- التعريفات الأساسية وفقاً للمادة (2) من القانون:
(المجلس): مجلس مفوضي هيئة الأوراق المالية
(الأصول الافتراضية): تمثيل رقمي للقيمة التي يمكن تداولها أو تحويلها رقميًـا، ويمكـن استخدامهـا لأغراض الدفع أو الاستثمار، وأي تمثيل رقمي لأي قيمة أخرى يحددها هذا القانون والأنظمة والتعليمات الصادرة بمقتضاه، ولا تشمل التمثيل الرقمي للعملات النقدية أو الأوراق المالية والأصول المالية الأخرى إلى الحد الذي يتم تنظيمها بمقتضى أي قانون آخر.
(مزود خدمة الأصول الافتراضية): الشخص الاعتباري الذي يمارس لصالح الغير أو نيابة عنه نشاطًا أو أكثر من أنشطة الأصول الافتراضية المنصوص عليها في المادة (4) من هذا القانون.
- نطاق التطبيق:
تناول المشرع الأردني نطاق تطبيق هذا القانون في المادة (3/أ) منه والتي نصت بشكل صريح على ما يلي:
” أ- تسري أحكام هذا القانون على الأنشطة المرتبطة بتقديم خدمات الأصول الافتراضية في المملكة أو العمليات المرتبطة بها لصالح الغير أو نيابة عنه.”
ولغايات تحديد ماهية أنشطة الأصول الافتراضية التي تطالها الأحكام التنظيمية لهذا القانون، فقد حددت المادة الرابعة منه سبعة أنشطة رئيسية تخضع للتنظيم وهي كما يلي:
1- تشغيل منصات الأصول الافتراضية وإدارتها.
2- التبادل بين الأصول الافتراضية والعملة الأردنية أو الأجنبية.
3- التبادل بين شكل أو أكثر من الأصول الافتراضية.
4- تحويل الأصول الافتراضية من عنوان أو حساب الى آخر.
5- حفظ الأصول الافتراضية وإدارتها أو أي أدوات تمكّن من السيطرة عليها.
6- تقديم خدمات الوساطة في عمليات التداول في الأصول الافتراضية.
7- المشاركة وتقديم الخدمات المالية المرتبطة بعرض أحد المصدرين أو بيع الأصول الافتراضية.
كما منح القانون في المادة (4/أ/8) منه لمجلس الوزراء بناء على تنسيب مجلس مفوضي الهيئة صلاحية توسيع نطاق الأنشطة المشمولة بالتنظيم مستقبلاً، مما يعكس مرونة تشريعية مدروسة لشمول أي أنشطة تتعلق بالأصول الافتراضية قد تستجد مستقبلاً.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الفقرة (ب) من المادة (3) من القانون قد استثنت بعض الأنشطة من سريان أحكام القانون عليها، وتحديداً الأنشطة المتعلقة بالأوراق المالية الرقمية والأصول المالية الرقمية والتي تخضع للأنظمة الخاصة بها والصادرة عن هيئة الأوراق المالية، وكذلك التمثيلات الرقمية للعملات النقدية الصادرة عن البنك المركزي في المملكة والنقود الإلكترونية ما لم يقرر البنك المركزي خلاف ذلك.
ثالثًا: أهم الأحكام القانونية الواردة في القانون
- الترخيص الإلزامي والجهات الرقابية:
أسند القانون الصلاحية التنظيمية والرقابية الرئيسية إلى هيئة الأوراق المالية، بوصفها الجهة المخوّلة قانوناً بإصدار التراخيص اللازمة، وتحديد المتطلبات الفنية والمالية لممارسة الأنشطة المرتبطة بالأصول الافتراضية، كما حظر القانون بموجب المادة (5/أ) منه على الشخص ممارسة أنشطة الأصول الافتراضية لصالح الغير أو الترويج لها داخل المملكة ما لم يكن شخصًا اعتبارياً مرخصاً بشكل مسبق من الهيئة وفق أحكام القانون والأنظمة والتعليمات الصادرة بمقتضاه، بحيث تحدد شروط منح الترخيص لمزودي خدمات الأصول الافتراضية ومتطلباته وحالات إلغائه والرسوم الواجب استيفاؤها والحد الأدنى لرأس المال والضمانات اللازمة لذلك وغيرها من الأمور بمقتضى نظام يصدر لاحقاً لهذه الغاية.
كما ويشترط القانون وفقاً للمادة (5/ب) منه لاعتبار الأنشطة المرتبطة بالأصول الافتراضية قد تمت ممارستها داخل المملكة، أن يكون مزود خدمات الأصول الافتراضية قد تم تأسيسه في المملكة، أو أن يكون له مقر عمل في المملكة أو يتخذها مركزاً لتنفيذ عملياته، أو عندما يعرض أو يقدم منتجاته أو خدماته لعملاء في المملكة.
