Skip to content

السرية المصرفية في القانون الأردني

السرية المصرفية في القانون الأردني

تتصل الأسرار اتّصالاً وثيقاً بالحياة الخاصة، لذلك كفلت أغلب الدساتير لكل فرد الحق في أن يحتفظ بأسراره، وله إن شاء أن يدلي بها أو ببعضها إلى من يشاء، فقد نصت المادة السابعة من الدستور الأردني على أن الحرية الشخصية مصونة وأنّ كل اعتداء عليها أو على الحقوق والحريات أو حرمة الحياة الخاصة للأردنيين جريمة يعاقب عليها القانون. ويقتضي الحق في الخصوصية ألّا تكون الشؤون الخاصة للفرد ومنها بياناته ومعلوماته وحساباته المصرفية وودائعه النقدية محلاً للحق في الافصاح عنها وإعلام غيره بها ما لم يسمح القانون بذلك، إذ أنّ الالتزام بالسرية المصرفية يعد من أهم الالتزامات التي تقع على عاتق البنوك والمصارف، استناداً إلى أن الكشف عن مركز العميل المالي وطريقة إدارة أمواله من الأمور الخاصة التي قد يتسبب الافصاح عنها للآخرين بإلحاق الأضرار بمصالح العميل ومصالح البنك أيضاً، وعلى الرغم من أنّ هذه السرية تعني حظر إفشاء أي معلومات تتعلق بأي من عملاء البنك تكون قد وصلت إلى أي من مسؤولي البنك أو موظفيه أو مستخدميه، إلا أنه ثمة حالات خاصة يتعين فيها الخروج على مبدأ السرية المصرفية، إضافة إلى أن ما يترتب على إخلال البنك بهذا الالتزام قيام مسؤولية البنك سواء المدنية أو الجزائية لذلك سيتم بيان أبرز الأحكام القانونية الناظمة لموضوع السرية المصرفية في التشريع الأردني وذلك وفقاً للآتي:

أولاً: مفهوم السرية المصرفية

لم يعرّف المشرع الأردني مفهوم السرية المصرفية، ولكن نصت المادة (72) من قانون البنوك الأردني رقم (28) لسنة 2000 على أنه: “على البنك مراعاة السرية التامة لجميع حسابات العملاء وودائعهم وأماناتهم وخزائنهم لديه ويحظر إعطاء أي بيانات عنها بطريق مباشر أو غير مباشر إلا بموافقة خطية من صاحب الحساب أو الوديعة أو الأمانة أو الخزانة أو من أحد ورثته أو بقرار من جهة قضائية مختصة في خصومة قضائية قائمة أو بسبب إحدى الحالات المسموح بها بمقتضى أحكام هذا القانون ويظل الحظر قائماً حتى ولو انتهت العلاقة بين العميل والبنك لأي سبب من الأسباب“.

كما ونصت المادة (73) من ذات القانون على أنه: “يحظر على أي من إداريي البنك الحاليين أو السابقين إعطاء أي معلومات أو بيانات عن العملاء حساباتهم أو ودائعهم أو الأمانات أو الخزائن الخاصة بهم أو أي من معاملاتهم أو كشفها أو تمكين الغير من الاطلاع عليها في غير الحالات المسموح بها في هذا القانون، ويسري هذا الحظر على كل من يطلع بحكم مهنته أو وظيفته أو عمله بطريق مباشر أو غير مباشر على تلك البيانات والمعلومات بما في ذلك موظفي البنك المركزي ومدققي الحسابات“.

ويمكن من خلال استقراء هذا النصوص تعريف السرية المصرفية بأنها التزام البنك أو المصرف بكتمان والحفاظ على كافة المعلومات والبيانات الخاصة بنشاطات وحسابات العملاء وعدم تمكين الغير من الاطلاع عليها وذلك في معرض قيامه بالعمل المصرفي، ومن الجدير بالذكر أنّ التزام البنك بالحفاظ على سرية معلومات وبيانات العميل هو التزام ضمني وقانوني مفروض بمقتضى أحكام القانون وبمجرد إبرام عقد مع العميل دون حاجة إلى النص الصريح على هذا الالتزام في صلب العقد.

