نظام إدارة القسم المشترك في العقار والمجمع العقاري

إدارة القسم المشترك في العقار والمجمع العقاري: استحداث القوانين والأنظمة ذات العلاقة وتعديلاتها لعام 2025
يشكّل تنظيم الملكية المشتركة في العقارات والمجمعات العقارية أحد أهم التحولات التشريعية التي طرأت على المنظومة العقارية في المملكة الأردنية الهاشمية في الآونة الأخيرة؛ فمع تنامي نشاط الاستثمار العقاري والتزايد السريع والمستمر في تطوير المجمّعات العقارية متعددة الوحدات العقارية، برزت حاجة ماسّة إلى إطار قانوني ينظم إدارة الأجزاء المشتركة بين المالكين والشاغلين والمنتفعين في العقارات والمجمعات العقارية، ويكفل تحقيق الانسجام بين مصالح الأفراد ومتطلبات العيش المشترك، خاصة في المجمعات العقارية الكبيرة التي تتسم بالصفتين التجارية والسكنية.
إن القوانين والأنظمة التي كانت تعالج الملكية في العقارات والمجمعات العقارية لم تكن تعالج بشكل كافٍ موضوع الملكية المشتركة للأجزاء غير القابلة للقسمة كالأسطح والمصاعد والمواقف وغرف الخدمات وغيرها من الأجزاء المشتركة التي تختلف من مجمع عقاري لآخر. ونتيجة لتراكم النزاعات العملية في هذا السياق، والحاجة إلى تطوير المنظومة التشريعية لتواكب متطلبات التطور في هذا القطاع فقد تم استحداث تنظيم صريح لهذه المسألة بموجب نظام إدارة القسم المشترك في العقار والمجمع العقاري رقم (89) لسنة 2020 الصادر بموجب نص المادة (123) من قانون الملكية العقارية الجديد رقم (13) لسنة 2019، ليكون هذا النظام أول إطار تنظيمي مستقل يعالج إدارة الممتلكات المشتركة، وذلك من حيث تشكيل جمعيات المالكين وإدارتها، والتزامات المالكين، وتوزيع النفقات وبدل الخدمات، وتنظيم استخدام المرافق المشتركة، وغيرها من التفاصيل التي كانت تغيب عن المشهد التشريعي سابقاً خاصة قانون ملكية الطوابق والشقق الملغي.
إلا أنه سرعان ما كشف التطبيق العملي لهذا النظام عن العديد من الثغرات والصعوبات التي حالت دون التمكن من تطبيق هذا النظام بشكل سلس على أرض الواقع، خاصة في ظل التباين في حجم المشاريع العقارية وتعقيداتها، وحداثة هذا النوع من العقارات في السوق الأردني وعدم وجود السوابق الكافية التي كان من شأنها أن تساعد في سن وتشريع نظام أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ، مما دعا إلى إدخال تعديلات جوهرية على هذا النظام بهدف تعزيز دوره، وتفعيل أدواته، وتسهيل آليات تنفيذه، وجعله أكثر واقعية وهو ما تم عبر تعديلات لاحقة عكست استجابة المشرّع الأردني لتطور القطاع العقاري.
وعلى ضوء ما تقدّم، تسلّط هذه المقالة الضوء على أبرز ما تم استحداثه تشريعياً في هذا الخصوص إضافة إلى التعديلات التي طرأت عليها في الآونة الأخيرة، مع تحليل أثرها العملي في تنظيم الملكية المشتركة، ودور هذه التعديلات في ترسيخ بيئة عقارية أكثر توازناً وعدالة واستدامة.