ويلاحظ أن القانون وفقاً للمادة الخامسة منه قد حصر ممارسة الأنشطة المتعلقة بالأصول الافتراضية داخل المملكة بالأشخاص الاعتبارية المرخصة قانوناً لهذا الغاية، وحظر على الشخص الطبيعي مزاولة أنشطة الأصول الافتراضية لصالح الغير أو الترويج لها داخل المملكة أو اتخاذ المملكة مركزاً لأعماله.
- صلاحيات الجهة الرقابية:
تتولى الهيئة وفقاً لأحكام المادة (6) من القانون المهام والصلاحيات التالية:
أ- ترخيص مزودي خدمات الأصول الافتراضية والرقابة والإشراف والتفتيش عليهم وعلى أي سجلات ذوات علاقة بهم، ولها في سبيل ذلك ممارسة الصلاحيات المنصوص عليها في قانون الأوراق المالية.
ب-الرقابة على امتثال مزودي خدمات الأصول الافتراضية لمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل وفقًا لأحكام التشريعات المعمول بها وتطبيق المنهج القائم على المخاطر، وإصدار التعليمات والأدلة الإرشادية لهذه الغاية.
ج-تحديد وتقييم المخاطر الناشئة عن الأصول الافتراضية وأنشطة أو عمليات مزودي خدمات الأصول الافتراضية بما فيها مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل بصورة دورية واتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لخفض المخاطر وإدارتها بالتعاون مع الجهات المختصة.
د-التعاون وتبادل المعلومات مع الجهات النظيرة المسؤولة عن الرقابة على أعمال مزودي خدمات الأصول الافتراضية.
- التزامات مزودي خدمات الأصول الافتراضية:
بالإضافة إلى الالتزام بالحصول على الترخيص المسبق لممارسة الأنشطة المتعلقة بالأصول الافتراضية يلتزم مزودو خدمات الأصول الافتراضية وفقاً لأحكام المادة (8) من القانون بما يلي:
أ- متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل وفق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والأنظمة والتعليمات الصادرة بموجبه، ولهذه الغاية يعتبر مزودو خدمات الأصول الافتراضية من الجهات المبلغة.
ب-الحصول على كافة البيانات المتعلقة بأطراف التحويل والوسطاء وفق أحكام القوانين والأنظمة والتعليمات ذوات العلاقة، ولهذه الغاية تعتبر عمليات تحويل الأصول الافتراضية عمليات عابرة للحدود ويلتزم بالحصول على البيانات المتعلقة بها.
- حماية العملاء وفصل الذمم المالية:
من أبرز ما جاء به القانون هو النص الصريح في المادة (12) منه على ضرورة فصل أموال وأصول العملاء عن أموال وأصول الشركات المقدمة للخدمة، بحيث لا يجوز بأي حال استخدام أصول العملاء لتسوية التزامات مالية على الشركة، ولا تخضع الأموال والأصول الافتراضية العائدة لعملاء مزودي خدمات الأصول الافتراضية لإجراءات الحجز أو الرهن أو التصفية أو الإعسار التي يخضع لها مزودو خدمات الأصول الافتراضية وهو ما يمثل ضمانة قانونية حيوية للعملاء في حالة الاعسار والتصفية أو النزاعات القضائية.
- العقوبات والجزاءات القانونية:
وضع القانون نظاماً عقابياً صارماً لكل من يزاول مزاولة أنشطة الأصول الافتراضية لصالح الغير أو الترويج لها داخل المملكة دون ترخيص، حيث تنص المادة (15) منه على فرض عقوبة الحبس لمدة لا تقل عن سنة واحدة، بالإضافة إلى غرامة مالية لا تقل عن خمسين ألف دينار أردني ولا تزيد على مئة ألف دينار، بالإضافة إلى إلتزام الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات اللازمة لإغلاق مكان مزاولة أنشطة الأصول الافتراضية لصالح الغير أو الترويج لها دون ترخيص ومصادرة الأدوات المستخدمة لذلك.
إن إصدار قانون تنظيم التعامل بالأصول الافتراضية في الأردن يشكل نقلة نوعية نحو مواكبة الاقتصاد الرقمي وقد أحسن المشرع الأردني صنعاً بإقرار قانون متخصص ينظم التعامل بالأصول الافتراضية، بعد سنوات من الغموض والحظر القانوني، والذي يدشن مرحلة جديدة في تاريخ التشريع الأردني، وبينما يضع هذا القانون الأسس القانونية لتداول الأصول الرقمية بشكل منظم وآمن، يبقى نجاحه العملي رهيناً بمدى كفاءة التنفيذ والتنسيق المؤسسي، وبمدى قدرة النظام القانوني الأردني على التكيّف مع متغيرات سريعة في هذا المجال، وبضرورة صدور التعليمات والأنظمة التنفيذية الواضحة والمفصلة عن هيئة الأوراق المالية ومجلس الوزراء، تتناول شروط الترخيص، وضوابط الامتثال، والإفصاح، وحماية المستهلك وغيرها من المسائل التي أحال القانون في تنظيمها إلى صدور أنظمة وتعليمات مختصة بها.
المحامي عمار أبو عاصي