ثانياً: نطاق التزام البنك بالسرية المصرفية

1- الملزم بحفظ السر المصرفي

يقع  هذا الالتزام على عاتق البنك ذاته بوصفه المتعاقد مع العميل، والبنك باعتباره شخص معنوي يؤدي أعماله عن طريق موظفيه الذين يحيطون علماً بمراكز العملاء ومعلوماتهم، فيقصد بالبنك الشخص المعنوي الذي يمثله رئيس مجلس الإدارة وكذلك في هذا الخصوص مدراء الفروع وكبار الموظفين الذين لهم سلطة اتخاذ القرارات ويقصد بالموظفين جميع المستخدمين والعمال الذين يسأل عنهم البنك مسؤولية المتبوع، والذين قد يفشون معلومات وصلت إليهم أثناء أدائهم لأعمالهم ووظيفتهم في البنك، وبالتالي، يسأل البنك والموظف الذي أفشى السر المصرفي ذلك أن البنك مسؤول عن أعماله تابعيه وفقاً لما تقتضيه القواعد الخاصة بمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه والواردة في القانون المدني.

2- المستفيد من حفظ السر المصرفي

إنّ التزام البنك بحفظ السر المصرفي مقرر لصالح العميل المتعاقد مع البنك، ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذا الالتزام لا يمكن أن يتقرر ضد مصالح العميل، فللعميل أن يطّلع على جميع المعلومات والبيانات المتعلقة بحساباته المصرفية، وكذلك لمن يكون له حق التمسك بحقوق العميل كوكيله الخاص متى كان ذلك في حدود وكالته، والنائب القانوني عن القاصر، وكذلك مصفي التركة، أو مصفي الشركة، إضافة إلى الخلف العام للعميل وورثته.

3- حدود التزام البنك بالسرية المصرفية

الأصل أن يلتزم البنك بكتم وحفظ جميع بيانات ومعلومات العميل التي تتوافر بها صفة السر المصرفي بحيث يجب على البنك وفقاً للمادة (72( من قانون البنوك مراعاة السرية التامة لجميع حسابات العملاء وودائعهم وأماناتهم وخزائنهم لديه، كما ويحظر عليه إعطاء أي بيانات عنها بطريقة مباشرة و/أو غير مباشرة، لكن هناك مجموعة من الاستثناءات التي ترد على التزام البنك بالسرية المصرفية والتي وردت في المادتين (72) و(73) من قانون البنوك وهي على النحو الآتي:

  • صدور موافقة خطية على الإفصاح من قبل العميل صاحب الحساب و/أو الوديعة و/أو الأمانة و/أو الخزانة و/أو من أحد ورثته.
  • صدور قرار من جهة قضائية مختصة في خصومة قضائية قائمة.
  • كما ويستثنى من أحكام السرية المصرفية، الواجبات المنوط أداؤها قانوناً بمدققي الحسابات الذين تعينهم الهيئة العامة للبنك أو البنك المركزي وفقاً لأحكام قانون البنوك.
  • إصدار شهادة أو بيان بأسباب رفض صرف شيك بناء على طلب صاحب الحق.
  • وكذلك تبادل المعلومات المتعلقة بالعملاء سواء بخصوص مديونياتهم لتوفير البيانات اللازمة لسلامة منح الإئتمان أو بخصوص الشيكات المرتجعة بدون تسديد أو أي أعمال أخرى يراها البنك لازمة لتعلقها بسلامة العمل المصرفي وذلك فيما بين البنوك والبنك المركزي وأي شركات أو جهات أخرى يوافق عليها البنك المركزي.
  • كشف البنك عن كل أو بعض البيانات الخاصة بمعاملات العميل اللازمة لإثبات حقه في نزاع قضائي نشأ بينه وبين عميله بشأن هذه المعاملات.

لا بد من الإشارة إلى أن هناك مجموعة من النصوص القانونية الواردة في بعض التشريعات الخاصة، والتي تنص صراحة على عدم العمل بأحكام السرية المصرفية، وذلك في معرض تطبيق أحكام هذه القوانين، ومثال ذلك ما نصت عليه المادة (40) من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (20) لسنة 2021 على أنه (لا تحول الأحكام المتعلقة بالسرية بما في ذلك السرية المصرفية المنصوص عليها في أي قانون آخر دون تطبيق أي من أحكام هذا القانون).

ثالثاً: المسؤولية الجزائية المترتبة على إفشاء السر المصرفي

يعد إفشاء السر المصرفي جريمة معاقب عليها في القانون الأردني، فقد نصت المادة (75) من قانون البنوك على أنه: “يعاقب كل من يخالف أحكام أي من المادتين 72و73 من هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر أو بغرامة مالية لا تقل عن عشرة آلاف دينار ولا تزيد على خمسين آلاف دينار أو بكلتا  العقوبتين” وجنحة إفشاء السر المصرفي كأي جريمة حتى يعاقب عليها القانون لا بد من توافر أركانها فبالإضافة للركن الشرعي هناك ركنان وهما:

