Skip to content

إنهاء عقد العمل غير محدد المدة بموجب إشعار

إنهاء عقد العمل غير محدد المدة بموجب إشعار

بالرجوع إلى القواعد العامة في نظرية العقود نجد أنه من حيث الأصل أن تقوم العقود على مبدأ الرضائية، والتي هي الشرط الأساسي لصحة عقد العمل، والتي تختل باختلالها قانونية العقد وصحته، حيث أن عقد العمل هو، وبحكم ماهيته، من العقود الزمنية التي لا يُتصور فيها أن تبرم على سبيل التأبيد والأبدية، وذلك نتيجةً لتطور مفهوم عقد العمل في المجتمعات، وإعمالاً لذلك نجد أن الأحكام الناظمة لعقد العمل وباعتباره عقداً رضائياً حددت الطرق التي ينتهي بها عقد العمل، حيث ينتهي عقد العمل إما بانتهاء مدته إذا كان محدد المدة، وبإرادة طرفيه أو بإرادة أحدهما المنفردة إذا كان عقد عمل غير محدد المدة، وهذا ما أكدت ونصت عليه المادة (23) من قانون العمل.

وقد صدر قرار عن محكمة التمييز الأردنية الموقرة بهيئتها العامة رقم (3034/2019) بتاريخ 12/3/2020 والذي ناقش الإشعار المنصوص عليه في نص المادة (23) من قانون العمل الأردني وتعديلاته لسنة 1996 من منظورٍ آخر جديد، حيث يمثل هذا القرار خروجاً عن النهج المعتاد والمتواتر الذي سارت عليه الاجتهادات والممارسات القضائية سابقاً حول تكييف الإشعار، وأثره على إنهاء عقد العمل غير محدد المدة، وما يرتبه من أثرٍ على حقوق العامل وصاحب العمل، الأمر الذي يستوجب معه البحث في المنظور الجديد الذي تبناه هذا القرار، مع بعض الإيضاحات حول القرارات اللاحقة التي اتبعت هذا المبدأ وأخذت به.

حيث أخذت اجتهادات محكمة التمييز بشكل متواتر في الغالبية العظمى من أحكامها معياراً محدداً لتقرير الفصل التعسفي من عدمه في إنهاء عقود العمل غير محددة المدة، وانصب هذا المعيار على أن كل إنهاء يقوم به صاحب العمل للعقد يكون تعسفياً إذا تم بدون إشعار ولم ينطبق على العامل أي من الحالات المنصوص عليها في المادة (28) من قانون العمل، وذلك بالنسبة لعقد العمل غير محدد المدة، [1] ويستنتج من ذلك أن محكمة التمييز في اجتهاداتها قد اعتبرت من حيث الأصل أنه، وفي حال تم الإنهاء بدون إشعار وبدون أن تتوافر إحدى الحالات المنصوص عليها في المادة (28) من قانون العمل، يعتبر إنهاء عقد العمل غير محدد المدة من طرف صاحب العمل فصلاً تعسفياً، إلا في الحالات التي أوردها المشرع في المادة (28) من ذات القانون، وبالرجوع إلى القواعد العامة في الإثبات فمن حيث الأصل أن يقع عبئ الإثبات على من يدعيه، فبالتالي يفترض أن يقع عبئ إثبات الفصل التعسفي على العامل، إلا أن اجتهادات محكمة التمييز الأردنية، وفي هذا الشأن، قد نقلت عبئ الإثبات على صاحب العمل، وجعلت إثبات مشروعية إنهاء عقد العمل من مسؤولية صاحب العمل[2]، إلا أنه، وباستقراء قرار محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم (3034/2019) الصادر بتاريخ (12/3/2020) مدار هذه المطالعة، نجد أنه سلك مسلكاً آخر واتبع نهجاً مختلفاً عما كان مستقراً عليه فيما يتعلق بإنهاء عقد العمل غير محدد المدة بالإشعار، فقد أعاد هذا القرار النظر في معيار الفصل التعسفي آخذاً بعين الاعتبار مبدأ الرضائية في العقود ومبدأ حسن النية بين المتعاقدين، مستنداً كذلك إلى البحث في ماهية عقد العمل من حيث طبيعته وخصائصه، ومسترشداً بالقواعد العامة لعقد العمل ونظرية العقود الواردة في القانون المدني، وخلُصَ القرارُ في متنه ونتيجته إلى أنه لا يتصور أن يكون انعقاد العقد أبدياً وأنه من باب أولى أن يتم تطبيق مبدأ عدم أبدية الالتزام المنصوص عليه في المادتين (807) من القانون المدني والمادة (23) من قانون العمل[3]، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فقد أشار القرار إلى جزئية مهمة، وهي ماهية الإشعار والغرض منه، موضحاً أن الإشعار ما هو إلا حق متبادل منحه القانون للعامل وصاحب العمل بإنهاء عقد العمل غير محدد المدة دون تعويض بشرط أن يخطر كل طرف الآخر، وأن العلة والحكمة من الإشعار تكمن في أن المشرع أراد أن يتفادى أبدية العلاقة العمالية كما هدف إلى تفادي عنصر المفاجأة بالنسبة لكلا طرفي عقد العمل، مؤكداً على أن قيام صاحب العمل بإشعار العامل قبل مدة محددة من إنهاء عقد العمل غير محدد المدة ما هو إلا ممارسة لحق أجازه القانون، وأن نص المادة (23) من قانون العمل قد أجازت إنهاء عقد العمل غير محدد المدة بالإشعار دون أن تتطرق لا من قريب ولا من بعيد إلى شرط التعليل والتسبيب، وجعل من الإشعار هو القيد الوحيد على إنهاء عقد العمل غير محدد المدة، ترسيخاً وإعلاءً لمبدأ رضائية عقد العمل، وتحقيقاً لمبدأ حسن النية بين المتعاقدين.

