حقوق المرأة في التشريعات الأردنية والمواثيق الدولية

حقوق المرأة في التشريعات الأردنية والمواثيق الدولية
مع تطور المجتمعات وتنامي دور المرأة، أصبحت حقوق المرأة ركيزة أساسية في البناء الاجتماعي والاقتصادي، لا سيما مع إدراك العالم لأهمية دور المرأة في ديمومة تطور الدول ونموها. وقد امتد الاهتمام بحقوق المرأة ليأخذ بُعدًا دوليًا، حيث أصبح الاعتراف بهذه الحقوق أمرًا ضروريًا لضمان العدالة والمساواة. ويعد هذا الاعتراف تتويجًا لنضالات طويلة هدفت إلى تمكين المرأة ومنحها حقوقًا ثابتة، نظرًا لدورها الحيوي في استمرارية البشرية وتأثيرها العميق في تطور ونهضة المجتمعات. ومن هذا المنطلق، أصبح تعزيز حقوق المرأة وحمايتها من التمييز والعنف مسؤولية جماعية تتطلب جهودًا متضافرة على المستويات المحلية والدولية لضمان تحقيق المساواة الكاملة وتمكين المرأة من أداء دورها الفاعل في مختلف المجالات.
في بدايات تطور القانون الدولي، لم تكن حقوق المرأة محل اهتمام، إذ انصب التركيز على تنظيم العلاقات بين الدول دون النظر إلى الأفراد وحقوقهم. فقد كان يُنظر إلى تقرير المصير الفردي وتحديد الحقوق والواجبات كمسائل داخلية لا شأن للمجتمع الدولي بها، وعلى الرغم من ذلك، بدأت المطالبات الشعبية بحقوق الإنسان تأخذ شكلًا أكثر وضوحًا، حيث كانت وثيقة العهد الأعظم الصادرة في إنجلترا عام 1215 أولى المحاولات في هذا السياق، تلتها مبادئ المطالبة بحق التظلم عام 1629، ثم وثيقة إعلان الحقوق عام 1689، لكنها جميعًا ظلت محدودة النطاق ولم تشمل النساء بشكل واضح، مما عكس قصوراً في الاعتراف القانوني الدولي بحقوق المرأة في ذلك الوقت، مما أدى إلى ظهور اتفاقيات دولية متخصصة تهدف إلى ضمان مساواتها بالرجل في مختلف المجالات، والتصدي للتمييز والعنف ضدها. فقد أدرك المجتمع الدولي أن الحقوق العامة المقررة في الإعلانات والمعاهدات السابقة لم تكن كافية لحماية المرأة أو ضمان تمتعها الفعلي بحقوقها، مما استدعى إصدار اتفاقيات ملزمة، مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) لعام 1979، التي شكلت حجر الأساس في تعزيز حقوق المرأة على الصعيدين الوطني والدولي.
كما أدى تزايد الانتهاكات التي تتعرض لها النساء، خاصة فيما يتعلق بحضانة الأطفال، والنفقة، والميراث، والحقوق السياسية، والتعليم، والمشاركة الاقتصادية والاجتماعية، إلى مطالبة المنظمات الدولية باتخاذ تدابير أكثر صرامة لحماية المرأة وضمان عدم تعرضها للتمييز أو العنف. وبذلك، أصبحت قضايا المرأة محورًا أساسيًا في منظومة حقوق الإنسان، حيث لم يعد يُنظر إليها كقضية ثانوية أو خاصة، بل كجزء جوهري من تحقيق العدالة والمساواة في المجتمعات الحديثة، بعدما كانت محرومة من أبسط حقوقها، كاختيار الزوج وحضانة الأطفال، فضلًا عن تعرضها للعنف الجسدي والنفسي، وشكلت الثورة الفرنسية (1789-1799) محطة بارزة في النضال ضد العنف، حيث أكدت على مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق. استمرت الجهود لمحاربة العنف ضد المرأة، حتى تأسس أول مجلس دولي للمرأة في باريس عام (1888)، حيث عمل على كفالة حقوق المرأة عبر الاجتماعات الدولية والتعاون مع المنظمات المختلفة. وفي العصر ذاته، برزت جهود لمكافحة الاتجار بالبشر، خصوصًا النساء والأطفال، مما أدى إلى إبرام اتفاقيات لمناهضة الرق وإجبار النساء على البغاء، وجاء الإنجاز الأهم بإصدار وثيقة دولية تعنى بحقوق الإنسان، حيث تم اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في ديسمبر (1948)، وقد تضمن الإعلان مفاهيم سياسية وفلسفية تعكس بعض القيم الواردة في الشريعة الإسلامية، وساهم في ترسيخ واحترام الحقوق السياسية والمدنية، إضافة إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كانت الوثيقة الدولية الأولى التي لم يتم الاعتراض عليها من الدول، ورغم أنها لم تكن ملزمة قانونيًا، إلا أنها مهدت الطريق لإصدار مواثيق ومعاهدات ملزمة، وأسفرت عن تعديل الدساتير واعتماد جميع نصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كمرجع أساسي، وفي عام (1966)، تم اعتماد العهدين الدوليين للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والحقوق المدنية والسياسية، حيث ركزا على المساواة بين الرجال والنساء في الحقوق المدنية والسياسية، والتأكيد على أن التمييز العنصري يعد من أكبر انتهاكات حقوق الإنسان. وفي عام (1967)، صدر إعلان القضاء على التمييز ضد المرأة، تلاه اتفاقية عام (1979) التي حظرت جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ويعد ميثاق الأمم المتحدة، بما يتضمنه من إعلانات واتفاقيات، المرجعية الأساسية في تطبيق حقوق الإنسان وحمايتها على الصعيد الدولي.