بداية، وقبل عرض أبرز التعديلات التي طرأت على نظام إدارة القسم المشترك في العقار والمجمع العقاري رقم (89) لسنة 2020، فلا بد من الإشارة أولاً إلى أهم ما جاء به هذا النظام من أحكام ناظمة لإدارة القسم المشترك عند صدوره لأول مرة في عام 2020، باعتباره أول تنظيم قانوني مستقل يُعنى حصريًا بهذا النوع من الملكيات، حيث نظمها بشكل أوضح وأدق من خلال مجموعة من الأحكام الجوهرية، أبرزها ما يلي:
حدد النظام عند صدوره ماهية جمعيات المالكين بصورة أدق وأوضح مما كانت عليه سابقاً حيث أكد على أن جمعية المالكين تتكون حكماً من مجموع مالكي الوحدات العقارية في البناء، وتتمتع الجمعية بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة بالقدر اللازم لإدارة ذلك البناء، مما يمنحها القدرة على ممارسة أعمالها بشكل قانوني وفعّال ومنظم، بما في ذلك إبرام العقود، والتقاضي، وفتح الحسابات البنكية والمصرفية، ما يعزز من قدرتها على أداء مهامها بكفاءة واستقلالية.
كذلك، وضح النظام كيفية إدارة المجمع العقاري بصورة أكثر تفصيلاً إذ تُدار جمعية المالكين من خلال مجلس إدارة يُنتخب من قبل الهيئة العامة للجمعية، ويتولى المجلس إدارة واستعمال واستغلال الأقسام المشتركة والبنى التحتية المخصصة لخدمة البناء والمحافظة على إدامة الخدمات، ويمثل الجمعية في ذلك، ولا يحق لأي من مالكي الوحدات العقارية إدارة هذه الأقسام أو التصرف فيها أو استغلالها دون موافقة الجمعية ووضح كذلك حدود صلاحيات مجلس الإدارة ونطاق التزاماته.
أكد النظام عند صدوره على ضرورة إعداد نظام داخلي لإدارة العقار وتسجيله لدى دائرة الأراضي والمساحة، ليكون بمثابة المرجع القانوني الناظم لكيفية إدارة القسم المشترك في العقار من خلال بيان الحقوق والواجبات، وآليات اتخاذ القرار، وإدارة الأقسام والمرافق المشتركة وتنظيم اجتماعات الهيئة العامة، وانتخاب مجلس الإدارة، والمسائل المالية، وغيرها من الأمور المتعلقة بإدارة العقار وذلك بهدف ضمان شفافية القواعد الناظمة للحياة المشتركة، ولتفادي النزاعات التي قد تنشأ بشأن استخدام الأقسام والمرافق المشتركة.
وأما على صعيد صلاحيات مجلس الإدارة في تنظيم وإدارة الشأن المالي للجمعية خاصة في نطاق تحصيل بدل الخدمات المشتركة المترتب في ذمة المالكين، حيث أكد النظام على أن القرارات التي يصدرها مجلس الإدارة والمتعلقة بتحصيل بدل الخدمات تُعد بمثابة أسناد تنفيذية يمكن تنفيذها مباشرة أمام دوائر التنفيذ دون الحاجة لإقامة دعاوى قضائية، وهو ما يُعد نقلة نوعية في ضبط عملية التحصيل وضمان استمرارية الخدمات المشتركة، وعالجت هذا التعديلات في الوقت ذاته حالات التهرب من الدفع التي كانت تُعطّل سير العمل داخل المجمعات.
ولتفعيل التزام المالكين بأحكام النظام الداخلي، فقد منح النظام المعدل لجمعيات المالكين صلاحيات فرض غرامات وعقوبات تنظيمية على من يخالف القواعد المنصوص عليها في النظام الداخلي للجمعية، سواء نتيجة إساءة استخدام أي من الأقسام أو الخدمات المشتركة أو الامتناع عن دفع المستحقات المالية، مع إمكانية تعليق بعض الخدمات المشتركة عن المخالفين بعد استنفاذ الإجراءات القانونية. وهذا التوجه يسهم في ترسيخ مبادئ العدالة والانضباط، ويُحافظ على جودة المرافق والقدرة على صيانتها بشكل دوري، ويمنع الاستغلال غير العادل من قبل بعض الملاك غير الملتزمين.