لاقى نهج هذا القرار استحساناً لدى الغالبية، حيث أنه وكما تمت الإشارة إليه، فبالرجوع إلى القواعد العامة في نظرية العقود فإن الأصل أن تقوم العقود على الرضائية والإرادة الحرة غير المكرهة، والتي منها عقد العمل الذي بحكم ماهيته وطبيعته لا يجوز أن يبرم على سبيل التأبيد، فعقد العمل هو من العقود المسماة التي منحها المشرع إسماً ونظم لها أحكاماً، كغيره من العقود، وحدد له خصائصاً أبرزها أنه من العقود الرضائية والملزمة للجانبين، ومن عقود المدة التي يعتبر عنصر الزمن فيها عنصراً جوهرياً، وعليه فإن اعتبار إنهاء عقد العمل غير محدد المدة بالإشعار فصلاً تعسفياً لكونه غير مسبب وغير معلل وغير مبرر ما هو إلا إخلالاً بخصائص عقد العمل وإخلالاً بمبادئ الرضائية وعدم أبدية العقود، خاصةً وأن نص المادة (23) من قانون العمل جاءت مطلقة دون اشتراط أو تقييد والمطلق يجري على إطلاقه، وأما بالنسبة للحالات الواردة في نص المادة (28) من ذات القانون ما هي إلا استثناءً عن الأصل حيث أجازت لصاحب العمل أن يقوم بفصل العامل دون إشعار إذا انطبقت عليه إحدى الحالات الواردة ضمن هذه المادة، وما يستنتج من ذلك أن الأصل هو أن يتم إنهاء عقد العمل غير محدد المدة بالإشعار فقط، إلا في حالات محددة على سبيل الحصر أجازت فصل العامل دون إشعار كما هي واردة في المادة (28)، ولا يوجد ما يستدعي أن يُفهم أو يُفسر في نصوص المواد (23) و(28) من قانون العمل أنه لغايات اعتبار إنهاء عقد العمل غير محدد المدة مشروعاً أن تتحقق إحدى الحالات المنصوص عليها في المادة (28) والإشعار مجتمعَين، خاصة وأن الحالات الواردة في هذه المادة قد لا تكون كافية وشاملة، وبالنتيجة فإنه يفترض أن ينتهي عقد العمل غير محدد المدة إما بالإرادة المنفردة لكلا الطرفين وهي الإشعار مع استحقاق العامل بدلات عن شهر الإشعار، وإما وفقاً للحالات الواردة في المادة (28)، وأما الفصل التعسفي فيفترض أن لا يتجاوز نطاق البحث في مدى تحققه إلا من خلال عنصرين وهما:

