مسؤولية الناقل البحري عن سلامة البضائع وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة للنقل البحري للبضائع (هامبورغ) وأحكام القانون الأردني

تُعدّ عقود النقل البحري من أهم عقود التجارة الدولية لما تنطوي عليه من أهمية قانونية واقتصادية كبيرة. وبالنظر إلى هذه الأهمية، تبرز ضرورة البحث في مسؤولية الناقل البحري عن سلامة البضائع، خاصة في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة. كما تتميز هذه العقود بخصوصية تتمثل في أن التزام الناقل لا يقتصر على نقل الشحنة بين ميناءين، بل يمتد ليشمل التزامًا قانونيًا بالمحافظة على سلامة البضائع طوال فترة وجودها في عهدته. وفي هذا السياق، يثور تساؤل جوهري حول مدى مسؤولية الناقل البحري عن سلامة البضائع في ظل الأوضاع الجيوسياسية الراهنة وما يشهده مضيق هرمز من إغلاق. وللإجابة عن هذا التساؤل، لا بد من الرجوع إلى أحكام اتفاقية الأمم المتحدة للنقل البحري للبضائع لعام 1978، التي جاءت في إطار جهود دولية تهدف إلى تنظيم العلاقة بين الناقل والشاحن والمرسل إليه بموجب عقد النقل البحري وأحكام القانون الأردني.
خُصصت اتفاقية هامبورغ للبحث في نطاق مسؤولية الناقل عن سلامة البضائع وحدودها ونطاقها الزمني؛ وقد اتجهت هذه الاتفاقية بوضوح نحو توسيع نطاق مسؤولية الناقل؛ حيث قررت المادة (5/1) من الاتفاقية مبدأً عامًا مؤداه، أن الناقل يُسأل عن الخسارة الناتجة عن هلاك البضائع أو تلفها، وكذلك عن الضرر الناجم عن التأخير في تسليمها، متى وقع الحادث المنشئ للضرر خلال الفترة التي تكون فيها البضائع في عهدته. حيث نصت هذه المادة على أنه: “يُسأل الناقل عن الخسارة الناتجة عن هلاك البضائع أو تلفها، وكذلك الناتجة عن التأخير في التسليم، إذا وقع الحادث الذي تسبب في الهلاك أو التلف أو التأخير أثناء وجود البضائع في عهدته على الوجه المبين في المادة (4)، ما لم يثبت الناقل أنه قد اتخذ هو أو مستخدموه أو وكلاؤه جميع ما كان من المعقول تطلب اتخاذه من تدابير لتجنب الحادث وتبعاته.“ وبذلك، تقوم مسؤولية الناقل في ظل هذه المادة على قرينة مفترضة قوامها خطأ الناقل، إذ يكفي أن يثبت المدعي وقوع الضرر (هلاك، تلف، أو تأخير) وأنه حدث أثناء وجود البضاعة في عهدة الناقل، لينتقل عبء الإثبات على الناقل الذي يتعين عليه أن يثبت أنه قد بذل عناية معقولة واتخذ كافة التدابير اللازمة التي كان من الممكن توقعها وتفاديها لمنع وقوع الحادث أو الحد من آثاره. إلا أن هذا التوسع يقابله إقرار معيار موضوعي للإعفاء، يتمثل في التزام الناقل بإثبات أنه قد اتخذ هو أو مستخدموه أو وكلاؤه جميع التدابير المعقولة التي كان من الممكن اتخاذها لتفادي الحادث وتبعاته إذ جاءت هذه المادة في الجزء اللاحق منها لتنص على أنه: “….ما لم يثبت الناقل أنه قد اتخذ هو أو مستخدموه أو وكلاؤه جميع ما كان من المعقول اتخاذه من تدابير لتجنب الحادث وتبعاته.” ويُعد هذا المعيار حجر الزاوية في نظام الإعفاء من المسؤولية في اتفاقية هامبورغ، الذي يقوم على مبدأ بذل العناية الواجبة، إذ لا يكفي لقيام الإعفاء أن يحتج الناقل بأن الهلاك أو التلف أو التأخير كان لسبب أجنبي أو خارج عن إرادة الناقل، بل يجب أن يثبت أنه قد قام ببذل العناية الواجبة واللازمة على أكمل وجه وأن هذا الضرر لم يكن قابلاً للتفادي رغم بذل العناية، وهو ما يجعل الإعفاء من المسؤولية أمرًا استثنائيًا يخضع لتقدير دقيق لظروف كل حالة على حدة.