وأما فيما يتعلق بالتعديلات الجديدة لعام 2025 التي طالت نظام إدارة القسم المشترك في العقار والمجمع العقاري فقد كان أبرزها ما يلي:
وفي إطار تعزيز كفاءة إدارة وتشغيل الأقسام المشتركة، أجاز النظام للجمعيات التعاقد مع شركات إدارة وصيانة متخصصة بشرط التقييد بمعايير الشفافية والإفصاح، ويهدف هذا التوجه إلى ضمان أعلى جودة ممكنة للخدمات المُقدمة، ورفع مستوى الاحتراف في صيانة وتشغيل الأبنية والمرافق، وهو ما يَصُب في مصلحة السكان والمستثمرين على حد سواء، وبذات الوقت تخفيف العبء الإداري الملقى على الجمعيات وتمكينها من التركيز على دورها الرقابي والتخطيطي، وذلك بإسناد المهام التشغيلية إلى جهات ذات خبرة في مجال التشغيل والإدارة.
في خطوة مهمة لتعزيز التزام المالكين بسداد المبالغ المالية المستحقة لجمعية المالكين، أُدخل تعديل جوهري على نظام إدارة القسم المشترك في العقار والمجمع العقاري، فبالإضافة إلى أن القرارات الصادرة عن مجلس إدارة الجمعية بشأن تحصيل المبالغ المالية تُعتبر أسناداً تنفيذية قابلة للتنفيذ مباشرة، أضاف التعديل الجديد شرطًا أساسيًا يقضي بضرورة الحصول على براءة ذمة من الجمعية قبل إجراء أي تصرف ناقل للملكية في الوحدة العقارية. هذا التعديل يُعدّ تطورًا مهمًا في حماية الذمة المالية للجمعية، حيث يضمن تسوية جميع الالتزامات المالية المترتبة على المالك قبل نقل ملكية الوحدة العقارية. بذلك، يُسهم في منع محاولات التنصل من الالتزامات المالية، ويعزز من استقرار الوضع المالي للجمعية، مما ينعكس إيجابًا على جودة الخدمات المقدمة وصيانة المرافق المشتركة.
ومن أبرز التعديلات الجوهرية التي طالت نظام إدارة القسم المشترك في العقار والمجمع العقاري، فقد أولى المشرّع أهمية خاصة لتنظيم آلية عقد اجتماعات الهيئة العامة ونصاب اجتماعات الهيئة العامة، وذلك لضمان مشاركة فعلية وفاعلة للمالكين في حضور الاجتماعات واتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة العقار، حيث أنه وعند صدور نظام إدارة القسم المشترك في العقار والمجمع العقاري رقم (89) لسنة 2020، لم يتطرق النظام بصيغته الأصلية إلى الحالة التي لم يكتمل فيها النصاب القانوني في الاجتماع الأول للهيئة العامة لجمعية المالكين، مما حال دون تمكن العديد من الجمعيات في المملكة من انتخاب مجالس إدارتها نظراً لعدم اكتمال النصاب ولعدم وجود آلية واضحة تنظم هذه الحالة. وقد تم تعديل الفقرة (هـ) من المادة (7) من النظام لمعالجة هذه الإشكالية، حيث نص التعديل على أن الاجتماع الأول للهيئة العامة للجمعية يكون قانونياً بحضور أعضاء يمثلون (51%) فأكثر من إجمالي أعضاء الهيئة العامة، وفي حال عدم اكتمال النصاب، يُعقد اجتماع ثانٍ بعد سبعة (7) أيام، ويكون قانونياً بحضور (25%) فأكثر من إجمالي أعضاء الهيئة العامة.
وفي خطوة تواكب التطورات الرقمية وتُعزز الشمولية والمشاركة الفاعلة، وتعكس مدى الانفتاح على الوسائل الحديثة ومتطلبات العصر، وتوفيراً للوقت والجهد وخصوصاً للمالكين غير المقيمين أو الذين لا تسمح ظروفهم بالحضور الشخصي، فقد أتاح النظام المعدل عقد اجتماعات الهيئة العامة باستخدام الوسائل الإلكترونية، شريطة تحقيق النصاب القانوني وتوفير وسيلة تفاعلية للمشاركة الفعلية لكافة المالكين الحاضرين. حيث أن السماح باستخدام الوسائل الإلكترونية لعقد الاجتماعات يعزز من جاذبية السوق العقاري الأردني أمام المستثمرين، وخصوصاً الأجانب والمؤسسات الاستثمارية، لما يوفره من بيئة تنظيمية مرنة، قابلة للتكيف مع التحولات الرقمية، بالإضافة إلى أنه يعكس انفتاح البيئة التشريعية الأردنية على مفاهيم الحوكمة الرقمية، كما يُسهم في تعزيز ثقة المستثمرين بوجود بيئة قانونية مرنة ومتطورة وذلك دون الإخلال بالمبادئ القانونية الثابتة.
