Skip to content

أثر الإعسار على الشركات

جاء قانون الإعسار الأردني رقم (21) لسنة 2018 استجابة لتوجهات المشرّع الأردني ورؤية الجهات ذات العلاقة نحو تعزيز بيئة الأعمال والحفاظ على استمرارية الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية في المملكة الأردنية الهاشمية. وقد تبنّى القانون نهج “الفرصة الثانية”، الذي يهدف إلى تمكين الأشخاص الممارسين لنشاط اقتصادي – سواء أكانوا من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين، بما في ذلك أصحاب المهن المسجّلين والمرخّص لهم – من إعادة تنظيم أعمالهم وإعادة هيكلتها المالية، بما يتيح لهم النهوض مجدداً والاستمرار في السوق بدلاً من اللجوء إلى التصفية الفورية والخروج النهائي من النشاط الاقتصادي. ويعد هذا النهج بمثابة إطار قانوني داعم للشركات المتعثرة أو تلك التي على وشك التعثر، من خلال توفير آلية لإعادة تأهيلها وإدماجها مجدداً في السوق لمساعدتها على الخروج الآمن من حالة التعسر المالي، وذلك عبر خطة إعادة تنظيم تُعد وتُنفذ تحت إشراف المحكمة ووكيل الإعسار المعين وفقاً لأحكام القانون، وبناء على طلب إشهار الإعسار الذي يقدم إلى المحكمة المختصة. وقد كفل المشرّع، في هذا السياق، موازنة دقيقة بين مصالح المدين ومصالح الدائنين، إذ يتم تنفيذ إجراءات إعادة التنظيم دون المساس بحقوق الدائنين. وتنسجم العديد من نصوص القانون مع أفضل الممارسات والتجارب الدولية في هذا المجال الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني ومؤشراته. إذ يساهم القانون في المحافظة على وجود المنشآت الاقتصادية وتمكينها من مواصلة أعمالها، وبقاء العاملين فيها على رأس عملهم، ويزيد الائتمان المالي ما يضفي المزيد من الأمان والاستقرار على البيئة الاستثمارية ويجعلها أكثر أمناً واستقراراً وجذباً للاستثمار المحلي والأجنبي.

يمر طلب إشهار الإعسار سواء الفعلي أو الوشيك بثلاث مراحل وهي: المرحلة التمهيدية ثم إعادة التنظيم وتعد هاتين المرحلتين هما جوهر قانون الإعسار أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة التصفية وهي المرحلة التي يتم اللجوء إليها فقط عند تعذر إعادة التنظيم أو عدم الموافقة على خطة إعادة التنظيم أو عدم القدرة على تنفيذها.

وقد عرف القانون الإعسار على أنه: توقف المدين أو عجزه عن سداد الديون المستحقة عليه بإنتظام أو عند تجاوز إجمالي الإلتزامات المترتبة عليه إجمالي قيمة أمواله.

كما عرف ذات القانون الإعسار الوشيك على أنه: الحالة التي يتوقع فيها أن يفقد المدين القدرة المستقبلية على سداد ديونه عند استحقاقها خلال ستة أشهر رغم قدرته الحالية على سدادها.

ولما عرف القانون الإعسار والإعسار الوشيك فيستنتج من ذلك أن للإعسار نوعين وهما: الإعسار الفعلي والإعسار الوشيك، ويتم تقديم طلب إشهار الإعسار إلى المحكمة المختصة من المدين أو أحد دائنيه أو مراقب عام الشركات إذا كان المدين شركة، وفي هذا الخصوص تجدر الإشارة إلى أن طلب إشهار الإعسار الوشيك لا يقبل إلا من المدين نفسه، أما دائني المدين أو مراقب عام الشركات -إذا كان المدين شخص اعتباري- فلا يقبل طلبهم ما لم يتمكنوا من إثبات أن المدين قد دخل في حالة الإعسار الفعلي.