انتقل القانون الدولي في مجال حقوق المرأة من مرحلة اعتبارها فردًا خاضعًا لحقوق الإنسان العامة إلى مرحلة فرض حماية خاصة ومعاملة تفضيلية تأخذ في الاعتبار احتياجاتها وطبيعتها. ونتيجة لذلك، أصبحت هذه النصوص جزءًا من القانون الدولي الملزم لجميع الدول.
وفي سياق تطور حقوق الإنسان، دخلت عدة اتفاقيات حيز التنفيذ، مثل الاتفاقية الأوروبية في عام (1953)، والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان في عام (1963)، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان في عام (1966)، ويُعد الميثاق العربي لحقوق الإنسان، الصادر عن الجامعة العربية في عام (2004)، أول اتفاقية عربية شاملة تتناول نصوصًا خاصة بالمرأة، وُصِدِّق عليها من قبل سبع دول عربية. كما تم إصدار مشروع ميثاق حقوق الإنسان والشعوب في الوطن العربي ولجنة حقوق الطفل في عام (1997).
وأما على الصعيد المحلي، فقد تبوأت المرأة الأردنية منذ مراحل التأسيس الأولى أدواراً مهمة في الدولة في قطاعات الإنتاج والتعليم والتربية والعمل العام، فضلاً عن التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية خلال المئة عام الماضية، حيث كان للمرأة الأردنية دور بارز في مختلف مجالات العمل منذ سنوات طويلة، حيث نشطت في العمل التطوعي والقطاع العام كمعلمة وممرضة، وأسست هيئات وجمعيات للمطالبة بحقوقها السياسية والمدنية، على الرغم من الصعوبات التي كانت تواجهها المرأة على الصعيد المحلي، إلا أنها سعت جاهدة لإثبات ذاتها وتجاوز العقبات التي حرمتها من العديد من الفرص، جنباً إلى جنب مع الجهود المنظمة والدعم الحكومي في تمكين المرأة وتعزيز دورها في الأسرة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة الأردنية الهاشمية من خلال توفير فرص عمل وتهيئة بيئة مناسبة، مما أتاح لها الوصول إلى المعلومات واكتساب المهارات اللازمة لشغل مراكز قيادية والمشاركة الفاعلة في المجتمع، حيث يُجسّد توقيع الأردن على العديد من الاتفاقيات الدولية والإقليمية الخاصة بحقوق المرأة التزامه التام نحو صون كرامة الإنسان وتحقيق المساواة بين الجنسين؛ وسعيًا لتنفيذ هذه الاتفاقيات، فقد سعت الجهات الرسمية وغير الرسمية في الأردن إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة عبر إنشاء مؤسسات وهيئات وطنية متخصصة، كما عُدّلت القوانين لضمان انسجامها مع المعاهدات المصادق عليها، مع الحفاظ على مبدأ سيادة القانون.
