تنظيم نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية

شهدت المملكة الأردنية الهاشمية في السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في استخدام التطبيقات الذكية لتقديم خدمات نقل الركاب، الأمر الذي أوجد واقعاً تشغيلياً جديداً يتطلب إطاراً قانونياً يوازن بين تشجيع الاستثمار وضمان السلامة العامة وتنظيم المنافسة.
وفي هذا السياق، جاء إصدار نظام تنظيم نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية رقم (74) لسنة 2025 استناداً إلى أحكام قانون تنظيم نقل الركاب رقم (19) لسنة 2017، بهدف تحديث النظام الصادر عام 2018 وسدّ الثغرات والاشكالات التي برزت أثناء التطبيق العملي له.
حيث يمثل النظام الجديد خطوة متقدمة في تطوير التشريعات ذات الطابع الرقمي في الأردن، إذ يعكس التوجه الرسمي نحو تنظيم الاقتصاد التشاركي بما يضمن حقوق جميع الأطراف: الراكب، السائق، والشركة المشغلة.
حيث سيتناول هذا المقال بيان أهم التعديلات الواردة في النظام الجديد وذلك وفقاً للآتي:
من أبرز التعديلات التي جاء بها نظام تنظيم نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية رقم (74) لسنة 2025 وفقاً لما ورد في نص المادة (4/أ/2) منه، هي توحيد مقدار الكفالة البنكية المطلوبة من الشركة المرخصة لتصبح (100,000) مائة ألف دينار لكل شركة من الشركات المرخصة، وذلك بغض النظر عن عدد المركبات المرخصة لها بالعمل على التطبيق المملوك للشركة المرخصة، مع مراعاة الاستثناء الوارد في الفقرة (ج) من المادة (4) من النظام، والذي أعفى مكاتب التكسي التي ترغب في الحصول على ترخيص نقل الركاب باستخدام التطبيقات الذكية من شرط رأس المال والكفالة البنكية المنصوص عليها في النظام.
وتعد الكفالة البنكية أداة قانونية لضمان الجدية والالتزام المالي، وتشكّل ضمانة للمستهلك وللهيئة الناظمة ضد أي إخلال تعاقدي أو تشغيلي.
ألزم النظام الجديد الشركات المرخصة بربط أنظمتها التقنية إلكترونياً مع هيئة تنظيم النقل البري لتزويدها ببيانات التشغيل والحركة بشكل مباشر، وفقاً لقواعد حماية البيانات المنصوص عليها في قانون حماية البيانات الشخصية لسنة 2023، حيث ألزمت المادة السادسة من النظام الجديد المرخص له بتوقيع عقد مشاركة البيانات والربط الإلكتروني مع الهيئة لتنظيم آليات الربط الإلكتروني ومشاركة البيانات المتعلقة بتقديم الخدمة، بما يضمن الامتثال للمتطلبات التنظيمية، وحماية البيانات وتحقيق المصلحة العامة، وذلك وفقاً للنموذج المعتمد من الهيئة، ويعد هذا العقد جزءاً لا يتجزأ من متطلبات الترخيص وتجديده.
ويُعد هذا التعديل من أهم الجوانب المستحدثة، لأنه ينقل الرقابة من المستوى الورقي إلى الرقابة الإلكترونية المستمرة، ومن الناحية القانونية يشكّل الربط الإلكتروني وسيلة فعالة لتفعيل مبدأ الشفافية وتعزيز المسائلة القانونية، مع التأكيد على حق الأفراد في حماية خصوصيتهم وبياناتهم الشخصية، حيث حظرت المادة (5/ب) من النظام على المرخص له استخدام البيانات المتوافرة على قاعدة بياناته لغير غاية نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية، وذلك تحت طائلة إيقاع أي من الجزاءات المنصوص عليها في المادة (15) من النظام.
ألزم النظام بموجب البندين (ل) و(ك) من المادة الخامسة منه، الشركات المرخص لها بتخصيص نسبة من المركبات لخدمة الأشخاص ذوي الإعاقة، بالإضافة إلى تقديم تخفيضات تسويقية وعروض تفضيلية لهذه الفئة من المجتمع، وذلك بالنسبة التي يراها المرخص له مناسبة.
ويعكس هذا التعديل انسجام التشريع الأردني مع قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم (20) لسنة 2017 ومع اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي صادقت عليها المملكة الأردنية الهاشمية
ومن زاوية قانونية، يعدّ هذا الالتزام شرطاً من شروط الترخيص، وبالتالي فإن مخالفته تُعتبر إخلالاً قانونياً بمتطلبات الترخيص المنصوص عليها في المادة الخامسة من النظام، ويترتب عليه إيقاع إحدى الجزاءات المنصوص عليها في المادة (15) من النظام.