  • الركن المادي: ويتمثل السلوك الجرمي لهذه الجريمة بالقيام بفعل الإفشاء أي إفشاء معلومات العميل السرية إلى الغير بخلاف الحالات التي يجيز فيه القانون ذلك، ولا يقتصر الأمر على الإفشاء المباشر للأسرار المصرفية، بل تقوم الجريمة في حالة تمكين الغير من الاطلاع على أسرار العميل التي يجب أن تبقى طي الكتمان، كما ويكتمل الركن المادي لهذه الجريمة حتى ولو لم يلحق بالعميل ضرر جراء الإفشاء بتلك الأسرار، ولا يشترط في الإفشاء أن يكون لمجموعة من الأشخاص وإنما يكفي أن يكون لشخص واحد ولا يشترط فيه العلانية، وعليه فإنه يشترط في الركن المادي لهذه الجريمة توافر شرطان الأول يتعلق بطبيعة ما تم إفشاؤه وأن يكون سراً مصرفياً يمنع إفشاؤه إلا في الأحوال التي يجيزها القانون، والثاني يتعلق بصفة الفاعل أن يكون قد وصل إليه السر بحكم وظيفته أو عمله فقام بإفشائه للغير.
  • الركن المعنوي: إنّ جريمة إفشاء السر المصرفي من الجرائم العمدية فلا بد أن يتوافر لدى الجاني الركن المعنوي بعنصريه العلم والإرادة وذلك بأن يكون الفاعل عالماً بفعله الجرمي ومريداً و/أو متوقعاً للنتيجة التي تحققت من هذا الفعل.

أمّا فيما يتعلق بعقوبة جريمة إفشاء السر المصرفي فإن هذه الجريمة يتنازعها نصيين جزائيين أحدهما ورد في قانون البنوك والأخر ورد في قانون العقوبات حيث ورد في نص المادة (75) من قانون البنوك (يعاقب كل من يخالف أحكام أي من المادتين 72و73 من هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر أو بغرامة مالية لا تقل عن عشرة آلاف دينار ولا تزيد على خمسين ألف دينار أو بكلتا العقوبتين).

وورد في نص المادة (355) من قانون العقوبات: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات:

  • كل من حصل بحكم وظيفته أو مركزه الرسمي على أسرار رسمية وأباح هذه الأسرار لمن ليس له صلاحية الاطلاع عليها أو إلى من لا تتطلب طبيعة وظيفته ذلك الاطلاع وفقاً للمصلحة العامة.
  • كان بحكم مهنته على علم بسر وأفشاه دون سبب مشروع.”

لكن ولمّا كان قانون البنوك هو قانون خاص، فإنه يرجّح على ما ورد بقانون العقوبات عملاً بالقاعدة التي تقضي بأن الخاص يقيد العام، وعليه يعاقب كل من قام بإفشاء الأسرار المصرفية بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر أو بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف دينار ولا تزيد على خمسين ألف دينار ويكون للقاضي إذا رأى مقتضى، أن يطبق كلتا العقوبتين على من قام بهذا الفعل.