وعند الحديث عن حقوق المرأة، فيجب ألا يقتصر الأمر على حمايتها، بل يمتد ليشمل تمكينها في مختلف مجالات الحياة، سواء السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية، إذ تُعد هذه الحقوق جزءًا لا يتجزأ من حقوق الإنسان الأساسية، التي يجب أن تتمتع بها المرأة باعتبارها فردًا فاعلًا في المجتمع، حيث يجب أن تكتسب المرأة حقوقها المدنية على أكمل وجه، بما فيها الحق في الحياة والحق في الحماية وحرمة المسكن وسرية المراسلات والتعاملات، فهذه الحقوق هي حقوق مستمدة من شخص الإنسان ويكون ارتباطها بالإنسان وثيقاً؛ وهذا ما أكدت عليه المادة (3) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي نصت على أنه: ” لكل فرد حق الحياة والحرية وسلامة شخصه.” وعلى الرغم من أن هذا الحق هو حق مشترك للبشر أجمعين إلا أنه ذو خصوصية من جانب المرأة وتظهر هذه الخصوصية في عدم جواز حرمان المرأة من حقها في الحياة، والذي يعد من أبرز صوره قتل المرأة بحجة الشرف، والعنف الجسدي والنفسي مبرراً بسلوكها الخاطئ، والعنف الجنسي المادي أو المعنوي سواء كانت تتعرض له بالضرب أو بالإعتداء الجنسي، والتخويف في إطار العمل، مما يستلزم بروز دور قانوني وتشريعي أكثر صرامة وإلزامية لحماية المرأة والحفاظ على حقها في الحياة والحرية والسلامة.
وكذلك الأمر في الحقوق السياسية، التي يجب أن تثبت للمرأة باعتبارها عضواً فاعلاً في الجماعات السياسية مثل حقها في الانتخاب، والترشح والسعي لنيل العضوية النيابية أو المحلية وتقديم برامج انتخابية واضحة والتنافس الشريف في العملية الانتخابية، والحق في تقلد الوظائف العامة والالتحاق ومباشرة الوظيفة وممارسة الوظائف التي ينشئها التشريع الوطني بذات الشروط وبالتساوي مع الرجال دون تمييز ودون تفضيل على أساس الجنس؛ وكذلك، تمتد حقوق المرأة لتشمل حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث تُعد الحقوق الاقتصادية للمرأة جزءًا أساسيًا من حقوق الإنسان، إذ ترتبط حقوقها المالية بنشاطها الاقتصادي داخل المجتمع، بما في ذلك حقها في العمل والتملك؛ وقد أكدت الاتفاقيات الدولية على هذه الحقوق، حيث منحت المرأة حرية اختيار المهنة، وحق الترقية، وتقاضي المكافآت، والاستفادة من الضمان الاجتماعي[1]، وكذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[2] والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية[3]واللذان أكدا على أن لكل فرد الحق في العمل واختيار مهنته وفق شروط عادلة، مع ضمان حماية البطالة والمساواة في الأجور دون تمييز، وأكدا على ضرورة التزام الدول الأعضاء بمبدأ المساواة بين الجنسين والتأكيد على ضرورة توفير بيئة عمل مناسبة تتناسب مع طبيعة عمل المرأة وقدراتها ويساعد في تعزيز مكانتها الاقتصادية، وكذلك حقوق المرأة الثقافية والاجتماعية، والتي تتمثل في حقها في التعليم وحق المرأة في الحصول على جميع أنواع الثقافات ومنها حق الملكية الفكرية والفنية والابداعية وبراءات الاختراع، حيث أن هذه الحقوق قد كفلتها الاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق الدولية للمرأة على قدم المساواة مع الرجل.
