التوقيع الالكتروني وحجيته في الاثبات

مع التطور العلمي والتكنولوجي السريع، وتطور وسائل الإتصال، ودخول الحاسوب في مختلف نواحي الحياة، وما أحدثته شبكة الإنترنت من ثورة هائلة في مجالات الحياة المختلفة وظهور ما يُسمى بالتجارة الإلكترونية التي أصبحت بحاجة إلى تواقيع تتلاءم مع طبيعتها ظهر بالنتيجة ما يُعرف بالتوقيع الإلكتروني ولم يقتصر هذا التوقيع على شكل واحد وإنما اتخذ عدة أشكال منها التوقيع عن طريق الرقم السري والتوقيع الرقمي الذي أخذ حيزًا واسعًا في مجال المعاملات الإلكترونية وأصبح معترفًا به قانونيًا، وقد كان المشرع الأردني كغيره من التشريعات الأخرى سبّاقاً لتنظيم هذه المسألة وذلك من خلال إقرار قانون المعاملات الإلكترونية رقم ١٥لسنة ٢٠١٥.
عرفت المادة (2) من قانون المعاملات الإلكترونية التوقيع الإلكتروني بأنه:
” البيانات التي تتخذ شكل حروف، أو أرقام، أو رموز، أو إشارات، أو غيرها وتكون مدرجة بشكل إلكتروني أو أي وسيلة أخرى مماثلة في السجل الإلكتروني، أو تكون مضافة عليه أو مرتبطة به بهدف تحديد هوية صاحب التوقيع وانفراده باستخدامه وتمييزه عن غيره“.
هذا التعريف يركز على ضرورة أن يؤدي التوقيع الإلكتروني الوظائف التقليدية للتوقيع، والمتمثلة في تحديد هوية الشخص الموقع، والتعبير عن إرادته ورضاه بالارتباط بالتصرف أو العمل القانوني، إلا أن هذا التعريف يُغفل بيان إجراءات إصدار التوقيع الإلكتروني وتوثيقه، والتي غالبًا ما تتولاها جهة أو شخص مرخص له من قبل الجهات المختصة، بما يضمن ارتباط التوقيع بصاحبه وحده دون غيره، ويكفل إمكانية التحقق من هوية الموقّع والتثبت منها عند الاقتضاء، الأمر الذي يعزز الثقة بالتوقيع الإلكتروني ويضمن سلامته وحجيته القانونية. ويتحقق ذلك من خلال استخدام وسائل تٌمكّن الشخص من الاحتفاظ بسيطرته على بيانات إنشاء توقيعه الإلكتروني، بطريقة تمنع الغير من الوصول إليها أو استخدامها أو الاستيلاء عليها دون وجه حق، كما تضمن سلامة البيانات الموقَّع عليها وعدم قابليتها للتعديل أو العبث بها بعد إتمام التوقيع.
يتضح أن المشرع الأردني لم يحصر التوقيع الإلكتروني في صور أو أشكال محددة، وإنما أوردها على سبيل المثال لا الحصر، بما يسمح باستيعاب أي صور أو وسائل تقنية جديدة قد تُستحدث مستقبلًا. والعلُة من ذلك تكمن في رغبة المشرع في إضفاء قدر من المرونة على التنظيم القانوني للتوقيع الإلكتروني، وتمكين المتعاملين من اختيار الوسيلة التي تحقق أعلى درجات الأمان والموثوقية، بما يواكب التطور المستمر في تقنيات المعاملات الإلكترونية.
وعند تحليل هذا التعريف نجد أن المشرع الأردني، عند تعريفه للتوقيع الإلكتروني، قد بدأ بكلمة “بيانات“، وحاول بيان صور هذه البيانات وأشكالها، وقد أورد أن أشكال تلك البيانات تكون عبارة عن حروف أو أرقام أو رموز أو إشارات أو أي شكل آخر لهذه البيانات يمكن أن تشكل في مضمونها توقيعًا إلكترونيًا، واشترط المشرع الأردني في هذه البيانات أن تتم بشكل الكتروني أو رقمي أو ضوئي أو صوتي أو أي وسيلة أخرى مماثلة، كما اشترط أن تكون مدرجة في رسالة المعلومات أي ضمن بيانات هذه الرسالة، ، ويلاحظ من هذا الشرط أمران :
- أن هذا الشرط بديهي فيجب أن يتم التوقيع الإلكتروني بهذا الشكل وإلا عُدّ توقيعًا غير الكترونيًا.
- أن المشرع لم يحصر التوقيع الكتروني بهذه الصور المذكورة في التعريف بل ترك المجال مفتوحًا لإضافة وسائل أخرى، لا سيما وأن المشرع قد أورد هذه الوسائل على سبيل المثال لا الحصر بدليل عبارة “أو أي وسيلة أخرى مماثلة“.
- التوقيع الإلكتروني بخط اليد (Digitized Signature): يتم عبر كتابة الاسم بالقلم الإلكتروني على الشاشات أو لوحات التوقيع المخصصة (Signature Pads) ليتحول إلى صورة رقمية مدمجة بالوثيقة.
- التوقيع الرقمي المشفر (Digital Signature): الصورة الأكثر أماناً؛ حيث تعتمد على خوارزميات التشفير والمفاتيح الرقمية (العامة والخاصة) لضمان عدم تزوير الهوية أو تعديل المستند بعد توقيعه.
- التوقيع البيومتري (Biometric Signature): يعتمد على الخصائص الفيزيائية الحيوية الفريدة للشخص مثل بصمة الإصبع المدمجة بأجهزة التوقيع، أو ملامح الوجه، أو بصمة العين.