رابعاً: المسؤولية المدنية المترتبة على إفشاء السر المصرفي

يعد إفشاء السر المصرفي جريمة معاقب عليها في معظم القوانين، سواء أكان هذا القانون هو قانون العقوبات أو قانون البنوك، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو؛ هل يمكن الاكتفاء بإيقاع العقوبة الجزائية على إفشاء الأسرار المصرفية؟ أم أن هناك مسؤولية مدنية سواء عقدية أو مسؤولية عن الفعل الضار يمكن أن تلحق مرتكب هذا الفعل؟ فالخطأ في المسؤولية المدنية هو مخالفة إما للإلتزام العقدي الذي أنشأته إرادة الأطراف أو مخالفة الالتزام القانوني المفروض بموجب القانون والمتمثل بعدم المساس بحقوق الآخرين دون وجه حق، وعلى ذلك فإنّ إفشاء البنك للسر المصرفي يعتبر خطأ يوجب مسؤولية البنك بالتعويض عن الأضرار الناشئة عنه، ولكن تجدر الإشارة الى أن المسؤولية المدنية نوعان إما أن تكون عقدية أو تقصيرية ولكن نظراً للاختلافات والفروقات الجوهرية بين هاتين المسؤوليتين أولها: من حيث الأهلية، فالأهلية في المسؤولية التقصيرية غير مطلوبة فالشخص يكون مسؤول عن الفعل الضار حتى لو كان غير مميز، أما في العقدية فإنه يجب أن يتوافر لدى الشخص أهلية التعاقد وهي بلوغ سن الرشد. ثانياً: من حيث الإثبات، حيث أنه في المسؤولية التعاقدية يلزم المتعاقد المتضرر بإثبات إخلال التزام المتعاقد بالتزامه التعاقدي، بالإضافة للضرر وعلاقة السببية، فيتوجب إثبات أركان هذه المسؤولية التقصيرية من فعل وضرر وعلاقة سببية، ثالثاً: من حيث التعويض حيث أن التعويض يختلف في المسؤولية العقدية عن التقصيرية. فالأولى: يعوض عن الضرر المتوقع أي الخسارة التي لحقت بالمضرور فعلاً دون الكسب الفائت، سنداً لنص الادة (363) من القانون المدني الأردني، والتي نصت على أنه: “إذا لم يكن الضمان مقدراً في القانون أو العقد فللمحكمة أن تقدره بما يساوي الضرر الواقع فعلاً حين وقوعه.”، وباستثناء حالة توافر الغش أو الخطأ الجسيم، فيشمل التعويض في المسؤولية العقدية عند توافر أي من حالات الغش والخطأ الجسيم، الضرر الواقع فعلاً والكسب الفائت، أما الثانية وهي المسؤولية التقصيرية فيمتد نطاق التعويض فيها ليشمل الضرر المتوقع وغير المتوقع، فإذا ما ثبت قيام المسؤولية التقصيرية يكون التعويض عن الخسارة اللاحقة والكسب الفائت سنداً لنص المادة (266) من ذات القانون، رابعاً: من حيث جواز الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية حيث أنه لا يجوز الاتفاق على الاعفاء من المسؤولية التقصيرية مسبقاً لأنها تعتبر من النظام العام، أما العقدية فيجوز الاتفاق على الإعفاء منها، لذلك فإنه يجب علينا أن نبين طبيعة المسؤولية الناشئة عن إفشاء السر المصرفي فيما إذا كانت مسؤولية عقدية أم تقصيرية؟

من حيث الأصل إنّ طبيعة المسؤولية المدنية الناشئة عن إفشاء البنك للسر المصرفي هي مسؤولية عقدية؛ إذ أن جميع العمليات التجارية التي يجريها البنك هي عبارة عن عقود سواء كانت ودائع أم تسهيلات، بالتالي فإن طبيعة العلاقة بين العميل والبنك هي علاقة تعاقدية، وبموجب هذه العلاقة التعاقدية وكغيرها من العلاقات التعاقدية فإنها ترتب التزامات في ذمة طرفيها، ومن هذه الالتزامات عدم إفشاء البنك لأسرار العميل، وعليه وفي حال إفشاء البنك للسر، فنكون عندها أمام إخلال بالتزام تعاقدي، وبالتالي تقوم المسؤولية العقدية هنا لكن ليس هناك ما يمنع من أن تكون المسؤولية تقصيرية، ولكن هذه الحالة لا تقوم إلا في حالات معينة وهي:

  • أن يقوم البنك بإفشاء أسرار العميل أثناء مرحلة التفاوض على إبرام العقد ولم يتم إبرامه.
  • أن يتم الإفشاء بعد انتهاء مدة العقد بين العميل والبنك.
  • أن يقع العقد بين العميل والبنك باطلاً لأي سبب من أسباب البطلان المتعلقة بالرضا والمحل والسبب.

الخلاصة:

تخضع البنوك في المملكة الأردنية الهاشمية لقانون البنك المركزي وقانون البنوك، وتلتزم بأحكام هذه القوانين وخصوصاً ما يتعلق بالسرية المصرفية، ويسري حظر إفشاء السرية المصرفية على مجلس إدارة البنك وكافة موظفيه أياً كانت درجاتهم الوظيفية ويقع محل الالتزام بالسرية المصرفية على أي معلومات تتعلق بشؤون البنك أو عملائه، كما ويترتب على مخالفة أحكام السرية المصرفية في غير الأحوال التي يجيز فيها القانون ذلك قيام مسؤولية البنك العقدية استناداً إلى العقد المبرم بينه وبين العميل، وفي حال لم يكن هناك رابطة عقدية بين البنك والعميل تعتبر مسؤولية البنك عن إفشاء أسرار العميل مسؤولية تقصيرية. وإضافة إلى المسؤولية المدنية تقوم المسؤولية الجزائية عن جرم إفشاء السر المصرفي، كما وتنتفي مسؤولية البنك في حال قيامه بالإفصاح عن السرية المصرفية في الحالات التي يجيزها قانون البنوك أو أحكام القوانين الخاصة.

المحامي عمار أبو عاصي

Back To Top