Skip to content

التعسف في استعمال الحق

التعسف في استعمال الحق

يُشكّل مبدأ استعمال الحق أحد المرتكزات الجوهرية في النظرية العامة للحق في إطار القانون المدني، حيث يُقرّ للأشخاص بسلطة مباشرة حقوقهم ضمن الحدود التي رسمها المشرّع، وبما يحقق الغاية التي من أجلها تقرّر هذا الحق. غير أنّ هذه السلطة، وعلى الرغم من اتساعها، إلا أنها ليست سلطة مطلقة بل تقيّدها ضوابط موضوعية تستند إلى اعتبارات العدالة وحسن النية والوظيفة الاجتماعية للحق، بحيث لا يُصار إلى حماية الاستعمال الذي ينحرف عن هذه الضوابط ويُفضي إلى الإضرار بالغير، وهو ما يُعرف بالتعسف في استعمال الحق.

وقد كرّس المشرّع الأردني هذا المفهوم صراحةً ضمن أحكام القانون المدني الأردني، حين قرر أن استعمال الحق يكون غير مشروع إذا لم يُقصد به سوى الإضرار بالغير، أو إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب مع ما يصيب الغير من ضرر، أو إذا كانت الغاية منه غير مشروعة. ويُستفاد من هذا النص أن المشرّع لم يكتفِ بإقرار مبدأ عام، بل وضع معايير محددة يُهتدى بها لتمييز الاستعمال المشروع عن الاستعمال التعسفي، الأمر الذي يعكس توجهاً تشريعياً يرمي إلى الحدّ من التوسع في استعمال الحق وربطه بوظيفته الاجتماعية.

وينبني التعسف في استعمال الحق على مجموعة من الأركان التي لا تقوم مسؤوليته إلا بتوافرها مجتمعة. فأول هذه الأركان هو وجود حق ثابت ومشروع لصاحبه، إذ لا يُتصوّر التعسف إلا في نطاق حق قائم أصلًا، أما إذا انتفى الحق فإننا نكون بصدد عمل غير مشروع ابتداءً، لا مجرد تعسف في استعمال حق. ويتمثل الركن الثاني في انحراف صاحب الحق في استعماله، بحيث يَخرج عن الغاية التي شُرع من أجلها، وهو ما يتجلى في صور متعددة، من أبرزها قصد الإضرار، أو عدم التناسب بين المصلحة والضرر الواقع فعلاً، أو مخالفة العرف وما استقر عليه التعامل. أما الركن الثالث فيتمثل في تحقق الضرر، سواء كان مادياً أو معنوياً، على أنه يجب أن الضرر الواقع فعلاً هو نتيجة مباشرة لاستعمال الحق على نحو تعسفي. وأخيراً، يُشترط وجود علاقة سببية تربط بين استعمال الحق بشكل تعسفي وبين الضرر الواقع فعلاً.

ويُعدّ معيار قصد الإضرار بالغير من أبرز صور التعسف وأكثرها وضوحاً، حيث يتجلى التعسف في أن يكون الباعث الوحيد أو الغالب لاستعمال الحق هو الإضرار بالغير، دون أن يحقق صاحب الحق أية مصلحة يُعتد بها. غير أنّ إثبات هذا القصد يُعدّ من المسائل الدقيقة، لكونه يتعلق بعنصر نفسي باطني، ما يدفع القضاء إلى استخلاصه من الظروف والملابسات المحيطة بالتصرف. إلى جانب ذلك يَبرز معيار عدم التناسب، والذي يقوم على موازنة بين المصلحة المرجوّة من استعمال الحق وبين الضرر الناتج عنه، بحيث إذا كان الضرر الواقع فعلاً هو ضرر جسيماً والمصلحة تافهة أو ضئيلة، عُدّ الاستعمال تعسفياً حتى في غياب قصد الإضرار.

كما يتجلّى التعسف في الحالات التي يُستخدم فيها الحق لتحقيق غاية غير مشروعة، كأن يُستغلّ حق التقاضي على سبيل الكيد أو المماطلة، أو يُستعمل الحق التعاقدي بصورة تنطوي على تحايل أو التفاف على أحكام القانون. وفي هذا السياق، يتقاطع مبدأ التعسف في استعمال الحق مع مبدأ حسن النية في تنفيذ العقود، إذ يُفترض في المتعاقدين أن يمارسوا حقوقهم والتزاماتهم بروح من الأمانة والإنصاف، لا على نحو يؤدي إلى الإضرار بالطرف الآخر أو الإخلال بالتوازن التعاقدي.

وعلى صعيد التطبيقات العملية، يَظهر التعسف في استعمال الحق في نطاق الملكية، عندما يُسيء المالك استعمال سلطاته بما يتجاوز الحدود المتعارف عليها، وبشكل يُلحق ضرراً بالغير دون مبرر مشروع، كما في إقامة المنشآت أو استعمالها بشكل لا يحقق لمالكها أية منفعة تُذكر مقابل أضرار جسيمة تلحق بالجوار. كذلك يبرز التعسف في استعمال الحق في نطاق علاقات العمل، عندما يُمارس صاحب العمل صلاحياته الإدارية بصورة تنطوي على تعسف، كالفصل دون مبرر مشروع، أو استخدام سلطته التأديبية بشكل يتجاوز مقتضيات المصلحة المشروعة. ويمتد أيضاً إلى المجال الإجرائي، في حالات إساءة استعمال حق التقاضي، سواء برفع دعاوى كيدية أو استعمال وسائل الدفاع على نحو يهدف إلى إطالة أمد النزاع دون مقتضٍ.

ويترتب على ثبوت التعسف في استعمال الحق قيام المسؤولية المدنية في مواجهة المتعسف، إذ يلتزم بتعويض الغير الذي ألحق به الضرر، وذلك وفقاً للقواعد العامة في المسؤولية التقصيرية. وقد يمتد أثر التعسف، إلى الحكم بعدم الاعتداد بالتصرف أو نفاذه أو تقييد الآثار المترتبة على التصرف، وبما يحقق التوازن بين مصالح الأطراف ويمنع استغلال الحق على نحو غير مشروع. ويُلاحظ في هذا السياق أن عبء إثبات التعسف يقع على عاتق من يدّعيه، غير أن للقاضي سلطة واسعة في تقدير الوقائع واستخلاص فيما إذا كان الاستعمال قد انحرف عن حدوده المشروعة.

وفي ضوء ما تقدّم، يتبيّن أن نظرية التعسف في استعمال الحق تمثل قيداً جوهرياً على إطلاق الحقوق، وتُجسّد تحولاً جلياً في الفكر القانوني من النظرة الفردية المطلقة للحق إلى نظرة وظيفية تربطه بالمصلحة الاجتماعية. فهي ليست استثناءً هامشياً، بل إنها أداة فاعلة لضبط السلوك القانوني للأفراد ومنع الانحراف عن مقاصده المشروعة، وذلك بما يكفل تحقيق العدالة وصون التوازن بين حقوق الأفراد.

المحامية

هيا هاني العطار

Back To Top