  1. هل تم إشعار العامل قبل فصله من العمل وإنهاء خدماته؟
  2. هل تم صرف بدل شهر الإشعار للعامل؟

ففي حال تحقق الشرطين مجتمعين فلا مدار للبحث في وجود الفصل التعسفي من عدمه، وأما في حال اختلال أحدهما فعندها يكون الفصل التعسفي قد وقع على العامل، ويستحق معه الحصول على بدل الفصل التعسفي وبدل شهر الإشعار.

وبالنتيجة، فإنه يكفي لاعتبار إنهاء عقد العمل غير محدد المدة من قبل صاحب العمل انهاءً مشروعاً بمجرد أن يتم إشعار العامل بذلك وأن يصرف له بدل الإشعار، ولا يشترط لأن يكون الإنهاء مشروعاً تحقق إحدى الحالات المنصوص عليها في المادة (28) و/أو أن يكون الإنهاء مسبباً أو معللاً.

وعليه، ووفقاً لأحكام المادة (23) من قانون العمل فإذا رغب أحد الطرفين في إنهاء عقد العمل غير محدد المدة فيترتب عليه إشعار الطرف الآخر خطياً برغبته في إنهاء العقد قبل شهر واحد على الأقل ولا يجوز سحب الإشعار إلا بموافقة الطرفين، ويبقى عقد العمل ساري المفعول طوال مدة الإشعار وتعتبر مدة الإشعار من مدة الخدمة .

حيث يتضح من ذلك أن عنصر الزمن هو من العناصر الجوهرية ولا يُتصور أن يكون انعقاد العقد أبدياً أو مؤبداً وقد طبق المشرع عدم أبدية الالتزام في المادتين (807) مدني و (23) من قانون العمل، فأعطى طرفي العقد العامل ورب العمل حق إنهاء العقد دون تعويض بشرط أن يخطر كل طرف الطرف الآخر إذ أنه من المقرر في نطاق عقود الزمن أن يعطى لكل من المتعاقدين حق إنهاء العقد بالإرادة المنفردة فيحق للعامل عدم تأبيد وأبدية عقد العمل حتى لا تصبح علاقة العمل نوع من الاسترقاق للعامل كما يحق لصاحب العمل الحفاظ على مصالحة الاقتصادية وتنظيم مؤسسته بالطريقة التي يراها، ومن ثم يجوز لكل من طرفي العقد إنهاء العقد بشروط معينة وواجبة حكماً على عاتق كل طرف من العامل وصاحب العمل، وهي الإشعار قبل إنهاء العقد بشهر وأن العلة والحكمة من الإشعار تكمن في أن المشرع أراد أن يتفادى أبدية العلاقة العمالية كما هدف المشرع من الإخطار تفادي عنصر المفاجأة بالنسبة للعامل وصاحب العمل كذلك ويترتب على الإشعار أو الإخطار انقضاء عقد العمل بانتهاء مدته ( مدة الإشعار)، وحيث إن صاحب العمل قد أخطر وأشعر العامل (المدعي) قبل إنهاء العقد بشهر فإن صاحب العمل قد مارس حقاً أجازه القانون له بإنهاء عقد العمل غير محدد المدة وإن إنهاءه بهذا الشكل ليس فيه تعسف وذلك وفقاً لأحكام المادة (23) من قانون العمل.

 

رُلى فراس الزيادين

[1] تمييز حقوق، 20799/2011، تاريخ 17/8/2011

[2]تمييز حقوق، 1227/2013، تاريخ 29/5/2013

[3] تمييز حقوق 3034/2019، تاريخ 12/3/2020.

Back To Top