ولما تقدم، فإن القانون هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها حماية حقوق المرأة بجميع أشكالها، فلا بد من وجود ضمانات تكفل سريان حقوق المرأة عبر الدساتير، باعتبارها القانون الأسمى في الدولة والوثيقة الأساسية التي تلتزم بها كافة السلطات والتشريعات الوطنية. ومع تطور المجتمعات، يصبح تعزيز حقوق المرأة ضرورة ملحة تعكس مدى تقدم الدولة وتطورها، مما يستوجب إدماج هذه الحقوق ضمن الأطر القانونية لضمان احترامها وحمايتها، فعلى الرغم من الضمانات التي قدمها الأردن للمرأة خلال المائة عام الماضية، والتي منها تعديل التشريعات الأردنية المتعلقة بالمرأة لتتوافق مع نصوص الاتفاقيات الدولية مما يعد خطوة تعكس تطور حقوق المرأة في الأردن، إلا أنه وعلى الرغم من الجهود الرسمية المبذولة في الأردن لمواجهة العنف ضد النساء، إلا أنها لا تزال غير كافية، خاصة في ظل الارتفاع الملحوظ في عدد الحالات المسجّلة لتعنيف وقتل النساء خلال الأعوام الأخيرة في المملكة، حيث أشارت التقارير المعدة لدراسة ومتابعة مستوى حقوق المرأة في الأردن إلى أن حجم العنف المرتكب ضد المرأة الأردنية في ازدياد مشيرة إلى أن العام 2019 قد شهد نحو (21) جريمة قتل أسرية، بزيادة بلغت ثلاثة أضعاف مقارنة بعام 2018 الذي سُجلت فيه نحو (7) سبعة جرائم، معتبرةً ذلك “مؤشرًا خطيرًا على تشجيع جرائم القتل في ظل غياب الرادع القانوني، لا شك أنّ منظومة حماية المرأة التي توفرها الحكومة الأردنية عبر إدارة حماية الأسرة تبذل جهودًا كبيرة في إطار تلقي شكاوى المعنّفات وإيوائهن وتمكينهن من مسارات الحماية القضائية أو الاجتماعية، غير أنّ كثيرًا من الإجراءات لا زالت بحاجة إلى مزيد من التحسين بما يكفل حماية المعنّفات وتفعيل الردع القانوني العام في مواجهة العنف ضد المرأة، إذ لا يزال القانون الأردني يعاني من قصور واضح في معالجة ظاهرة العنف ضد المرأة، فمثال ذلك عدم تجريم القانون الأردني سوى بعض أشكال العنف المرتكب ضد النساء، حيث لم يتضمن قانون العمل عقوبات محددة على “التحرش الجنسي”، رغم ارتفاع نسبة التحرش الجنسي في أماكن العمل، والتي تجاوزت 42% وفقًا لتقارير محلية، [4]وكذلك قانون الأحوال الشخصية الأردني، حيث لم ينص قانون الأحوال الشخصية الأردني على حقوق صريحة للمرأة إنما جميعها حقوق ضمنية وإنما جميعها حقوق ضمنية مثل حقها في النفقة والمسكن والمهر ووضع الشروط في عقد الزواج، وعلى الرغم من مرور قانون الأحوال الشخصية بالعديد من التعديلات إلا أنه لم يأخذ بعين الاعتبار المطالبات المتكررة والحاجة المتزايدة فيما يخص المطالبة بالولاية المشتركة حيث لا زال القانون الحالي ينص على أن الولاية دائماً للرجل باستثناء الحضانة فهي للمرأة، وكذلك المطالبات المتعلقة بعدم إسقاط الحضانة عن الأم لأطفالها في حال زواجها من آخر إذ أن النص الحالي بصيغته الحالية يسقط حق الأم في حضانة أطفالها في حال تزوجت من غير والد طفلها، وكذلك فيما يخص حق المرأة بتقسيط المهر العاجل الذي يجب أن ترده للحصول على التفريق كما هو ممنوح للزوج في حالة الطلاق وعدم مقدرته على دفع المهر المؤجل حيث يستطيع أن يقوم بتقسيطه وفقاً لحالته المادية.
وأما فيما يتعلق بقصور التشريعات المتعلقة بالمشاركة السياسية للمرأة في الأردن، فعلى الرغم من الجهود المبذولة لتعزيز مشاركة المرأة في الحياة السياسية من خلال تخصيص كوتا نسائية في مجلس النواب والمجالس البلدية، إلا أن هذه التدابير لا تزال قاصرة عن تحقيق تمثيل فعلي للمرأة في مواقع صنع القرار، فوفقًا لقانون الانتخاب لمجلس النواب الأردني، تم تخصيص 18 مقعداً للنساء ضمن نظام الكوتا من أصل 138 مقعدًا، أي بنسبة حوالي 13% ، وهي نسبة متواضعة لا تعكس الطموح نحو مشاركة عادلة وحقيقية للمرأة في التشريع وصياغة السياسات العامة، وأن هذا العدد لا يضمن وصول النساء إلى البرلمان بشكل عادل، حيث أن أغلب المقاعد الأخرى تُهيمن عليها الاعتبارات الأخرى، ما يجعل فرصة المرأة خارج الكوتا محدودة للغاية، نظراً لاعتماد نسبة كبيرة من المقاعد التي تحظى بها النساء في نظام الكوتا، مما يجعل تمثيلهن مشروطًا بهذا النظام بدلًا من كونه ناتجًا عن مشاركة انتخابية حقيقية قائمة على تكافؤ الفرص مع الرجال، وتبقى النساء أقلية داخل البرلمان، ما يحدّ من قدرتهن على التأثير في القرارات التشريعية.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن القوانين الجزائية في الأردن لا تزال تشهد قصورًا في التصدي لجرائم القتل المرتبطة بالنساء، ولا تقدم الردع المطلوب. فعلى الرغم من أن القوانين الأردنية لا تمنح الرجل الحق في قتل المرأة، إلا أن جرائم الشرف نادرًا ما تؤدي إلى أحكام سجن طويلة. وفي كثير من الحالات، يمكن تخفيف الحكم إلى ستة أشهر في حال تنازل أسرة الضحية عن الدعوى المرفوعة ضد الجاني، مما يعكس ضعف العقوبات المفروضة على مرتكبي هذه الجرائم ويقلل من فاعلية القانون في حماية النساء.