وأما في حالة تعدد الأسباب، فلم تأخذ الاتفاقية بمبدأ تعدد الأسباب لإعفاء الناقل من المسؤولية وإنما بموجب المادة (5/6) من الاتفاقية فإنه إذا اجتمع خطأ أو إهمال من جانب الناقل أو مستخدميه أو وكلائه مع سبب آخر في إحداث الهلاك أو التلف أو التأخير في التسليم، فيسأل الناقل بقدر ما يعزي الهلاك أو التلف أو التأخير في التسليم إلى الخطأ أو الإهمال المذكور، بشرط أن يثبت الناقل مقدار الهلاك أو التلف أو التأخير في التسليم الذي لا يعزي إلى ذلك الخطأ أو الإهمال.
على الرغم من الاتفاقية لم تعالج نظرية القوة القاهرة أو الظروف الاستثنائية بشكل واضح وصريح إلا أنه نص المادة (5/6) الوارد في الاتفاقية والذي يقضي بأنه: “فيما عدا العوارية العامة، لا يُسأل الناقل إذا كان الهلاك أو التلف أو التأخير ناتجًا عن تدابير لإنقاذ الأرواح أو عن تدابير معقولة لإنقاذ الممتلكات في البحر“، يثير إشكالية قانونية دقيقة تتعلق بتحديد الطبيعة القانونية لهذا الإعفاء، ومدى اتساع نطاقه، وحدوده في مواجهة القاعدة العامة لمسؤولية الناقل البحري القائمة على افتراض الخطأ.
ابتداءً، يتعين التأكيد أن هذا النص يُمثل استثناءً صريحًا على القاعدة العامة التي أرستها الاتفاقية في المادة (5/1)، على النحو المبين أعلاه. غير أن المشرّع الدولي، وإدراكًا منه لخصوصية البيئة البحرية، قد قرر إيراد هذا الاستثناء الذي يُعفي الناقل من المسؤولية في حالات محددة، حتى ولو ترتب على أفعاله ضرر بالبضائع، متى كانت هذه الأفعال موجهة لتحقيق غاية أسمى تتمثل في إنقاذ الأرواح أو حماية الممتلكات.
ويستفاد من الصياغة الدقيقة للنص أن الإعفاء يقوم على تمييز جوهري بين حالتين: الحالة الأولى تتعلق بتدابير إنقاذ الأرواح، حيث جاء الإعفاء مطلقًا وغير مقيد بأي شرط يتعلق بمدى معقولية التدبير أو ضرورته، وهو ما يعني أن مجرد ثبوت أن الضرر قد نشأ عن تدخل يهدف إلى إنقاذ الأرواح يكفي لرفع المسؤولية عن الناقل، دون حاجة لبحث مدى كفاءة هذا التدخل أو نتائجه.
أما الحالة الثانية، فتتعلق بتدابير إنقاذ الممتلكات، وهنا قيدت الاتفاقية الإعفاء بشرط أن تكون هذه التدابير “معقولة”، وهو قيد يُخضع سلوك الناقل لرقابة معيار الناقل المهني الحريص. ومؤدى ذلك أن الناقل لا يستفيد من الإعفاء إذا ثبت أن التدابير التي اتخذها لم تكن ضرورية أو تجاوزت حدود ما يقتضيه الموقف، أو أنها انطوت على قدر من الإهمال أو سوء التقدير. وفي هذا الخصوص، فتجدر الإشارة إلى أن هذا الإعفاء لا يقوم على نفي الخطأ بالمعنى التقليدي، بل يُعد من قبيل “الإباحة القانونية” لفعل قد يُشكل في الأصل إخلالًا بالالتزام التعاقدي، إلا أن المشرّع أضفى عليه صفة المشروعية نظرًا لارتباطه بغاية أسمى. ومن ثم، فإن مسؤولية الناقل تنتفي في هذه الحالة حتى لو ترتب على فعله ضرر، طالما كان هذا الفعل مشروعًا وموجهًا لتحقيق هدف الإنقاذ. إلا أن تطبيق هذا الإعفاء يظل خاضعًا لرقابة القضاء، الذي يتعين عليه التحقق من توافر عدة شروط أهمها: أن يكون التدبير قد اتُخذ فعلًا بقصد الإنقاذ، وأن يكون الضرر نتيجة مباشرة لهذا التدبير، وألا يندرج ضمن حالات العوارية العامة، وأن يتسم التدبير بالمعقولية في حالة إنقاذ الممتلكات. كما أن عبء إثبات توافر هذه الشروط يقع على عاتق الناقل، باعتباره هو من يتمسك بالإعفاء. غير أن هذا الإعفاء قد استثني صراحة في المادة (8) من الاتفاقية في الحالة التي يثبت فيها أن الهلاك أو التلف أو التأخير في التسليم قد نتج عن فعل أو تقصير من الناقل ارتكبه بقصد التسبب في هذا الهلاك أو التلف أو التأخير أو ارتكب عن استهتار وعلم باحتمال أن ينتج عنه هذا الهلاك أو التلف أو التأخير.