وكذلك، ومن أهم التعديلات الجديدة التي طرأت على النظام والتي تشكل فارقاً مهماً في آلية التصويت واتخاذ القرارات هو التعديل الذي أُدخل على الفقرة (و) من المادة (8)، والمتعلقة بآلية التصويت داخل الهيئة العامة لجمعية المالكين. ففي الصيغة السابقة للنظام، كان لكل عضو في الهيئة العامة صوت واحد فقط عند التصويت، بغض النظر عن عدد الوحدات العقارية التي يملكها. أما التعديل الجديد، فقد منح كل عضو من أعضاء الهيئة العامة لجمعية المالكين (“المالك“) صوت واحد مقابل كل وحدة عقارية يملكها في البناء عند التصويت على قرارات الهيئة العامة.
وأما فيما يتعلق بالتعديل على النظام الداخلي للجمعية، فقد تم التعديل على الفقرة (ج) من المادة (8) التي كانت تشترط سابقاً الحصول على موافقة أعضاء يمثلون (75%) فأكثر من إجمالي أعضاء الهيئة العامة للتعديل على النظام الداخلي، بينما بموجب التعديلات الأخيرة فقد خُفض النصاب إلى (51%) بدلاً من (75%) في الاجتماع الأول وبما لا يقل عن (25%) في الاجتماع الثاني في حال عدم اكتمال النصاب في الاجتماع الأول.
ولا شك أن تنظيم الاجتماعات بهذه الدقة والمرونة يعزز من الشفافية والمشاركة الفعلية، وينعكس إيجاباً على الاستقرار الإداري داخل المجمعات العقارية، ويمنع تعطل القرارات اللازمة للصيانة والتشغيل، كما يوفر مناخاً مطمئناً للمالكين والمستثمرين، ويُعزز من استقرار العلاقات داخل المجمع العقاري.
وعلى منظور أوسع، تُعد هذه التعديلات خطوة استراتيجية تسهم في جذب وتشجيع الاستثمار في السوق العقاري الأردني؛ إذ أن وجود إطار قانوني واضح ومستقر لإدارة المرافق المشتركة يُعد من العوامل الحاسمة والمهمة التي يأخذها المستثمر بعين الاعتبار قبل ضخ الأموال في أي مشروع عقاري، سواء في القطاع السكني أو التجاري أو الفندقي. فالمستثمر يبحث دوماً عن بيئة مُنظمة، يمكنه من خلالها حماية أمواله وضمان عوائد استثماره دون الدخول في نزاعات إدارية أو مالية مرهقة. وقد ساهم النظام المعدل في تعزيز هذا المناخ من خلال ضمان إدارة احترافية للمجمعات، وتكريس مبدأ الشفافية، والحوكمة، وسهولة اتخاذ القرار، وتحصيل الحقوق، كما يؤكد النظام أن الأردن يسير بخطى ثابتة نحو تعزيز البنية التشريعية لقطاع العقارات، وجعلها أكثر احترافية وشفافية.
وفي الختام، فإن التعديلات على نظام إدارة القسم المشترك لا تمثل مجرد تحديث تشريعي، بل تُعدّ ركيزة أساسية في إرساء منظومة قانونية عصرية متكاملة تُسهم في رفع كفاءة قطاع العقارات في الأردن وتحقيق الاستدامة المجتمعية، وتحسين جاذبية المملكة كمركز إقليمي واعد للاستثمار العقاري.
المحامية هيا هاني العطار