الإطار التنظيمي والإجرائي لتقديم طلب إشهار الإعسار:

تبدأ إجراءات إشهار الإعسار بعد أن يقدم المدين طلب إشهار الإعسار إلى المحكمة المختصة، وبعد أن تقوم المحكمة بقبول طلب إشهار الإعسار شكلاً وإعلان قرار إشهار الإعسار. وفي هذا الخصوص تجدر الإشارة إلى أن المشرع قد حدد إطاراً زمنياً يجب على المدين فيه تقديم الطلب، وذلك خلال شهرين من تاريخ علمه الفعلي أو المفترض بأنه قد دخل في مرحلة الإعسار الفعلي، ويستخلص من تحديد هذا الإطار الزمني أن طلب إشهار الإعسار يجب أن يُقدّم في الوقت المناسب، أي قبل أن تصل المنشأة أو المشروع الاقتصادي إلى مرحلة الانهيار الكامل وتوقف النشاط، وقبل أن تصبح إجراءات إعادة التنظيم عبثية لا تحقق أي غاية اقتصادية. وقد أكدت المادة (8) من القانون هذه الغاية بوضوح، عندما اشترطت تقديم بيانات محاسبية ومالية للسنوات الثلاث السابقة لتقديم الطلب، والتي من شأنها أن تظهر استمرار المدين في ممارسة نشاطه الاقتصادي وقت تقديم الطلب. وهذا الشرط لم يُوضع عبثًا، بل قصد منه المشرّع التحقق من أن المدين ما زال قابلاً للإنقاذ المالي والتنظيمي، وأن طلب الإعسار ليس مجرد وسيلة للتهرب من الديون بعد توقف النشاط وتصفيته الواقعية.

كما اشترط القانون أن يرفق بطلب الإعسار تقريراً مفصلاً يتضمن أسباب الإعسار وتحليلاً لمستقبل النشاط الاقتصادي، وشهادة من جهة تسجيل المدين، السجلات المالية والمحاسبية للمدين للسنوات المالية الثلاث التي تسبق تاريخ تقديم الطلب، قائمة مفصلة بالدائنين والمدينين، وكشف مفصل بالأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة للمدين.

أبرز الآثار المترتبة على إشهار الإعسار:

  • يحتفظ المدين بصلاحية إدارة أعماله المعتادة تحت إشراف وكيل الإعسار.
  • وقف احتساب الفوائد وغرامات التأخير من تاريخ إشهار الإعسار.
  • يُمنع التنفيذ والحجز على أموال المدين، كما تُمنع إقامة دعاوى جديدة ضده. يستمر هذا الحظر لمدة ستة أشهر من الإشهار أو لحين إقرار خطة إعادة التنظيم، أيهما أسبق. ولكن يجوز لأصحاب الحقوق المضمونة التنفيذ على ضماناتهم دون التأثير على استمرار النشاط، وتُسلّم حصيلة التنفيذ لوكيل الإعسار لتوزيعها.

ختامًا، يُعد قانون الإعسار الأردني لسنة 2018 محطة تشريعية محورية أعادت تعريف العلاقة بين الدائن والمدين، ووضعت إطارًا عصريًا يوازن بين حماية الحقوق واستمرارية النشاط الاقتصادي. فهو لا يُنظر إليه كأداة تصفية، بل كفرصة قانونية ثانية تمكّن الشركات المتعثرة من النهوض مجددًا ضمن بيئة منظمة وتحت إشراف قضائي ومهني.

لقد أسّس هذا القانون لثقافة جديدة في التعامل مع التعثر المالي، تستند إلى الوقاية والشفافية والإنقاذ، لا إلى العقوبة أو الإقصاء. ومع اتساقه مع أفضل الممارسات الدولية، بات يشكّل عنصر جذب للاستثمار ويعزز الثقة بمنظومة الاقتصاد الوطني، ما يفرض على المعنيين تطبيقه بوعي ومسؤولية تليق بروحه الإصلاحية وأهدافه الاستراتيجية.

المحامي بشار بكار

 

Back To Top