ومن زاوية أخرى، فإن النص قد استثنى صراحةً حالات “العوارية العامة”، وهو استثناء بالغ الأهمية من الناحية القانونية، إذ يُشير إلى أن الأضرار الناجمة عن التدابير التي تندرج ضمن هذا النظام لا تخضع لقواعد الإعفاء من المسؤولية، وإنما تُعالج وفق نظام قانوني خاص يقوم على توزيع الخسارة بين جميع الأطراف المشتركة في الرحلة البحرية. وبذلك، فإن المشرّع الدولي قد حرص على عدم الخلط بين نظامي الإعفاء من المسؤولية والعوارية العامة، رغم التقاطع الظاهري بينهما من حيث ارتباطهما بتدابير الإنقاذ.
بناءً على ما تقدم، يتضح أن اتفاقية الأمم المتحدة للنقل البحري للبضائع (هامبورغ 1978) لم تعتمد صياغة صريحة لنظام الإعفاءات مثل القوة القاهرة أو الظروف الاستثنائية، ولم تذكرها على نحو مباشر، وإنما تبنت نهجًا يقوم على تقييم سلوك الناقل ومدى التزامه بواجب العناية اللازمة المقرر في الاتفاقية.
أما في القانون الأردني، فإن مسؤولية الناقل البحري تستند إلى مزيج من القوانين الخاصة المتعلقة بالنقل البحري مثل قانون التجارة البحرية الأردني، والقواعد العامة في القانون المدني. فلما كانت اتفاقية هامبروغ لم تعالج بصريح العبارة مفهوم القوة القاهرة أو الظروف الاستثنائية واستندت فقط إلى المعيار العام القائم على تقييم سلوك الناقل، إلا أن إعفاء الناقل البحري في القانون الأردني يستند إلى مبدأ عام في المسؤولية العقدية، مفاده أن المدين لا يكون مسؤولًا عن الضرر إذا أثبت أن عدم التنفيذ يرجع إلى سبب أجنبي لا يد له فيه، ويشمل ذلك القوة القاهرة والحادث الفجائي وفعل الغير. وقد انعكس هذا المبدأ على القوانين الخاصة بعقود النقل البحري، فقد نصت المادة (213/3) من قانون التجارة البحرية على ما يلي:
“يضمن الناقل كل ما يلحق البضاعة من هلاك وتعيب وأضرار ما لم يثبت أن هذا الهلاك وهذا التعيب وهذه الأضرار ناتجة عما يلي:
- عن الأفعال التي تشكل حادثاً عرضياً أو قوة قاهرة...”
وقد بلور الفقه والقضاء الأردنيان مفهوم القوة القاهرة باعتبارها الحدث الخارجي غير المتوقع وغير القابل للدفع. وفي هذا السياق، يثير إغلاق مضيق هرمز إشكالية قانونية معقدة فيما يتعلق بتحديد طبيعته القانونية في ضوء أحكام القانون الأردني، وتحديدًا ما إذا كان يُشكّل قوة قاهرة بالمعنى القانوني، أم مجرد ظرف استثنائي لا يرقى إلى مرتبة السبب الأجنبي المعفي من المسؤولية؟ إن الإجابة على هذا السؤال لا تتم بصورة مطلقة، بل تظل رهينة بظروف كل واقعة على حدة؛ فمن ناحية أولى، إذا بلغ الإغلاق حدًّا من الجسامة بحيث يكون مفاجئًا، عامًا، وغير متوقع، ويؤدي إلى استحالة مطلقة في المرور الملاحي دون وجود أي بدائل عملية أو فنية، فإن هذا الحدث يندرج ضمن مفهوم القوة القاهرة، لكونه يستوفي عناصرها الثلاثة: الخارجية، وعدم التوقع، واستحالة الدفع. وفي هذه الحالة، يُعفى الناقل من المسؤولية، لانقطاع العلاقة السببية بين سلوكه والضرر، وقيام سبب أجنبي مستقل يحول دون تنفيذ الالتزام. غير أن هذا التكييف لا يستقيم في جميع الحالات، إذ قد يتخذ الإغلاق صورًا أقل حدة، كأن يكون جزئيًا، أو متدرجًا، أو مسبوقًا بمؤشرات وتحذيرات دولية تسمح للناقل