- الرموز السريعة والمصادقة (OTP): إدخال كود سري مرسل إلى الهاتف المحمول أو البريد الإلكتروني للمستخدم لإتمام عملية الموافقة القانونية على المعاملات.
بالرجوع الى قانون المعاملات الإلكترونية الاردني نجد أن المادة (3/أ) من قانون المعاملات الإلكترونية الأردني رقم 15 لسنة ٢٠١٥ تنص على أنه: “تسري أحكام هذا القانون على المعاملات التي تتم بوسائل إلكترونية”، وفي هذا السياق سمح المشرع لأي وزارة أو مؤسسة رسمية عامة أو مؤسسة عامة أو بلدية إجراء معاملاتها باستعمال الوسائل الإلكترونية، شريطة توافر متطلبات التعامل الالكتروني الواردة في القانون آنف الذكر، وبذلك يكون المشرع قد وسّع من نطاق المعاملات التي يجوز التعامل بها إلكترونيًا.
إن حجية التوقيع، سواء أكان إلكترونيًا أم عاديًا، لا تترتب عليها آثارها القانونية إلا عند توافر الشروط المنصوص عليها في المادة (15) من قانون المعاملات الإلكترونية رقم (15) لسنة 2015، وهي على النحو الآتي:
- أن ينفرد به صاحب التوقيع بما يميّزه عن غيره.
- أن يحدد هوية صاحب التوقيع.
- أن يتم إنشاؤه باستخدام وسائل خاصة بصاحب التوقيع وتكون خاضعة لسيطرته.
- أن يكون مرتبطًا بالسجل ذي الصلة ارتباطًا لا يسمح بإجراء أي تعديل عليه بعد توقيعه دون أن يُحدث ذلك التعديل تغييرًا في التوقيع.
وفقًا لأحكام المادة (16) من قانون المعاملات الالكترونية: يعتبر التوقيع الإلكتروني موثقًا إذا تحققت فيه جميع الشروط المذكورة في المادة (15) من هذا القانون وكان مرتبطًا بشهادة توثيق إلكترونية صادرة وفقًا لأحكام هذا القانون والأنظمة والتعليمات الصادرة بمقتضاه، وقت إنشاء التوقيع الإلكتروني عن أي من الجهات التالية:
أ. جهة توثيق إلكتروني مرخصة في المملكة.
ب.جهة توثيق إلكتروني معتمدة.
ج.أي جهة حكومية سواء كانت وزارة، أو مؤسسة رسمية عامة، أو مؤسسة عامة، أو بلدية يوافق لها مجلس الوزراء على ذلك شريطة استيفاء متطلبات هيئة تنظيم قطاع الاتصالات.
د. وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة.
ه. البنك المركزي الأردني فيما يتعلق بالأعمال المصرفية أو المالية الإلكترونية”.
ووفقاً لأحكام المادة (17) من قانون المعاملات الإكترونية: يكون للسجل الإلكتروني المرتبط بتوقيع إلكتروني محميّ الحجية ذاتها المقررة للسند العادي ويجوز لأطراف المعاملة الإلكترونية الاحتجاج به، كما يكون للسجل الإلكتروني المرتبط بتوقيع الكتروني موثق الحجية ذاتها المقررة للسند العادي ويجوز لأطراف المعاملة الإلكترونية وللغير الاحتجاج به. وفي غير الحالتين المذكورتين أعلاه من هذه المادة يكون للسجل الإلكتروني الذي يحمل توقيعًا الكترونيًا الحجية ذاتها المقررة للسند العادي في مواجهة أطراف المعاملة الإلكترونية، وفي حال الإنكار يقع عبء الإثبات على من يحتج بالسجل الإلكتروني، ويكون للسجل الإلكتروني غير المرتبط بتوقيع الكتروني حجية الأوراق غير الموقعة في الإثبات، ويجوز إصدار أي سند رسمي أو تصديقه بالوسائل الإلكترونية شريطة ارتباط السجل الإلكتروني الخاص به بتوقيع إلكتروني موثق.
يُلاحظ أن المشرع قد ساوى في الحجية ما بين التوقيع التقليدي والتوقيع الإلكتروني، وبذلك يمكن القول أن التوقيع الإلكتروني في ظل ضمانات معينة يمكنه أن يقوم بذات الدور الذي يؤديه التوقيع التقليدي، بل يرى البعض أن التوقيع التقليدي قد لا يجد له مكانًا في ظل المعالجة الإلكترونية للمعلومات، وهناك من يرى في هذا الموضوع أنه لا يوجد أي حجية لهذا النوع من التوقيع بسبب عدم توفر الأمان والضمانات الكافية واللازمة لمثل هذا التوقيع، إلا أنه وبصدور القوانين الخاصة بالتجارة الإلكترونية أعطيت الحجية لمثل هذا التوقيع وذلك من خلال وضع إجراءات تحقق الأمن والثقة به، وتوفر له الحماية القانونية والتقنية، حيث يتم إصدار التوقيعات من قبل جهة معتمدة تصدر شهادات توثيق به ويكون مودعا لديها، وهي تعمل بترخيص وتحت إشراف السلطة التنفيذية، وتقوم هذه الجهة بتقديم شهادة إلكترونية لتأكيد هوية الموقع وصفته وصحة توقيعه ونسبة رسالة البيانات أو العقد لصاحبه.
والله ولي التوفيق،،،
المحامي بشار سليمان بكار