ختامًا، فلا يمكن تحقيق العدالة والمساواة الحقيقية دون تمكين المرأة وضمان حمايتها عبر منظومة قانونية متكاملة تكفل حقوقها وتصون كرامتها؛ لقد قطعت الأردن شوطًا في تعزيز حقوق المرأة، سواء من خلال الانضمام إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، أو عبر التعديلات التشريعية التي تسعى إلى الحد من التمييز وتحقيق التكافؤ بين الجنسين، ومع ذلك، لا تزال هناك فجوات قانونية تعيق الوصول إلى حماية فعّالة وكافية للمرأة، لا سيما فيما يتعلق بالتصدي لجرائم العنف بأشكاله المختلفة، وتعزيز الضمانات القانونية لمشاركة المرأة في كافة مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية دون تمييز أو إقصاء، حيث أن غياب الردع القانوني الصارم لجرائم العنف ضد المرأة، والتهاون في معاقبة مرتكبيها، يؤدي إلى استمرار أنماط العنف والانتهاك بحق النساء، ويحدّ من فاعلية الجهود الوطنية والدولية في هذا السياق.
ولما تقدم، فيمكن تخليص أبرز الوسائل والسبل الفاعلة لغايات سد الفجوات والقصور التشريعي فيما يتعلق بحماية حق المرأة في المملكة الأردنية الهاشمية من خلال ما يلي:
- ضرورة تعديل القوانين الجزائية بحيث تتماشى مع الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق المرأة، لا سيما فيما يتعلق بتشديد العقوبات على جرائم العنف ضد النساء، وإلغاء أي مواد تتيح تخفيف العقوبات على مرتكبيها، مثل المادة (98) من قانون العقوبات الأردني، التي لا تزال تُستخدم كذريعة لتخفيف العقوبة في بعض حالات القتل بدافع “الشرف”.
- تجريم جميع أشكال العنف ضد المرأة، بما في ذلك العنف الأسري والتحرش الجنسي بكافة صوره، وتجريم الإكراه على الزواج، مع ضمان توفير آليات إنفاذ فعالة لحماية الضحايا ومحاسبة الجناة دون تهاون.
- تعزيز الحماية القانونية للمرأة داخل الأسرة من خلال تعديل القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية لضمان حقوق المرأة في الزواج والطلاق والحضانة والنفقة دون تعسف أو إجحاف، مع التأكيد على مبدأ المساواة والعدالة في تطبيق هذه القوانين.
- إعادة النظر في التشريعات المتعلقة بالمشاركة السياسية للمرأة، وتعديل أي نصوص قد تحد من تمثيلها في مواقع صنع القرار، بما يعزز دورها في العملية الديمقراطية، ويتيح لها التأثير الفاعل في صياغة السياسات العامة.
وعليه، فإن ضمان حقوق المرأة ليس خيارًا بل ضرورة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، إذ لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق تقدمه واستقراره دون مشاركة المرأة الفاعلة وحمايتها من كافة أشكال العنف والتمييز. ومن هذا المنطلق، فإن تحديث التشريعات الوطنية وتفعيل آليات الرقابة والتنفيذ، مع اتخاذ تدابير ملموسة لتعزيز المساواة بين الجنسين، يمثل خطوة جوهرية نحو بناء مجتمع أكثر عدالة وإنصافًا، يُمكن المرأة من أداء دورها الكامل كشريك أساسي في النهضة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
رُلى فراس الزيادين
______________________________________________________________________________
[1] United Nations General Assembly. (1967). Declaration on the Elimination of Discrimination Against Women, Article 10,https://www.ohchr.org
[2] الأمم المتحدة. (1948). الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المادة 23، https://www.un.org/en/about-us/universal-declaration-of-human-rights
[3] الأمم المتحدة. (1966). العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، المادة 6، من https://www.ohchr.org
[4] المؤسسة الأوروبية للإعلام المتوسطي. (2020). تقرير للأورومتوسطي: المرأة الأردنية.. عنفٌ متواصل وحمايةٌ غائبة.