عدّل النظام الجديد بموجب المادة العاشرة منه شرط العمر للسائق بحيث لا يتجاوز (65) سنة بعد أن كان النص في النظام السابق يشترط أن لا يتجاوز عمر السائق (60) سنة، كما وأضاف النظام الجديد شرط جديد يتعلق بالسائق (مقدم الخدمة) يتمثل باجتيازه دورة تدريبية تأهيلية للعمل على نظام التطبيقات من المراكز التدريبية المعتمدة لدى المرخص له.
منح النظام الجديد بموجب المادة (19) منه الشركات العاملة ومقدمي الخدمة المصرح لهم بنقل الركاب من خلال التطبيقات الذكية بموجب النظام السابق مهلة قانونية مقدارها ستة أشهر من تاريخ سريان أحكامه أو من تاريخ انتهاء الرخصة أيهما أطول، لتصويب أوضاعها القانونية بما يتفق مع أحكام النظام الجديد، وبخلاف ذلك يعتبر الترخيص والتصريح الممنوح لأي منهما ملغى حكماً.
حيث يتفق هذا النص مع مبدأ الأثر المباشر للقرارات الإدارية التنظيمية مع الحفاظ على الاستقرار القانوني، ويهدف المشرّع من خلال هذا التدرج إلى تحقيق التوازن بين المصلحة العامة في التطبيق الفوري للقانون والمصلحة الخاصة للشركات ومقدمي الخدمة في التكيّف مع المتطلبات الجديدة دون ضرر جسيم أو تعطيل اقتصادي.
منح النظام الجديد بموجب المادة (18) منه هيئة تنظيم النقل البري من خلال مجلس إدارتها، صلاحية الطلب من هيئة تنظيم قطاع الاتصالات باتخاذ الاجراءات اللازمة لحجب أي تطبيق أو موقع إلكتروني يقدّم خدمات نقل الركاب باستخدام التطبيقات الذكية دون الحصول على الترخيص وفق أحكام هذا النظام، أو يروّج لتحميل أو استخدام تطبيقات غير مرخصة.
وتُعدّ هذه الصلاحيات من أهم التعديلات التي أفرزها الواقع العملي وانعكست بدروها على نصوص النظام الجديد، حيث لم تكن مثل هذه الأداة القانونية منصوصاً عليها في النظام السابق، وتأتي الغاية القانونية من هذا التعديل لضمان الامتثال لأحكام النظام وردع التطبيقات غير القانونية التي تعمل خارج الإطار التنظيمي، ما يعزز الثقة في الاقتصاد الرقمي الوطني ويضمن المنافسة المشروعة، وذلك على ضوء انتشار استخدام التطبيقات غير المرخصة في المملكة. وذلك على الرغم من صعوبة تطبيقها على الواقع العملي، حيث أن معظم التطبيقات غير المرخصة تعمل من خارج المملكة، وتستخدم أدوات تقنية (VPN) غير مشروعة تعيد تفعيل نفسها بعد حجبها، مما يتطلب تظافراً بالجهود فيما بين الجهات الرقابية للحد من انتشار هذه التطبيقات، ومنها إدارة السير والمركبات وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات وهيئة النقل وبالتعاون مع القطاع الخاص، وبالنتيجة التوصل إلى حلول عملية يتم من خلالها حجب هذه التطبيقات بشكل دائم ومستمر وفعال، وكذلك من خلال إحالة كل من يثبت تورطه في العمل على هذه التطبيقات من سائقين ومشغلين إلى المحكمة المختصة والحكام الإداريين لضمان عدم معاودة تشغيل هذه التطبيقات أو العمل معها.
إن نظام تنظيم نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية رقم (74) لسنة 2025 يشكّل تطوراً تشريعياً جوهرياً في البنية القانونية لقطاع النقل الرقمي في الأردن، فقد ركّز النظام على إعادة هيكلة الإطار التنظيمي لقطاع نقل الركاب بواسطة التطبيقات الذكية بما يضمن التوازن بين الحرية الاقتصادية والرقابة الإدارية، وراعى الجوانب التقنية والقانونية، ويمكن من خلال تحليل واستعراض أبرز التعديلات التي تضمنها هذا النظام، القول بأن المشرّع الأردني قد سعى من خلال إصدار هذا النظام الجديد إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:
- تنظيم المنافسة وحماية المستثمر والمستهلك.
- تعزيز الرقابة الإلكترونية وتطبيق مبادئ الشفافية.
- دمج البعد الاجتماعي وحقوق ذوي الإعاقة ضمن السياسات العامة للنقل.
وعليه، يمكن القول إن النظام الجديد يمثل نموذجاً متقدماً للتشريعات الرقمية في المنطقة، ويؤسس لمرحلة جديدة من التحول التشريعي الرقمي في الأردن.
المحامي عمار عاصي