بتوقعه والتخطيط لتفادي آثاره. وفي مثل هذه الفرضيات، ينتفي شرط عدم التوقع، كما تضعف حجة استحالة الدفع، خاصة إذا كان بإمكان الناقل اتخاذ تدابير معقولة، كإعادة توجيه السفينة عبر مسارات بديلة، أو تأجيل الرحلة، أو اتخاذ ترتيبات لوجستية تقلل من المخاطر. وعندئذٍ، لا يُعد الإغلاق قوة قاهرة، بل مجرد ظرف استثنائي يُلقي على عاتق الناقل التزامًا مشددًا ببذل عناية إضافية، ويُبقي مسؤوليته قائمة في حال تقاعسه عن اتخاذ تلك التدابير.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن كلًا من اتفاقية هامبورغ 1978 والقانون الأردني قد أخذا بالمبدأ ذاته، وهو أن إعفاء الناقل من المسؤولية لا يتحقق تلقائيًا، وإنما يقوم على أساس مدى توافر العناية الواجبة في سلوكه، وإن اختلفت صياغة هذا المبدأ بينهما. ويكاد ينحصر الاختلاف بينهما في أن اتفاقية هامبورغ تتسم بقدر أكبر من التشدد، إذ لا تمنح الناقل قائمة جاهزة من أسباب الإعفاء، بل تُحمّله عبء إثبات أنه اتخذ جميع التدابير المعقولة لتفادي الضرر. في المقابل، يعتمد القانون الأردني على نظرية السبب الأجنبي في القانون المدني، وهي صياغة تبدو أوسع من الناحية النظرية، إلا أنها في التطبيق العملي لا تختلف كثيرًا عن نهج هامبورغ، ففي كلا النظامين، لا يُعفى الناقل من المسؤولية إذا كان بإمكانه تفادي الخطر من خلال اتخاذ إجراءات مهنية معقولة، كما أن معيار العناية الواجبة يظل المعيار الحاسم في تحديد قيام المسؤولية أو انتفائها في كلا النظامين. وبناءً عليه، لا يتحقق الإعفاء إلا إذا أثبت الناقل أنه بذل أقصى درجات العناية، وأن الضرر كان غير ممكن الدفع رغم ذلك.
وعليه، فإن تحديد التكييف القانوني لإغلاق مضيق هرمز يستند إلى معيارين متكاملين:
أولهما معيار زمني يرتبط بتاريخ نشوء التزام الناقل، أي وقت تسلمه البضاعة؛ فإذا كان التسلم سابقًا على واقعة الإغلاق، أمكن للناقل التمسك بالدفع بالقوة القاهرة متى توافرت عناصرها، وعلى وجه الخصوص صفة المفاجأة وعدم التوقع. أما إذا تم تسلم البضاعة بعد وقوع الإغلاق أو في ظل ظروفه المستقرة، فإن هذا الدفع ينتفي لغياب عنصر عدم التوقع، باعتبار أن الناقل يكون قد تعاقد وهو عالم بالظرف الاستثنائي.
أما المعيار الثاني فهو معيار موضوعي قوامه مدى التزام الناقل بواجب العناية الواجبة، إذ لا يكفي مجرد وقوع الإغلاق –حتى لو كان سابقًا على تنفيذ العقد– لنفي المسؤولية، بل يتعين على الناقل أن يثبت أنه بذل عناية الناقل المهني الحريص، واتخذ جميع التدابير المعقولة لتفادي الضرر أو الحد من آثاره، وأن تنفيذ الالتزام قد أصبح مستحيلاً استحالة حقيقية لا يمكن دفعها. وبغير ذلك، تبقى مسؤوليته قائمة، لعدم تحقق شروط السبب الأجنبي بالمعنى القانوني الدقيق.
- قرار محكمة التمييز الموقرة بصفتها الحقوقية رقم (3774/2022)، تاريخ 13/10/2022.
- قرار محكمة التمييز الموقرة بصفتها الحقوقية رقم (3245/2023)، تاريخ 31/10/2023.
- القرار الصادر عن محكمة استئناف عمان رقم (4169/2022) الصادر بتاريخ 14/6/2022
- اتفاقية الأمم المتحدة للنقل البحري للبضائع 1978.
- قانون التجارة البحري الأردني.
- القانون المدني الأردني.
